قراءة في مشروع السلم والمصالحة الجزائري   
الثلاثاء 1426/8/24 هـ - الموافق 27/9/2005 م (آخر تحديث) الساعة 14:06 (مكة المكرمة)، 11:06 (غرينتش)






















فوزي أوصديق

- النموذج الجزائري والمخارج القانونية
- المسؤولية المدنية والمسؤولية الجنائية
- تجاوزات خطيرة
- مطلوب معالجة الجذور وليس الأعراض

إن مشروع "الميثاق من أجل السلم والمصالحة" الذي سيتم الاستفتاء عليه يوم 29 سبتمبر/ أيلول الحالي يمكن اعتباره امتداداً لقانون الوئام المدني وقانون الرحمة، الذي حاول معالجة الأزمة الجزائرية بإقرار عفو عن الجماعات المسلحة والجيش الإسلامي للإنقاذ, وجاء كذلك ليسد الفراغ القانوني للمرحلة الممتدة من 13 يناير/ كانون الثاني 2000 تاريخ انقضاء مفعول هذا القانون إلى يوم الاستفتاء على الميثاق وذلك بالتسوية القانونية لبعض الأشخاص الذين تابوا خلال هذه المرحلة.

كما سيحدد الميثاق إطارا قانونيا مستقبليا للذين يتم العفو عنهم، فيمكن اعتباره تعبيراً قانونيا ومؤسساتيا وتغليفا سياسيا للمرحلة الراهنة، ولعل الرئيس بوتفليقة ذكر ذلك صراحة أثناء إعلانه لمشروعه بالجزائر يوم 14 أغسطس الماضي بالقول إنها مصالحة "التوازنات"، أي ما هي إلا إفراز طبيعي لموازين القوى داخل النظام السياسي الجزائري حالياً بين مختلف الأجنحة في السلطة.

وقد يفهم كذلك على المدى البعيد أنه من المرجح –مستقبلاً- أن يكون عربونا يسمح للرئيس بوتفليقة بترشيح نفسه لفترة ثالثة لرئاسة الجمهورية عام 2009، كما قد يفهم من هذه الخطوة أنها ممهدة للمرحلة القادمة وهي مرحلة العفو الشامل، وعليه فإن ميثاق "المصالحة الوطنية " ما هو إلا جسر بين الوئام المدني وسياسة الرحمة والعفو الشامل، إذن هو امتداد وتجديد للنظام السياسي بثوب قديم جديد.

النموذج الجزائري والمخارج القانونية
"
ميثاق السلم والمصالحة حاول إيجاد مخارج قانونية وأرضية مقبولة للجماعات المسلحة ومختلف قوات الأمن التي حاربتهم بنعتهم كأطراف للمأساة الوطنية، كما حاول الحفاظ على الشخصية الجزائرية وهويتها بمكوناتها الثلاث الإسلام والعروبة والأمازيغية
"
ومشروع "الميثاق من أجل السلم والمصالحة" أو "النموذج الجزائري" قد يختلف عن المنهجية المتبعة في بعض الدول التي شهدت جزءا من المأساة التي عانت منها الجزائر كالاختفاءات القسرية أو التعذيب أو الأحكام خارج القضاء كما هو الحال في جنوب أفريقيا أو المملكة المغربية، من حيث الأسلوب المتبع في معالجة الأزمة.

فالتسميات والمصطلحات القانونية المستقاة والعديدة المستعملة في مشروع الميثاق تحاول أن تكون حيادية بين طرفي النزاع خلال العشرية الدموية التي عرفتها الجزائر، وقد اصطلح على هذه المرحلة "بالمأساة الوطنية" كما كانت تعبيراً عن نية السلطة للسعي في إرساء وتعزيز "التماسك الوطني" باتخاذ بعض التدابير، كالقضاء على ثقافة الإقصاء وقد ذكرها الميثاق من خلال قوله "اتخاذ جميع الإجراءات الكفيلة بالحفاظ على الشخصية والثقافة الوطنيتين وترقيتها من خلال إحياء مآثر التاريخ الوطني والنهوض بالجوانب الدينية والثقافية والإنسانية".

فميثاق المصالحة باستعماله هذه المصطلحات القانونية حاول إيجاد مخارج قانونية وأرضية مقبولة سواء للجماعات المسلحة أو مختلف قوات الأمن التي حاربتهم بنعتهم كأطراف للمأساة الوطنية، كما أن المفهوم الخفي أو روح هذه الفقرة هو ترقية الشخصية الجزائرية وهويتها بمكوناتها الثلاث الإسلام، والعروبة، والأمازيغية (البربرية)؛ أو ما يصطلح عليه بثوابت الأمة الجزائرية بإقراره ضرورة إرساء التماسك الوطني ولم الشمل.

وعليه سنحاول قراءة مشروع ميثاق السلم والمصالحة قراءة قانونية بتضاريسه وأبعاده السياسية، ولعل الملف الأكثر حساسية وتجاذبا بين الطبقة السياسية الجزائرية في المشروع هو "ملف المفقودين" لما يحمله من أبعاد وعواقب في إرساء دولة القانون، وتضميد الجرح بين الجزائريين.

المسؤولية المدنية والمسؤولية الجنائية
فالبند الرابع من الميثاق ينص على إجراءات دعم سياسة معالجة ملف المفقودين المأساوي، والملفت للانتباه في هذه المعالجة للملف أنه يفرق بين أفعال أو مسؤولية الدولة وأفعال أو مسؤولية أعوانها، الذين ساهموا في محاربة الإرهاب، أي مختلف قوات الأمن.

لذلك حاول المشروع التفرقة بين المسؤولية المدنية التي تقع على عاتق الدولة بقوله "تتحمل الدولة على ذمتها مصير كل الأشخاص في سياق المأساة الوطنية وستتخذ الإجراءات الضرورية بعد الإحاطة بالوقائع"، وبين المسؤولية الجنائية التي تقع على عاتق أعوان الدولة بقوله "ويعتبر أن الأفعال الجديرة بالعقاب المقترفة من قبل أعوان الدولة الذين تمت معاقبتهم من قبل العدالة، كلما ثبتت تلك الأفعال لا يمكن أن تكون مدعاة لإلقاء الشبهة على سائر قوات النظام العام"، وبعبارة أخرى أن الدولة مسؤولة عن التعويض المدني، دون المسؤولية الجزائية عن أفعال أعوانها.

والملاحظة التي يمكن ذكرها أن هذا البند قدم أنصاف حلول بل سكت عن أمور قد لا تخدم ثقافة اللاعقاب؛ أي بالاقتصار على التعويض المادي، لذوي حقوق المفقودين دون معرفة الحقيقة عن أسباب ومرتكبي هذا الجرم، وبالتالي الإفلات من عدالة القضاء وعدم معرفة الحقيقة.

ولكن توجد لدى القانونيين مقولة معروفة وهي "أن عقدا سيئا أحسن من عدم وجود عقد"، ولعل هذه المرحلة مرحلة الحقيقة واللاعقاب لم تنضج بعد؟! وإذا فتحت على مصراعيها فقد تعمق من الأزمة أكثر مما تضمدها، ولعل الحكمة اقتضت الوصول إلى أنصاف الحلول.

وأخيراً ركز صاحب الوثيقة (ميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية) على أن إجراءات التمكين لحقوق ذوي المفقودين (التعويض) يجب أن تكون في "كنف الكرامة".

أما البند الثاني والخاص بالإجراءات الرامية إلى استتباب السلم، فقد يلاحظ أنه في العديد من فقراته استعمل عبارة "إبطال" والمقصود منها قانونياً توقيف جميع الإجراءات وجعلها كأن لم تكن موجودة وقد تشمل الفئات التالية:

1- جميع الأفراد الذين يكفون عن نشاطهم المسلح ويسلمون ما لديهم من سلاح.
2- الأفراد المطلوبين داخل وخارج الوطن.
3- الأفراد المنظمين في شبكات دعم الإرهاب.
4- الأفراد المحكوم عليهم غيابياً.
5- الأفراد المحكوم عليهم والموجودين رهن الحبس للنشاطات الداعمة للإرهاب.
6- الأفراد المحكوم عليهم الموجودين رهن الحبس.

وقد يستثنى من الفئات المعفى عنها الأفراد الذين كانت لهم يد في المجازر الجماعية، أو قاموا بانتهاك الحرمات، أو استعملوا المتفجرات في اعتداءات على أماكن عمومية.

تجاوزات خطيرة
"
المعالجة الأمنية للأزمة في الجزائر على مدى عشرية كاملة لا تخلو من تجاوزات خطيرة من جميع أطراف النزاع سواء من طرف القوات الأمنية أو من الجماعات المسلحة
"
وذلك قد يتفق حسب اعتقادي المتواضع مع ما هو معمول به دولياً كقيم دنيا للإعفاء والتسامح، ولكن التساؤل المطروح أن المعالجة الأمنية الباحثة للأزمة في الجزائر على مدى عشرية كاملة أو ما كان يعرف "بسياسة الكل الأمني" لا تخلو من التجاوزات الخطيرة لجميع أطراف النزاع سواء من طرف القوات الأمنية أو من طرف الجماعات المسلحة، وبالأخص بعد المرحلة الانتقالية التي أعقبت توقيف المسار الانتخابي سنة 1991، والذي اعتبره الرئيس بوتفليقة أول عنف تم اقترافه في الأزمة الجزائرية.

لذلك فإن العديد من المنظمات الدولية الحقوقية المعنية بالشأن الجزائري قد تتهم بعض المسؤولين بالسماح بحدوث مجازر جماعية والسكوت عنها وبالأخص إذا ما علمنا أنه في عالم اليوم أصبحت هذه الجرائم المستثناة من العفو -السابقة الذكر- من اختصاص القضاء الدولي بمسميات عديدة: كجرائم الإبادة أو جرائم ضد الإنسانية.

ولهذا فإن مشروع الميثاق قد أخذ في الحسبان هذه المعادلة المتمثلة في الهاجس الخارجي أو الدولي أو تداعياته تجنباً للعديد من التأويلات التقنية القانونية البحتة، وبالتالي تجنب الدخول في معترك التفسير والتكييف والتأويل القانوني سواء مع المنظمات الدولية غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان أو غيرها.

أما البند الثالث من الميثاق فقد تعرض للإجراءات الرامية إلى تعزيز المصالحة الوطنية كتسوية ملفات الأفراد الذين عوقبوا إدارياً بإجراءات اتخذتها الدولة نتيجة آرائهم السياسية أو مواقفهم، أو نتيجة صلة القرابة مع ذوي الإرهابيين أثناء العشرية السوداء من القرن الماضي للأزمة، كما تم التنصيص في فقرة موالية في هذه البند على أنه يحظر ممارسة أي نشاط سياسي، تحت أي غطاء كان، من قبل كل من كانت له مسؤولية في هذا "العبث بالدين" و"كل من شارك في أعمال إرهابية ويصر -رغم الأضرار البشرية والمادية الفظيعة التي تسبب فيها الإرهاب والعبث بالدين لأغراض إجرامية- على رفض الاعتراف بمسؤوليته في تدبير وتطبيق سياسة تدعو إلى ما يزعمه جهاداً ضد الأمة ومؤسسات الجمهورية".

فهذه الفقرات توحي دلالياً بطي ملف الجبهة الإسلامية للإنقاذ نهائياً، ورمزها تكتيكيا إلى ما بعد مرحلة العفو الشامل، مع عدم استبعاد الرجوع مستقبلاً للعمل السياسي للبعض منهم الذين تتوفر فيهم شروط "الإيزو" المفروضة في الميثاق بمسميات أخرى؟!

المطلوب معالجة الجذور وليس الأعراض
لذلك فإن التساؤل المطروح بإلحاح هو هل هذا الرقم المبعد سياسياً (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) يدخل في إطار حتمية معادلة المصالحة أو مصالحة التوازنات للساحة السياسية الجزائرية؟ للإجابة عن ذلك يجب انتظار عودة الأعضاء القياديين للجبهة الإسلامية من الخارج، مما قد يوحى بإعادة تشكيل وهيكلة المسرح السياسي الجزائري.

وقد يلاحظ من الجانب الشكلي للوثيقة أن مصطلح "ميثاق" قد يعني من الناحية الفلسفية الجمع ولم الشمل، كما قد يعني من الناحية القانونية القاعدة المفترضة والمرجعية التي تنبثق عنها ترسانة من الإجراءات التشريعية والقانونية الضرورية اللاحقة لإعطاء الحياة والروح لهذا المشروع بما يعزز السلم والمصالحة، دون الخروج عن "دولة الحق والقانون وبالتعهدات الدولية" للجزائر حسب منطوق المشروع.

"
نريد مصالحة تعالج جذور الأزمة وليس أعراضها، كما نريد أن نفرق بين إرادة المصالحة والمصالحة لذاتها المطروحة في الميثاق، ولعل هذه المفاهيم موجودة في الميثاق، ولكن محرري الوثيقة المعروضة للاستفتاء لم يجرؤوا على الذهاب أبعد من ذلك
"
وعادة ما تكون القيمة القانونية للميثاق أعلى من الدستور والقوانين الأساسية، وفي حالة التعارض بين الدستور والميثاق، قد يرجح هذا الأخير على جميع القوانين، مما يكسبه قوة مضاعفة وهي الملاحظة الشكلية الثانية.

ونلاحظ أيضا أن طريقة الإصدار للوثيقة تكون من خلال الاستفتاء، وهي آلية اعتمدتها الجمهورية الفرنسية الخامسة، وبالأخص الرئيس الفرنسي ديغول الذي كان يخاطب الشعب مباشرة دون المرور بالمؤسسات الدستورية والتشريعية للدولة الفرنسية كالبرلمان.

فهذا العرف الدستوري المنصوص عليه في دساتير الجزائر والمستوحى من تجربة النظام الفرنسي ينص صراحة على أنه يحق لرئيس الجمهورية مخاطبة الشعب مباشرة، وصور المخاطبة قد تتعدد أساليبها ومن ضمنها اللجوء للاستفتاء، لذلك نصت آخر فقرة من الوثيقة صراحةً على "أن الشعب الجزائري يصادق على هذا الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية، ويفوض لرئيس الجمهورية اتخاذ جميع الإجراءات بقصد تجسيد ما جاء في بنوده".

وإن كانت من كلمة إرشادية نختم بها فإننا نقول إننا نريد مصالحة تعالج جذور الأزمة وليست أعراضها، كما نريد أن نفرق بين إرادة المصالحة والمصالحة لذاتها المطروحة في الميثاق، ولعل هذه المفاهيم موجودة في الميثاق، ولكن محرري الوثيقة المعروضة للاستفتاء لم يجرؤا على الذهاب أبعد من ذلك فقد عالجت بعض الجذور، وليس كلها، كما توجد إرادة صادقة لحل الأزمة من خلال ما نلمسه في الوثيقة، ولكن أحياناً متعثرة ومتأرجحة.

وأخيراً من المصالحة عدم "تخوين أو تخويف" كل من عارض رؤى المصالحة المنصوصة في الميثاق، فالرؤية الأحادية قد تعمق في الأزمة أكثر مما تجفف منابع الأزمة.
ـــــــــــــــ
كاتب جزائري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة