انتخابات رئاسية تركية محفوفة بالتوتر وبالغة الأهمية   
الأحد 1428/4/5 هـ - الموافق 22/4/2007 م (آخر تحديث) الساعة 14:33 (مكة المكرمة)، 11:33 (غرينتش)

بشير موسى نافع

في الثاني عشر من هذا الشهر، عقد رئيس الأركان التركي الجنرال يشار بيوك أنيت مؤتمراً صحفياً نادراً، لأنه ليس من عادة قادة الجيش التحدث هكذا للشعب من خلال وسائل الإعلام.

"
النزعة العلمانية للدولة في علاقتها بالدين لم تكن نزعة محايدة، بمعنى الحرص على عدم تدخل الدين في نظام الحكم وعدم تدخل الحكم في شؤون الدين
"
كانت المسألة التي احتلت المساحة الأكبر في حديث الجنرال هي الوضع في شمال العراق والتهديد الذي تمثله قواعد حزب العمال الكردستاني الموجودة في المنطقة العراقية الكردية للأمن القومي التركي.

ولكن الجنرال لم يفوت الفرصة لإرسال إشارتين بارزتين فيما يتعلق بالانتخابات الرئاسية التركية، في الإشارة الأولى، وجه نداء إلى نواب المجلس الوطني الكبير (البرلمان التركي، المخول باختيار الرئيس الجديد للجمهورية)، داعياً إياهم إلى انتخاب رئيس علماني حقيقي.

وفي الثانية، تدارك الدلالات التي يحملها حديثه ليؤكد أن الجيش لا يتدخل في العملية الديمقراطية، وأنه سيحترم الدستور والشرعية البرلمانية.

التوكيد على "علماني حقيقي" قد يعني أن هناك مرشحاً لا يرى كذلك من وجهة نظر الجنرال، أما التوكيد على الشرعية وحرص الجيش على عدم التدخل في العملية السياسية الدستورية فيحمل ردا غير مباشر على التساؤلات التي ترافق الحمى المتصاعدة، في تركيا وخارجها، حول الانتخابات الرئاسية وحقيقة موقف الجيش من عزم حزب العدالة والتنمية الحاكم ترشيح رئيسه رئيس وزراء الحكومة التركية الطيب رجب أردوغان لمنصب رئيس الجمهورية، المفترض أن يشغر بانتهاء ولاية الرئيس الحالي نجدت سيزر خلال أسابيع قليلة.

منذ تأسيسها في مطلع العشرينيات من القرن الماضي على أنقاض السلطنة العثمانية، حفل تاريخ الجمهورية التركية بالاضطراب.

أراد مؤسس الجمهورية، مصطفى كمال (أتاتورك)، أن تكون الدولة التركية الجديدة علمانية البنية والتوجه والهوية؛ ولكن النزعة العلمانية للدولة في علاقتها بالدين لم تكن نزعة محايدة، بمعنى الحرص على عدم تدخل الدين في نظام الحكم وعدم تدخل الحكم في شؤون الدين.

وعلى العكس قادت الدولة حملة هائلة وشاملة لإضعاف الدين ومحاربة تعبيراته، وفرضت سيطرتها على الدوائر الإسلامية التي استحال تقويضها أو التخلص منها.

وقد ولدت هذه البنية السياسية التركية الحديثة حالة من الصراع الدائم بين الإسلام، دين الأكثرية الساحقة من الأتراك، والدولة، وإلى إضعاف الأسس التي يرتكز عليها النظام الجمهوري.

خلال العقود الثلاثة الأولى من تاريخها، بدا وكأن الجمهورية التركية قد تجاوزت لحظة الولادة العسيرة والشاقة، ولكن ما إن فتح الباب للتعددية الحزبية حتى أعطى الأتراك أصواتهم، في ثلاث دورات انتخابية متتالية، لعدنان مندريس الذي فتح لهم نافذة ولو صغيرة لاستعادة البعض من تقاليدهم الإسلامية، في 1960 تخلص الجيش في أول انقلاب عسكري من مندريس وعلقه على المشنقة.

ومنذ ذلك الحين والانقلابات العسكرية تتوالى، مرة لوضع حد لفوضى الطبقة السياسية، ومرة للوقوف أمام صعود اليسار الماركسي، وأخرى لمنع القوى الإسلامية السياسية من الوصول إلى مواقع صنع القرار.

وفي 1997، قبل عشر سنوات فقط، تخلص الجيش في أول انقلاب "ما بعد حداثي" من الحكومة الائتلافية التي قادها الزعيم الإسلامي نجم الدين أربكان، بدون أن تتحرك طوابير الدبابات ولا أن تعلن حالة الطوارئ.

العلمانية الراديكالية التي وضع قواعدها أتاتورك لم تستطع تحقيق الانتصار؛ النظام الديمقراطي لم يستطع الاستقرار؛ والعلاقة التركية بالغرب ظلت دائما علاقة قلقة، تشوبها الشكوك والتوجس.

قبل سنوات قليلة، برز حزب العدالة والتنمية في الساحة السياسية التركية، والمجموعة الصغيرة على رأس الحزب، بما في ذلك الطيب رجب أردوغان وعبد الله غل، جاءت من خلفية إسلامية سياسية، وعلى وجه الخصوص من حزب الرفاه الذي قاده نجم الدين أربكان، والذي كان حزب أكبر كتلة برلمانية في منتصف التسعينيات.

ولكن قادة العدالة والتنمية تعلموا درس الانقلاب ما بعد الحداثي في 1997 وما تلاه من حل لحزب الرفاه ومنع أربكان من العمل السياسي.

وربما يمكن تلخيص النتائج التي وصل لها أردوغان ورفاقه في أن تركيا الحالية، بتوازنات قواها الداخلية، وبظروفها الإقليمية وتحالفاتها الدولية، غير جاهزة بعد لتحول إسلامي سياسي.

"
تركيا الحالية تحتاج بناء إجماع جديد، إجماع يطمئن القوى العلمانية النافذة ويحترم الميراث الإسلامي للشعب ويعيد الروابط بالمحيط العربي والإسلامي ويطمئن القوى الغربية الحليفة
"
تركيا الحالية تحتاج بناء إجماع جديد، إجماع يطمئن القوى العلمانية النافذة، ويحترم الميراث الإسلامي للشعب، ويعيد الروابط بالمحيط العربي والإسلامي، ويطمئن القوى الغربية الحليفة.

وببرنامج يرتكز ضمنا أو صراحة على هذا التصور، اكتسح حزب العدالة والتنمية انتخابات 2002 وشكل حكومة مستقرة، حققت نجاحات كبرى على المستويات الاقتصادية والدبلوماسية.

بيد أن حكومة العدالة والتنمية عانت الكثير من الشكوك التي تحملها النخبة العلمانية التركية، داخل وخارج مؤسسة الدولة تجاهها، سواء في قيادة الجيش، أو في الدوائر العليا للجهاز العدلي والقضائي، أو في رأس المؤسسة التعليمية، أو في قطاع من الساحة الثقافية والفكرية، فلم يقتنع المعسكر العلماني التركي مطلقاً بمصداقية تخلي قادة العدالة والتنمية عن ماضيهم الإسلامي السياسي.

وقد وجدت هذه الشكوك تعبيرها الأوضح في موقف رئيس الجمهورية، قاضي المحكمة العليا السابق، نجدت سيزر، من العديد من القوانين التي أقرها البرلمان الذي يتمتع فيه حزب العدالة والتنمية بالأكثرية، أو في التعيينات التي قام بها رئيس الوزراء وأعضاء حكومته في عدد من مواقع كبار موظفي الدولة.

ولأن رئيس الجمهورية التركية لا يتمتع بمهمات شرفية وحسب، بل إن لديه أيضاً سلطة رفض التصديق على القوانين البرلمانية، والامتناع عن إقرار تعيينات كبار موظفي بيروقراطية الدولة المدنية، فقد وجدت حكومة العدالة والتنمية صعوبة بالغة في العلاقة مع رئيس الجمهورية طوال السنوات الخمس الماضية.

وظل العديد من كبار الموظفين الذين عينتهم الحكومة يحتلون مواقعهم بصفة مؤقتة؛ بينما لم تستطع الحكومة على الإطلاق وضع بصماتها على المؤسسة التعليمية، نظراً لسيطرة عناصر معادية للعدالة والتنمية على مجلس التعليم الأعلى، الذي يعين الرئيس أعضاءه.

وأن يسعى العدالة والتنمية لاحتلال موقع رئاسة الجمهورية، إذن، أمر مفهوم وواضح الدلالة، على أن الطريق ليس سهلاً.

فبعد المؤتمر الصحفي لرئيس هيئة أركان الجيش، ألقى رئيس الجمهورية نجدت سيزر خطاباً في الضباط الطلاب بكلية الحرب، يوم 14 أبريل/نيسان، مشيراً إلى أن "النظام العلماني التركي معرض لتهديدات غير مسبوقة منذ 1923".

وقال سيزر إن الخطر على العلمانية التركية ينبع من قوى داخلية وخارجية على السواء، القوى الداخلية المقصودة هي بالتأكيد العدالة والتنمية؛ أما الخارجية، فقد وصفها سيزر بالدول التي تريد تقديم تركيا كنموذج لدول العالم الإسلامي الأخرى، باعتبارها دولة إسلامية معتدلة.

واعتبر أن "المعتدل" سرعان ما يتحول إلى "راديكالي"، وأنه حتى السماح بتوجه إسلامي معتدل لدولة علمانية هو خطوة إلى الخلف.

في اليوم التالي لخطاب الرئيس، شارك زهاء ثمانين ألفا من أنصار عدد كبير من الأحزاب والتنظيمات المدنية العلمانية في مظاهرة بالعاصمة أنقرة للاحتجاج على ما أشيع من عزم رئيس الوزراء أردوغان ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية، وبدا واضحا أن انتخابات رئيس الجمهورية تولد توترا حقيقيا في البلاد، لم تشهده منذ أن أسست حكومة العدالة والتنمية لاستقرار سياسي واقتصادي واسع في البلاد.

طوال أبريل/نيسان، كان التوجه الغالب في صفوف العدالة والتنمية هو ترشيح أردوغان لرئاسة الجمهورية، ومن ثم تولي عبد الله غل رئاسة الحكومة وقيادة الحزب في الجولة الانتخابية البرلمانية القادمة المقرر إجراؤها في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

"
الأرجح أن مرشح العدالة والتنمية سيكون إما شخصية من العدالة والتنمية أقل مدعاة لإثارة الإشكاليات في الساحة السياسية التركية، أو أخرى من خارج الحزب تتمتع بمصداقية قومية وذات تاريخ ديمقراطي يؤهلها لاحترام إرادة الشعب والأكثرية البرلمانية
"
من وجهة نظر المؤيدين لهذا السيناريو، ليس من الصعب إدراك الأسباب التي رجحت كفة أردوغان؛ فهذا واحد من أنجح رؤساء الوزراء الأتراك منذ مندريس وأكثرهم شعبية، وقد بات معروفاً على نطاق واسع إقليمياً ودولياً، وهو رمز تصور العدالة والتنمية للمصالحة بين الدولة التركية والإسلام.

ولكن ما إن اقترب موعد انتهاء مهلة تقديم أسماء المرشحين حتى اتضح ميل حزب العدالة والتنمية، وميل أردوغان كذلك، إلى ترشيح شخصية أخرى.

وبالنظر إلى حجم الأكثرية التي يتمتع بها حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي، لم يكن نجاح أردوغان محل شك، ولكن المشكلة ليست في عدد الأصوات.

كون أردوغان رئيساً ورمزاً للحزب فإنه بالتأكيد الأكثر إثارة للمعارضة العلمانية، سواء داخل مؤسسة الدولة أو خارجها، وسيوحي وصوله إلى موقع الرئاسة وتولي غل موقع رئاسة الحكومة بعزم حزب العدالة والتنمية على السيطرة الكاملة على مقدرات الدولة وقرارها.

وبالرغم من أن الجيش يعرف أن المزاج الشعبي التركي ليس في وارد التساهل مع أي توجهات انقلابية، وأن التفاوض التركي مع الاتحاد الأوروبي قد ساعد مساعدة كبيرة في التقليل من حجم تدخل الجيش في شؤون الحكم، فإن من السذاجة تجاهل إمكانية لجوء المعسكر العلماني إلى خيار الانقلاب العسكري، ولم يكن خطاب نجدت سيزر في كلية الحرب بمنأى عن هذا الخيار.

من ناحية أخرى، ينبغي التذكر بأن العدالة والتنمية هو حزب حديث النشأة، تشكل كإطار تحالفي بين عدد من القوى والتجمعات والشخصيات المتقاربة، وليس المتطابقة بالضرورة. والحياة السياسية والحزبية التركية معروفة بظاهرة الانشقاقات الحزبية المزمنة.

تولي أردوغان رئاسة الجمهورية يعني دستورياً عدم تدخله في العمل السياسي وبالتالي فقدان العدالة والتنمية لرمزه وزعيمه الشعبي والكاريزمي؛ وفقدان مثل هذا القائد في هذه المرحلة المبكرة من تاريخ الحزب يهدد العدالة والتنمية بالتفتت والانشقاق.

لكل هذه الأسباب، فالأرجح أن مرشح العدالة والتنمية سيكون إما شخصية من العدالة والتنمية أقل مدعاة لإثارة الإشكاليات في الساحة السياسية التركية، أو أخرى من خارج الحزب تتمتع بمصداقية تركية قومية، لا تحمل عداء خاصاً للحزب، وذات تاريخ ديمقراطي حقيقي، يؤهلها لاحترام إرادة الشعب والأكثرية البرلمانية.

أما إذا انتصرت التوجهات لترشيح أردوغان، فإن مستقبل تجربة العدالة والتنمية سيكون محفوفاً بالمخاطر.

في كل الأحوال، ينبغي النظر إلى هذه الانتخابات الرئاسية التركية باعتبارها نقلة مهمة في تاريخ الجمهورية، ونقلة أخرى في طريق المصالحة الصعبة والبطيئة بين الدولة وشعبها.
__________________
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة