بعد القضاء على حزب الله   
الخميس 1427/7/2 هـ - الموافق 27/7/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:41 (مكة المكرمة)، 12:41 (غرينتش)
نبيل شبيب


- حزب الله عربيا وإسلاميا
- أهداف المقاومة عربيا وإسلاميا
- بقايا الأنظمة واستمرارية المقاومة

لا نجهل أن في تسمية حزب الله إشكالية، فنحن انطلاقا من القرآن الكريم نعتقد اعتقادا جازما لا يتسرب إليه شك بنصر موعود لحزب الله.

أما منظمة حزب الله التي يقودها نصر الله، فقد يقودها إلى النصر، وقد تُصاب -وهذا ما يسري على حماس وأخواتها- بنكسة أو هزيمة، وتستمر المعركة في سائر الأحوال بهذه المنظمات الناشئة على قواعد شعبية، أو بسواها، أو بصيغ أخرى.. إلى أن يتحقق الوعد القاطع "ألا إن حزب الله هم الغالبون".

"
مهما كان ما وصلت إليه المقاومة الإسلامية عبر "مغامرات غير محسوبة" فإنه يبقى في حصيلته دون مستوى ما تصل إليه "السياسات العقلانية الحكيمة" مرحلة بعد مرحلة، وهزيمة بعد هزيمة، وتخلفا فوق تخلف
"
حزب الله عربيا وإسلاميا

إذا أخذنا بأسوأ الصور المطروحة في مواكبة الأحداث الجارية، فقلنا مع من قال إن منظمة حزب الله دخلت في مغامرة غير محسوبة، أو قلنا إنها لم تقدر حجم الرد العسكري الإسرائيلي وطبيعته بما يكفي، وأهملنا سائر الدلائل والمؤشرات التي تؤكد أن الحملة الإجرامية الجديدة على حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان، كانت مقررة وفق مخطط مدروس، وبالتنسيق مع دول أجنبية، على رأسها الولايات المتحدة الأميركية، وربما مع تحرك الأخيرة مسبقا لتحييد دول عربية معينة.. ثم تأملنا في مجرى الأحداث، وجب القول:

1- إن لم تتوقع المنظمة حجم المعركة وطبيعتها، فقد كان لديها من الاستعدادات المسبقة أقصى ما يمكن إعداده في مثل ظروفها لخوض معركة واسعة النطاق.

ولا يعني ذلك القدرة على منع عملية التدمير الشامل للبنان، ولكن يعني أن هذه الاستعدادات كانت على جميع الأحوال أكبر من الاستعدادات المعروفة لأكبر دولة عربية رسمية في تاريخ قضية فلسطين، انتهت بعد ستة أيام، دون أن تلحق بالعدو خسائر كبيرة، وخلفت ما لا تزال عواقبه تدمر البنية التحتية لوجود المنطقة العربية من داخلها.

2- لعل في مقدمة ما لم تضعه المنظمة في حساباتها تلك النقلة "التاريخية" في الموقف الرسمي لعدد من أهم الدول العربية، المشاركة في "حصار المقاومة الإسلامية في فلسطين ولبنان" من وراء ستار رقيق، إلى علنية المشاركة المعنوية عبر المواقف السياسية العلنية، والمادية العلنية عبر الامتناع عن دعم حقيقي وفعال للبنان نفسه، لا المنظمة فقط. تضاف إلى ذلك الحيلولة دون دعم شعبي فعال، من خلال حملتين إحداهما تلعب بورقة الفتنة الطائفية بين سنة وشيعة تخويفا لمن سبق إعدادهم بعمليات غسل الدماغ المتواصلة للاقتناع بأن الخطر الشيعي والإيراني أكبر من الخطر الأميركي والصهيوني على المنطقة.

والثانية حملة تلعب بورقة القمع الأمنية، حيثما ظهرت بوادر تحرك شعبي فعال، كما يجري ساعة كتابة هذه السطور في مصر وسواها.

3- إن التركيز الأميركي والإسرائيلي على أن منظمات المقاومة الإسلامية لا سيما حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان، تتحرك وفق سياسات سوريا وإيران، أو بتوجيه منهما، أو بالتنسيق معهما، أو نتيجة دعمهما، جميع ذلك لا يمثل اتهاما، بل يدخل في إطار الحد الأدنى من أداء واجب التعاون العسكري وغير العسكري بين أصحاب القضية المحورية الواحدة في المنطقة، أي قضية مواجهة مشاريع الهيمنة الصهيو-أميركية، أو الغربية عموما، مع كل ما تعنيه من دمار على كل صعيد، أمني واقتصادي وسياسي واجتماعي.

ولا يخفى أن هذا التعاون المفروض، والمفتقد على صعيد دول عربية وإسلامية أخرى، يقابله ذلك التعاون العضوي الاندماجي غير المحدود، والعدواني القائم بين الأميركيين والإسرائيليين، بل مع ما يشمل جهات وأطراف ودول عربية ضد جهات وأطراف ودول عربية أخرى، كما تشهد ساحة العراق فضلا عن ساحة فلسطين.

4- على افتراض غياب "السياسة الواقعية المحسوبة" وفق المفردات الدعائية -ولا نقول المقاييس والمعايير السياسية- من جانب أصحاب الاتهامات لمنظمات المقاومة الإسلامية، فإن البديل عن "المغامرات" هو القائم على أرض الواقع، الموجه رسميا منذ قمة فاس العربية قبل ربع قرن، والذي أصبح يحمل حديثا عنوان "خيار السلام الإستراتيجي".

ونتائج هذا النهج "الواقعي" هي الوضع العربي والإسلامي القائم حاليا، بدءا بالعدوان الخارجي دون ردع، مرورا بالتبعية الاقتصادية دون أي مشروع ذاتي لبناء حضاري يقوم على الإنجاز الصناعي والزراعي والتقني المحلي، انتهاء بالانهيار السياسي شبه المطلق، تشرذما على المستويات الإقليمية والوطنية، ومواجهة متفاوتة الدرجات بين الأنظمة والشعوب، أدناها الاستبداد المطلق، إن لم يقترن بحالة طوارئ مزمنة وحملات قمع متتابعة.

فمهما كان ما وصلت إليه المقاومة الإسلامية عبر "مغامرات غير محسوبة" يبقى في حصيلته دون مستوى ما تصل إليه "السياسات العقلانية الحكيمة" مرحلة بعد مرحلة، وهزيمة بعد هزيمة، وتخلفا فوق تخلف.

"
مسيرة منظمات المقاومة وضعت الأحداث لأول مرة أمام انقلاب معادلة فرض الواقع من خارج الحدود، والتسليم له باسم السياسة "الواقعية العقلانية" من داخل الحدود، وحولته إلى حالة جديدة، تصنع واقعا جديدا وبداية صحيحة لم يعد يمكن الانحراف بمجرى التاريخ بعدها
"
أهداف المقاومة عربيا وإسلاميا

على النقيض من منظمات وحركات ظهرت قبل ظهور المنظمات الأولى للمقاومة الإسلامية المسلحة، في السبعينيات والثمانينيات الميلادية، لم تدخل هذه المنظمات، مثل حماس وحزب الله قط في مواجهة مباشرة مع نظام من الأنظمة العربية والإسلامية.

بل حرصت حرصا يحرج في كثير من الأحيان قادتها أمام قواعدها، على محاولات لا تنقطع للتفاهم على حد أدنى مما تفرضه المصالح العليا، ويراعي حتى ضغوط ارتباط الأنظمة المعنية بقوة أجنبية، وإن قام تسويغه على ذرائع مرفوضة.

ولم يعرف عن تلك المنظمات تطلع إلى السلطة قدر التطلع إلى الشهادة، وحتى في حالة حماس بقي الوصول إلى السلطة بعد انهيار أوسلو بمثابة الرد الذي فرضته الأحداث فرضا على محاولة إعطاء انحراف أوسلو صيغة من صيغ "الشرعية" الشعبية.

ويعتمد بعض الاتهامات الموجهة إلى حزب الله حاليا، على ورقة الفتنة الطائفية، وتحذر من الارتباط بالدولة الإيرانية مع تصوير الأخيرة على أبواب أن تصبح قوة إقليمية، بل قوة نووية!

ولكن الموقف من حماس لا يختلف في جوهره وفي تفاصيله عن الموقف من حزب الله، ولا يمكن هنا الاعتماد على ورقة الفتنة الطائفية، فما الأسباب الحقيقية إذن لمواقف الحصار وراء ستار، وتصعيد ذلك إلى علنية العداء أثناء جولة عسكرية دموية تدميرية تجاوزت من اللحظة الأولى استهداف المنظمات إلى استهداف البنية الهيكلية لوجود دولة لبنان العربية، بعد استهداف البنية الهيكلية لوجود دولة العراق العربية، وقبل استهداف البنية الهيكلية لدول عربية أخرى؟

لقد عجزت سائر الأنظمة العربية حتى الآن عن خوض أي معركة يفرضها العدوان القائم والمتواصل منذ عشرات السنين، ويتحقق فيها نصر حقيقي.

ولم يكن العجز نتيجة نقص في تعداد الجيوش وعتادها، بل في سياسات إدارة البلاد وإدارة المعركة، واعتقاد بعض من خاضها بإمكان النصر جنبا إلى جنب مع ترسيخ الاستبداد الداخلي.

وهذا بالذات أول ما حال دون صد أهداف الجهات العدوانية عسكريا وسياسيا، فلا توجد دولة قادرة على النصر دون تعبئة شعبية، تضع الطاقات والإمكانات المتوفرة في خدمة أهداف المعركة، لاسيما في الحالة الدفاعية كما هو الحال في بلادنا العربية والإسلامية.

مقابل ذلك انبثقت المقاومة الإسلامية من قواعد شعبية، بعد كسر حاجز الخوف المصنوع صنعا، واعتمدت على الإمكانات الشعبية والتضحيات الشعبية أضعاف اعتمادها على أي عون خارجي من أي مصدر، وإن كان العون الخارجي مما تفرضه المصلحة العليا على الأقل.

ولم تعد الأنظمة من جهة ومنظمات المقاومة الإسلامية من جهة أخرى، تتحرك على أرضية تصفية قضية فلسطين المحورية وحدها، فسائر محاولات تجزئة القضية إلى صراع إسرائيلي-فلسطيني، و"تطبيع" إسرائيلي-عربي، و"مشكلة شرق أوسطية" قد أوصلت إلى الهزائم من جهة، وإلى انتشار الاقتناع شعبيا بأن المستهدف من وراء قضية فلسطين المحورية هو فرض الهيمنة المطلقة على المنطقة بأسرها، حكومات وشعوبا، موقعا وثروات، سياسة وأمنا واقتصادا، بل حتى على صعيد أنظمة التعليم والعادات الاجتماعية والإبداعات الفكرية والفنية.

لقد وضعت مسيرة منظمات المقاومة الأحداث لأول مرة أمام انقلاب معادلة فرض الواقع من خارج الحدود، والتسليم له باسم السياسة "الواقعية العقلانية" من داخل الحدود، إلى حالة جديدة، تصنع واقعا جديدا، لا تزال أبعاده ومعالمه محدودة الانتشار، ولكنها -ككل تغيير تاريخي كبير- بداية صحيحة، لم يعد يمكن الانحراف بمجرى التاريخ بعدها.

وهذا مما يفسر وحشية الهجمة الصهيو-الأميركية الجديدة والمباشرة، بدءا بأفغانستان والعراق، وصولا إلى فلسطين ولبنان، كما يفسر النقلة العربية الرسمية إلى علنية العداء.

إن الجولة الجارية في الوقت الحاضر هي في حصيلتها معركة كسر أهداف "التطويع والتطبيع" وقد بدأت تنكسر.

وإن تحقيق أهدافها كما تراها المقاومة الإسلامية يصنع مفصلا تاريخيا جديدا على هذا الطريق، وإن خسارة المعركة، هي خسارة جولة، تؤدي إلى تأخير صناعة هذا المفصل فحسب، فالجهات المقابلة وصلت إلى مرحلة الإفلاس.

"
المقاومة الإسلامية ليست حماس وحزب الله، وإنما هاتان المنظمتان وأمثالهما هما الصورة الحالية القائمة على أرض الواقع لتجسيد المقاومة الإسلامية، سنة وشيعة، دون تعصب طائفي ودون توظيف الفتنة الطائفية لتمزيق المنطقة
"
بقايا الأنظمة واستمرارية المقاومة

لقد اتخذ مجرى الجولة الراهنة اتجاها يوحي بأنها لن تتوقف -دوليا- قبل القضاء المطلق على منظمة حزب الله أو إيجاد المعطيات العملية لاستكمال بلوغ هذا الهدف لاحقا، بآليات دولية ومحلية، تحت وطأة ما يتحقق عن طريق آلة التدمير العسكرية الإسرائيلية، وهي آلية صهيو-أميركية.

ومع أن الاحتمال المقابل قائم رغم مضي الأيام العشرة الأولى على الجولة الجارية، ننطلق من احتمال "الهزيمة" هذا، فما الذي يمكن أن يترتب عليه؟..

إذا صحت التوقعات بأن الأهداف التالية ستكون سوريا وإيران مباشرة، فهل يمكن القول إن الأنظمة العربية الأخرى ستكون بمنجاة من الاستهداف؟..

إذا كانت القوى الدولية التي تربط هذه الأنظمة استقرارها الذاتي -واستقرار الأنظمة لا يعني استقرار الدول- بتقبل ما تعمل لفرضه من "تطويع وتطبيع" قد نوهت وهددت مرارا بالتخلي عنها في حمأة الفترة الأولى مما يُسمى الحرب ضد الإرهاب، ثم تراجعت عن ذلك بتأثير ظهور ما يوصف بخطر وصول الإسلاميين إلى السلطة، فهل ستتخلى عن التنويه والتهديد بذلك مجددا، بل وبالعمل لتنفيذه، بعد انكشاف الأنظمة المحلية شعبيا، لاسيما نتيجة مواقفها من أحداث فلسطين ولبنان.

وبالتالي ألا تحتاج هذه القوى الدولية إلى أنظمة أخرى غير مهترئة شعبيا، وكذلك بعد القضاء على "خطر" المقاومة الإسلامية، وبالتالي احتمالات وصول اتجاه إسلامي إلى السلطة يحتضنها رسميا؟..

ألا تعمل تلك الأنظمة من خلال الإسهام المباشر أو غير المباشر في القضاء على المقاومة الإسلامية، لتفريغ المنطقة من الحاجز الوحيد الباقي، ليس أمام استقرار الهيمنة العدوانية الأجنبية فحسب، بل وأمام استقرار تلك الأنظمة نفسها؟..

وعلى افتراض أن تسفر الجولة الجارية عن إضعاف ما يوصف في هذه الأثناء بمحور إيران وسوريا، الممتد عبر دعم المقاومة الإسلامية إلى لبنان وفلسطين، فهل ستخلو المنطقة من المحاور بعد ذلك، أم سيكون المحور الرئيسي المهيمن هو المحور الصهيو-أميركي الممتد عبر "التطويع والتطبيع" من مشرق العالم العربي إلى مغربه، وفيما وراءه من الساحة الإسلامية؟..

صورة قاتمة.. ولكنها تمثل أرجح الاحتمالات لو تم القضاء على المقاومة الإسلامية في الجولة الراهنة.

ولكن هذا مستحيل لأن المقاومة الإسلامية ليست حماس وحزب الله، وإنما هاتان المنظمتان وأمثالهما هما الصورة الحالية القائمة على أرض الواقع لتجسيد المقاومة الإسلامية، سنة وشيعة، دون تعصب طائفي، ودون توظيف الفتنة الطائفية لتمزيق المنطقة.

والمقاومة الإسلامية ولدت في رحم مسيرة "التطويع والتطبيع"، وكل حملة عدوانية إجرامية جديدة تسهم في نمو الجنين لا القضاء عليه، وفي امتداد مفعول المقاومة شعبيا لتشمل المزيد من القوى والفعاليات ومظاهر التحرك المسلح ضد العدوان الخارجي والتحرك غير المسلح على السواء، إلى أن يتحقق التحول التاريخي المحتم في المنطقة العربية والإسلامية بأسرها.

إن الأنظمة لا تقف في الجولة الراهنة أمام خيار "المغامرة غير المحسوبة" أو الاستقرار تحت مظلة "التطبيع والتطويع"، بل تقف أمام خيار سياسة انتحارية على المدى القريب والبعيد، أو قرار الانحياز نهائيا بعد عشرات السنين من الانحراف، إلى الشعوب وقضاياها المصيرية وتحرير إرادتها السياسية وغير السياسية من كل صورة من صور التبعية والهيمنة والوصاية الأجنبية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة