العدوان على غزة.. الدوافع والمآلات   
الاثنين 1434/1/13 هـ - الموافق 26/11/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:37 (مكة المكرمة)، 11:37 (غرينتش)

 

أهداف الحرب وتداعياتها
إطلالة على ساحة الحرب
صورة الاشتباك السياسي
الآثار السياسية والإستراتيجية للحرب

بدأ الكيان الإسرائيلي عدوانه على قطاع غزة باغتيال القائد أحمد الجعبري في 13/11، تنفيذا لقرار اللجنة الوزارية المصغرة للشؤون الأمنية (التساعية) الذي اتخذته سراً في صباح يوم 13/11، على الرغم من التوصل إلى مسودة اتفاق تهدئة مع المقاومة بوساطة مصرية.

قامت دولة الكيان بعملية خداع ماكرة باتجاهين: إذ جرى قبيل الحرب الأخيرة الإعداد لحملة إعلامية قام بها عدد من المسؤولين "الإسرائيليين" بإعلان قرب التوصل لتهدئة بهدف استرخاء المقاومة، وللإيحاء بأن المصريين يعلمون بموعد الهجوم من خلال صورة الاتصالات التي جرت بين تل أبيب والقاهرة قبيل الحرب، للتشكيك في موقف مصر، وهز الثقة بين غزة والحكم الجديد في مصر.

لكن المصريين شعروا بالشرك "الإسرائيلي"، فأبلغوا حماس لاتخاذ الحيطة قبيل بدء الهجوم في الحرب، وفهم المصريون ذلك لأن الذي كان يتفاوض معهم الشاباك وليس جيش الاحتلال، إذ امتنع الجيش "الإسرائيلي" عن تقديم رده للقيادة المصرية بشأن التهدئة التي سبقت الحرب، مما أثار الريبة لدى المصريين.

أهداف الحرب وتداعياتها
الأهداف المعلنة بحسب المصادر الرسمية "الإسرائيلية" هي وقف إطلاق الصواريخ، ومنع المقاومة من تغيير قواعد الاشتباك، واستعادة هيبة الردع للجيش "الإسرائيلي".

لكن الأهداف المعلنة لم تكن كل الصورة. فقد أرادت حكومة نتنياهو أهدافاً أخرى منها:

أراد نتنياهو بالهجوم على غزة تصعيد حظوظه في الانتخابات المقبلة عبر صورة الانتصار, وفرض الأجندة الأمنية والتغطية على المطالب الاقتصادية والاجتماعية التي أنتجتها الأزمة الاقتصادية

- أراد نتنياهو تصعيد حظوظه في الانتخابات المقبلة عبر صورة انتصار في غزة، وفرض الأجندة الأمنية والتغطية على المطالب الاقتصادية والاجتماعية التي أنتجتها الأزمة الاقتصادية.

- اختبار النظام المصري الجديد بشأن المسألة الفلسطينية، وإحراجه في ظل عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في مصر، ولهزّ علاقة النظام الجديد بواشنطن.

- هروب نتنياهو من ردة فعل أوباما، حيث ناصر خصمه السياسي المرشح الجمهوري رومني.

- الاستطلاع بالنار لكشف مقدرات المقاومة الجديدة والتعاطي معها، إن في المواجهة الحالية أو في المواجهات القادمة، واستكشاف قدرات الأسلحة "الإسرائيلية" الجديدة كالقبة الحديدية وغيرها.

أما أهداف المقاومة فتلخصت في:
- تأكيد حق المقاومة في مواجهة العدوان والتصدي لاعتداءاته.

- محاولة كسر هيبة الردع الصهيونية، وفرض قواعد اشتباك جديدة، وخلق معادلة رعب جديدة، وربما إرساء معادلة ردع جديدة.

إطلالة على ساحة الحرب
حاول الجيش الصهيوني مفاجأة المقاومة بالصدمة عبر استهداف عناصر القيادة العليا لكتائب القسام، فنجح جزئيا باغتيال الشهيد الجعبري لكنه أخفق في إصابة القادة الآخرين. كما استخدمت طائراته القنابل الثقيلة من وزن طن بكثافة عددية وجغرافية، فوصل عدد غاراته إلى ما يربو عن 1500 غارة جوية، وتمددت أهدافه على كافة خريطة القطاع، بهدف إثارة الرعب وتعظيم التأثيرات النفسية والمادية في الجانب الفلسطيني.

لكن تفاصيل المواجهة أبرزت أن بنك الأهداف ذات الطابع العسكري في غزة لدى القيادة العسكرية "الإسرائيلية" قد نضب أثناء الأيام الأولى للحرب، وقد كان محدودا في الأصل. يضاف إلى ذلك إماطة اللثام عن حقيقة العمى الاستخباري لدى الجيش، فسرته كثافة المواقع المدنية التي تم استهدافها، وإن كانت جزءا من الأهداف بحد ذاتها.

استندت الدولة العبرية على تقديرات قدمتها شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان"، مفادها أن قوة الصدمة وكثافة النيران وإصابة القادة النوعيين سيربك المقاومة، ويبدو أن نتنياهو كان في مخططه أن تقف الحرب عند اليوم الثالث، إذ لم يكن الاستعداد للحرب البرية جدياً كما بدا من أكثر من مؤشر، لكن جردة الحساب الأولية للحرب أزاحت الحملة بعيداً عن تقديرات القيادة "الإسرائيلية".

تكتيكات المقاومة قامت على استيعاب الصدمة وامتصاصها، وستر جسم المقاومة تحت الأرض بشبكة معقدة من الأنفاق، واستهداف الطائرات المعادية لأول مرة، في محاولة لإصابتها أو تحييدها عن أهدافها. وقد نجحت في إصابة بعضها. إضافة إلى ذلك تطور أدوات المقاومة باستخدامها منصات إطلاق صاروخية ذات تحكم إلكتروني وموجهة بالليزر. والأخير تطور لافت في أدوات القوة، أنبأ عن تحسن نسبي في ميزان القوة لصالح المقاومة، أفضى لتمكينها من تعظيم قدرتها على المناورة.

صواريخ المقاومة ومدياتها وأعدادها وأزمنة انطلاقها كانت جزءا أساسيا من تكتيكاتها، وقد تمكنت من كسر الخطوط الحمر السابقة في قواعد الاشتباك، إذ استهدفت تل أبيب وشمالها في هرتسليا، وكذلك القدس لمديات تعدت الـ80 كلم، وهددت رموز دولة الكيان كالكنيست الصهيوني، ووصلت حتى للمستوطنات في الضفة الغربية.

وتمخضت المواجهة عن معطيات جديدة، إذ أظهرت أن المقاومة كسرت هيبة الردع "الإسرائيلية"، وفرضت قواعد اشتباك جديدة على الرغم من اختلال ميزان القوى بين الطرفين، وخلقت معادلة رعب جديدة بإدخال 3.5 ملايين يهودي في الملاجئ من بينهم رأس هرم السلطة، وفي منطقة جغرافية تعطلت مصانعها التي تنتج حوالي 17 مليار دولار.

والمقاومة تقف الآن على حافة معادلة ردع جديدة بإجبارها العدو على الخنوع لشروطها. وفي المحصلة سددت ضربة إستراتيجية لصورة القوة الصهيونية في المنطقة. لكن القيادة الصهيونية تخرق التهدئة حالياً، ولأكثر من مرة ولو بمستوى منخفض لتؤكد عدم خضوعها لشروط المقاومة.

مفاعيل الأزمة كشفت عن قدرة عالية للرئاسة المصرية في إدارة الأزمة، إذ قام الرئيس مرسي بسلسلة خطوات فورية لدعم القطاع وفي الوقت ذاته أشرفت الرئاسة على معركة سياسية بين طرفي المواجهة

صورة الاشتباك السياسي
أرادت الدولة العبرية فتح المواجهة مع المقاومة الفلسطينية في غزة عبر الاستطلاع بالنار لاختبار مواقف عديدة على أثر متغيرات الربيع العربي، من بينها مصر الجديدة. فالحملة شكلت ضغطاً على الرئاسة المصرية الجديدة باعتبارها اختباراً لها للموازنة بين متضادين هما: دعم القضية الفلسطينية، والحاجة المصرية لواشنطن في مسألتي الاقتصاد والشرعية الدولية للنظام الجديد في القاهرة.

مفاعيل الأزمة كشفت عن قدرة عالية للرئاسة المصرية في إدارة الأزمة، إذ قام الرئيس مرسي بسلسلة خطوات فورية لدعم قطاع غزة أثناء العدوان، وفي الوقت ذاته أشرفت الرئاسة المصرية على معركة سياسية بين طرفي المواجهة، كانت القاهرة فيها أقرب لطرف المقاومة من الطرف الآخر. وقد عبر السفير المصري في رام الله عن ذلك، حينما صرح بأن مصر ليست وسيطا بين الطرفين، بل تقف في صف الطرف الفلسطيني.

ومجمل الأداء بتفاصيله طوال الأزمة أوصل رسالة لتل أبيب بأن مصر الجديدة تغيرت، وهي في طريقها لترسم دورا مستقلا في المنطقة. وبذلك تمت الإجابة على أحد أسئلة الاختبار "الإسرائيلي". وقد نجحت القيادة المصرية الجديدة بموازنة المعادلة بدقة بالغة بين مثلث غزة تل أبيب واشنطن.

في صورة المعركة السياسية، ظهر الدور التركي مسانداً للقاهرة وللطرف الفلسطيني على حد سواء، مضافاً إلى ذلك الدور القطري. وهذا الجزء من الصورة بعث برسالة أكثر خطورة للدولة العبرية، مفادها أن الإقليم تغير كذلك، وتلك هي الإجابة الثانية.

الاختبار الآخر كان لحماس في تموضعها الجغرافي الجديد بعد خروجها من دمشق إلى الدوحة. وقد أظهرت الحركة صلابة سياسية عالية أثناء الاشتباك السياسي، وبذلك قالت حماس لنتنياهو إنها هي هي لم تتغير، ولا أثر للتموضع الجغرافي الجديد على سلوكها السياسي.

وكانت حزمة الأجوبة وتفريعاتها المحيطة بها بمثابة تحدٍ كبير لنتنياهو، ووضعته في مأزق خطير العواقب. فتداعيات المواجهة جعلته أمام خيارين صعبين: إما الخضوع للمقاومة وشروطها، وتعريض هيبة الردع "الإسرائيلية" للانكسار، وإما المغامرة بالمضي في الحملة البرية التي يرهبها أصلاً، بسبب تداعياتها السلبية على الصعيدين الميداني والإقليمي.

فالهجوم البري على غزة ميدانيا قد يقلب الوضع في الضفة الغربية، فيتضرر وجود السلطة الفلسطينية، وينهار التنسيق الأمني. بالإضافة لتخوفات نتنياهو من نتائج الانتخابات "الإسرائيلية" المقبلة.

وإقليما، قد تجر الحرب البرية الطرف المصري لخيارات جريئة ربما تمس بالمعاهدة. وتأثيرات أخرى أعظم وزناً تتصل بتسريع تغيرات الإقليم لغير صالح الدولة العبرية، وفي قلب ذلك المساس بالحالة الأردنية بتعرض النظام في الأردن لضغوط المعارضة تجاه معاهدة وادي عربة. ناهيك عن التأثيرات السلبية على الملف الإيراني، وعلى مكانة "إسرائيل" الدولية فيما لو تزايدت أعداد الشهداء الفلسطينيين جراء المواجهات البرية.

وفي المحصلة خضع نتنياهو وانتصرت المقاومة سياسياً، وقد شاركت عوامل عدة في تحقيق هذا الانتصار السياسي منها:

- صمود المقاومة وجرأتها باختراق الخطوط الحمر لقواعد الاشتباك بوصولها لمدن مركزية في الدولة العبرية، مما صعد من معادلة الرعب، لتقترب من مشارف معادلة الردع.

- توحد الفلسطينيين في الضفة والقطاع وفي الشتات وفي فلسطين 48، ومتانة الحاضنة الشعبية للمقاومة في غزة التي لم تتضعضع رغم كثافة النيران وضخامتها وشراسة الهجمة الجوية.

- التغير الإقليمي الذي أنبأت عنه الأحداث، وفي قلبه التغير المصري الذي لقي إسناداً من قبل دول أخرى كتركيا وقطر، وفي المجمل شكل عاملاً ضاغطا على تل أبيب.

- تردد القوى الغربية في مساندة الحملة البرية "الإسرائيلية" بسبب إدراكها لحجم التحولات في المنطقة، وبسبب تأثيرات الأزمة الاقتصادية على أقطارها التي تضغط على خياراتها السياسية.

الحرب أعادت لمصر دورها وبلونها الإسلامي الجديد، مما يعني تأثيرات بالغة على مستقبل الإقليم، وداعمة لدور الإسلاميين فيه في الأفق الإستراتيجي

الآثار السياسية والإستراتيجية للحرب
ترك العدوان الأخير على غزة آثاراً بالغة على كافة الصعد المحلية والإقليمية والدولية، وفيما يلي إطلالة على حزمة منها:

- الحرب أعادت لمصر دورها وبلونها الإسلامي الجديد، مما يعني تأثيرات بالغة على مستقبل الإقليم، وداعمة لدور الإسلاميين فيه في الأفق الإستراتيجي.

- رسخت الحرب دور حماس في الخريطة السياسية الفلسطينية، ورفعت من مكانتها، وفتحت الآفاق أمامها لفرص جديدة على الصعيدين الإقليمي والدولي.

- الدوران المصري والتركي أثناء الحرب يشيران إلى تغيرات بنيوية في هيكل الإقليم، وفي أحجام الأدوار للدول المركزية فيه، وينبئان عن بداية انحسار الدور الإيراني وغياب السوري، وكذلك عودة الدور الخليجي لجموده الذي برز أثناء الربيع العربي، باستثناء دولة قطر.

- تفاهمات التهدئة دلت على تراجع مكانة "إسرائيل" في المنطقة، وتغير مواقف الدول المركزية فيها تجاه تل أبيب كمصر وتركيا. وعززت صورة عودة الدولة العبرية للدفاع عن وجودها، بدلاً من البحث عن دور في المنطقة كما حدث عقب أوسلو.

- مخرجات الحرب أبرزت زيادة انحسار النفوذ الأميركي، فعلى الرغم من أن واشنطن قادت التحركات من الخلف عبر مصر وتركيا، فإن محصلة المواجهة لم تكن لصالحها، ولا لصالح "إسرائيل".

- الحرب صعدت خيار التسوية وعززت منطق إثماره، في حين تراجع خيار التسوية وتأكد إفلاسه، إذ أثبتت المواجهة الأخيرة أن صاروخاً واحدا أكثر تأثيراً من مائة جولة تفاوض.

- ستدفع نتائج المواجهة الأخيرة أبو مازن للإصرار على خياره المتعلق بالذهاب للأمم المتحدة لمحاولة إرفاد خيار التسوية بزخم جديد لإبقائه على قيد الحياة.

بكلمة أخيرة، صواريخ المقاومة البسيطة هزت الصورة النمطية لميزان القوى في المنطقة، وزادت من طاقة التحولات الجارية فيها، ولكن المفاعيل التي أعقبتها تحتاج من المنتصرين في هذه الجولة لجهود مضنية لتثمير النتائج القائمة إلى مكاسب إستراتيجية ثابتة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة