المقاومة العراقية وإشكالية الإنجاز النهائي   
الأربعاء 1430/10/24 هـ - الموافق 14/10/2009 م (آخر تحديث) الساعة 11:22 (مكة المكرمة)، 8:22 (غرينتش)
خالد المعيني


الوضع الراهن للمقاومة العراقية 
أزمة القيادة وضبط الإيقاع
مخارج الأزمة والحلول الممكنة

لا تعدو كثير من الوقائع في مجرى الصراعات العميقة والأحداث الكبرى التي تتعرض لها الشعوب سوى إشارات ونقاط تعبر بمجموعها عن مستوى آخر أكثر عمقا وغير ظاهر للعيان ويمثل جوهر الصراع وحقيقة مساراته، وعلى الرغم من تكرار النماذج وتشابه المشاهد عبر المنهج التاريخي في ظاهرة الاحتلال والعدوان، إلا أن الفارق يبقى في قدرة هذا الشعب أو ذاك وقواه الحية على تقليص واختزال حقبة الاحتلال أو إطالة أمده، وهذا أمر كثيرا ما تتحمل مسؤوليته النخب والقيادات وليست الشعوب المقهورة التي تنشد التغيير وتتعرض يوميا للاضطهاد وتتحمل جراء ذلك التضحيات الجسام.

وفي هذه السياق فإن المقاومة العراقية ليست بمنأى عن قانون المراحل الذي خضعت له كافة تجارب الشعوب في سعيها لانتزاع حريتها واستقلالها، حيث تنتقل من مرحلة رد الفعل والعفوية في مقاومة الاحتلال إلى مرحلة النضج والتنظيم ثم أخيرا يتوج نضالها بمرحلة الإنجاز النهائي والموحد، وهي إذ تدشن مرحلة جديدة من الصراع الذي بات حاليا يتخذ أشكالا أخرى ليست فقط عسكرية كما حكمت الفترة السابقة، وتختلط فيه العناصر السياسية بشدة بالعناصر النفسية، فإن هذه المقاومة وخاصة في شقها العسكري ورغم الإنجاز الحقيقي على الأرض، تجد نفسها اليوم على أعتاب مرحلة شديدة الغموض يشوبها الشك والحيرة في جدوى ما أنجز وفيما هي مقبلة عليه.

الوضع الراهن للمقاومة العراقية
جاء تطور الفعل المقاوم للاحتلال على عدة مناح، لعل أهمها استقرار مسميات جبهات فصائل المقاومة المسلحة والسياسية بعد أن مرت بمرحلة رد الفعل والعفوية انتقالا إلى مرحلة النضج والتنظيم والتجمع، واليوم تجد هذه الجبهات نفسها في عنق الزجاجة في كيفية التعاطي مع مرحلة الإنجاز النهائي، وعلى الرغم من أن هذا التطور لم يرق إلى ما يمكن أن نطلق عليه حركة وطنية عراقية موحدة تشكل بمجموع ركائزها بديلا ومكافئا سياسيا واضحا للاحتلال ومشروعه في العراق، إلا أن مقومات هذه الحركة وركائزها متوفرة وحقيقية، وجاءت نتيجة طبيعية لتراكم المواقف والسلوك عبر مخاض ست سنين، ومن خلال الفرز الواضح في الخنادق بين القوى والشخصيات على محك الموقف من الاحتلال والمقاومة وصفحات العملية السياسية.

"
المقاومة العراقية لم تتمكن نتيجة انحسار مساحة الاحتكاك والتماس مع العدو، من تعويض الفراغ الإستراتيجي الناشئ الذي أصابها جراء انخفاض عدد عملياتها العسكرية وتحقيق انتقالات نوعية في ميادين أخرى للصراع
"
في المراحل المبكرة من الاحتلال كان من الصعب الإلمام بعدد وتوجهات هذه الفصائل المسلحة والتي تجاوزت أعدادها آنذاك المئات من الأسماء والرايات، ولكن حاليا تنتظم هذه الفصائل في جبهات معروفة وواضحة المعالم والقيادات لا تتجاوز عدد أصابع الكف، ولديها برامج سياسية معلنة خاصة بها.

ومن ملامح المرحلة الحالية أن الجميع يكاد يتفق بمن فيهم أقطاب الصراع في العراق بأن تغييرا قد طرأ على طبيعة هذا الصراع، فبعد أن كان البعد العسكري هو الطاغي ويحظى بالأولوية وتسانده كافة العناصر الأخرى السياسية والإعلامية والنفسية، فإن المرحلة الأخيرة قد شهدت تغييرا في إعادة ترتيب أولويات هذه العناصر، نتيجة لإخفاق أقطاب الصراع في حسم نتائجه عسكريا لصالحها، فالولايات المتحدة الأميركية ورغم الثقل العسكري الهائل والمتطور الذي زجته في الميدان لم تتمكن من تحقيق الانتصار بل إنها كدولة عظمى قد منيت على المستوى العسكري بهزيمة قاسية على يد الفصائل المسلحة العراقية التي كبدتها خسائر مادية وبشرية مباشرة وغير مباشرة هائلة.

من جانبها لم تتمكن المقاومة العراقية من حسم الصراع عسكريا لصالحها، وفي الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة الالتفاف على هزيمتها عسكريا في العراق من خلال قدرتها كدولة مؤسسات على المناورة سياسيا واجتماعيا وإقليميا وعربيا لتحقيق نتائج سياسية لم تكن لتحلم بها عبر العامل العسكري، فإن المقاومة العراقية لم تتمكن نتيجة انحسار مساحة الاحتكاك والتماس مع العدو، من تعويض الفراغ الإستراتيجي الناشئ الذي أصابها جراء انخفاض عدد عملياتها العسكرية وتحقيق انتقالات نوعية في ميادين أخرى للصراع.

أزمة القيادة وضبط الإيقاع
يمكن تشبيه حال أطراف الحركة الوطنية العراقية وهي تقف على أعتاب المرحلة الأخيرة من الصراع –مرحلة الإنجاز النهائي- بالفرقة الموسيقية التي تمتلك مقومات كاملة لسيمفونية وطنية رائعة، ولكنها تفتقر فيما بينها إلى التناغم والانسجام، لذا تجد نفسها عاجزة عن إسماعها للآخرين بصورة واضحة، لأن كل عضو فيها يعزف لوحده وفي التوقيت الذي يخدمه وبطبقة الصوت التي يعتقد أنها صحيحة.

ويكمن السبب باعتقادنا في وجود خلل على مستوى التخطيط الإستراتيجي سواء هيكليا كمؤسسات، أو فكريا على مستوى القناعة أصلا بجدوى مثل هذا التخطيط، كما أن هناك فجوة كبيرة على مستوى النخب التي تقع على عاتقها مسؤولية إحداث الانتقالات الكبرى والنوعية في منحنى الصراع من خلال قدرتها واستجابتها السريعة لاستثمار الإنجازات على الأرض وتوظيف المتغيرات الإيجابية.

ويختلط كثيرا على البعض مفهوم النخبة والمقصود بها هنا قطعا ليس "أصحاب الياقات البيضاء" بل المقصود منظومة متكاملة ومتدرجة لإنجاز فعل التخطيط الشامل والسيطرة والتنظيم والتوجيه، وتنقسم هذه المنظومة عادة إلى ثلاثة مستويات حسب التدرج والاختصاص، يمثل المستوى الأول (الرموز) والمستوى الثاني (القادة) والمستوى الثالث (التنفيذيين).

"
أدى عدم الوعي بقيمة الفعل العسكري في حدود تأثيره السياسي عام 2006 عندما كان هذا الفعل المقاوم في أشده وفي أعلى مستوياته، وكان الفعل السياسي في أدنى درجاته، إلى ضياع فرصة من النوع الإستراتيجي عندما كان العدو على وشك الانهيار
"
وفي الوقت الذي تكون فيه الرموز نتاج لحظات تاريخية تعطي هذا الشخص أو ذاك في منعطفات حساسة من تاريخ الشعوب أرجحية رمزية وشحنة قوية من التأثير إما وطنية أو دينية تستقر عاطفيا في الوجدان، فإن الصنف الثاني من القادة الذين يجب أن يتكامل مع الرموز في أداء المهام، هم الذين يعول عليهم في إحداث التغييرات والانتقالات النوعية في الصراعات، فلديهم القدرة كل حسب اختصاصه على ترجمة الأفكار والخطط إلى فعل عملياتي على الأرض، وهذا الصنف إنما يمتلك هذه القدرة بسبب النظرة الواقعية والموضوعية القائمة على أساس تكامل الاختصاصات في دراسة وتحليل متغيرات الصراع والتفاعل معها بشكل مرن ومفتوح وليس مغلقا، بما يتيح بناء الخطط الإستراتيجية وفق أسس صحيحة تبدأ من تحديد الهدف السياسي إلى رسم السياسات الثابتة والمتغيرة، ولديهم القدرة دائما على التقاط اللحظة المناسبة والفرصة السانحة وتحويلها إلى فعل وإنجاز ملموس بما يضمن ديمومة وحرارة الصراع .

يبقى الصنف الثالث وهم التنفيذيون الملتصقون في الأرض، واختصاصهم يتلخص في تلقي الأوامر وتنفيذها.

وفي تجربة المقاومة العراقية تختلط حاليا هذه المستويات في منظومة السيطرة والتوجيه مع بعضها البعض، الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى التخبط والفوضى وضياع الفرص في إمكانية تقصير عمر الاحتلال، فالتنفيذي الذي كانت له الأولوية في مرحلة ما على مستوى اختصاصه العسكري أو الشرعي، يصر على أن تبقى له الأولوية رغم تبدل طبيعة الصراع.

وربما يفسر غياب طبقة القادة تلك الفجوة الحاصلة بين ضخامة الإنجاز العسكري للمقاومة العراقية وضآلة توظيفه سياسيا، فقد أدى عدم الوعي بقيمة الفعل العسكري في حدود تأثيره السياسي عام 2006 عندما كان هذا الفعل المقاوم في أشده وفي أعلى مستوياته، وكان الفعل السياسي في أدنى درجاته، إلى ضياع فرصة من النوع الإستراتيجي، فقد بدأ العدو يفقد صوابه وعلى وشك الانهيار وفي أسوأ حالاته ومستعد للمساومة على الأقل جزئيا، وذلك نتيجة للضغط العسكري الهائل الذي مارسته فصائل المقاومة والتي كانت تنفذ حسب تقرير لجنة بيكر هاملتون أكثر من 1200 عملية عسكرية في اليوم الواحد.

مخارج الأزمة وإمكانية الحل
لا يمكن أن تحظى أية حلول نظرية بفرصة التنفيذ أو تفي بالغرض، ما لم تستند إلى ثلاث حقائق, أولا اعتمادها على أسس التخطيط الإستراتيجي السليم الذي ينسجم ومستوى وحجم الصراع الدائر في العراق، ثانيا التحديث والاستيعاب والتفاعل المستمر مع المتغيرات على الأرض، فالعدو من جانبه قد سخر لهذا الغرض عشرات المراكز وبيوت الخبرة بغرض اللحاق بهذه المتغيرات أو الاستشعار بها مبكرا والتحكم بها، الحقيقة الثالثة هي وجود إرادة سياسية حقيقية تؤمن بهذا النهج وبالعمل الجمعي.

إن البناء الإستراتيجي السليم يحتاج ابتداء على مستوى التخطيط إلى هدف سياسي (قضية واضحة المعالم) بعد ذلك ترتيب التهديدات والمخاطر حسب الأولويات محليا وإقليميا ودوليا، ومقارنة هذه المخاطر بالإمكانات والقدرات بغرض الخروج بإستراتيجية عقلانية وواقعية تنسجم وطبيعة هذه المرحلة من الصراع وتفي بمتطلباتها بما يضمن استمرار الصراع والتحكم بمساراته.

"
لابد من وجود حاجة ماسة وفورية لمغادرة حالة التخندق والانغلاق، والإسراع قبل فوات الأوان للالتئام من خلال تأسيس إطار سياسي يستوعب كافة أطراف الحركة الوطنية العراقية دون استثناء
"
إن القدرة والقابلية على المقارنة بين طرفي المعادلة، كفة المخاطر من جهة وكفة الإمكانيات المتاحة من جهة أخرى وكيفية تعويض النقص والالتفاف على نقاط الضعف واستغلال المتغيرات الإيجابية، كفيل باستعادة المبادأة والأرجحية.

هذا المستوى من التخطيط يحتاج إلى نمط من القادة ممن لديهم الرغبة في مغادرة الخنادق المقفلة ولديهم القدرة على المناورة دوريا بالعناصر السياسية والعسكرية والنفسية والإعلامية، وتعبئة الطاقات شموليا وليس جزئيا لمواجهة التحديات الكبرى، لاسيما وقد أيقن الجميع دون استثناء بعدم قدرة أي حزب أو فصيل مهما بلغت إمكانياته على إنجاز هدف استقلال العراق الناجز لوحده.

وهذا يؤكد وجود حاجة ماسة وفورية لمغادرة حالة التخندق والانغلاق، والإسراع قبل فوات الأوان للالتئام من خلال تأسيس إطار سياسي يستوعب كافة أطراف الحركة الوطنية العراقية دون استثناء، لتحقيق انتقالة سياسية نوعية كفيلة بتغيير موازين الصراع الراكدة في المعادلة العراقية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة