الثورة الليبية.. بذور الفشل وعوامل النجاح   
الأحد 17/4/1435 هـ - الموافق 16/2/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:30 (مكة المكرمة)، 13:30 (غرينتش)
صالح السنوسي



كل ثورة تولد لا بد أن يكون الفشل أحد احتمالاتها، سواء لأنها لم تنتصر أو لأنها انتصرت ولم تحقق أهدافها. فالثورة فعل جماعي تشارك فيه معظم فئات المجتمع بمختلف أفكارها وطموحاتها وأحلامها، وكل منها يحدوه الأمل في أن هذه الثورة ستجسد كل أفكاره وتحقق كل طموحاته، وهذا هو الامتحان العسير لكل الثورات، والذي يبرز في مرحلة تماهي الواقع مع الحلم، وهذا ما وجدت الثورة الليبية نفسها أمامه بعد مضي ثلاث سنوات.

تسير عوامل النجاح في الثورة الليبية جنبا إلى جنب مع عوامل فشلها بالنسبة للذين يتابعون شأن هذه الثورة ويستشرفون مستقبلها، غير أن المتشائمين كثيرا ما يرجحون عوامل الفشل على عوامل النجاح، انطلاقا من جملة من الظواهر سنعود إليها في ما بعد.

ولكن الموضوعية توجب عدم النظر إلى كل الظواهر بمعزل عن طبيعة وظروف الثورة الليبية التي تميزت عن غيرها من ثورات الربيع العربي، فالظروف التي أحاطت بهذه الثورة ومعطيات الواقع التي شكلت أحداثها، جعلتها تختلف عما سبقها من ثورات الربيع العربي.

تسير عوامل النجاح في الثورة الليبية جنبا إلى جنب مع عوامل الفشل، غير أن المتشائمين كثيرا ما يرجحون عوامل الفشل على عوامل النجاح انطلاقا من جملة من الظواهر

فالثورة -هنا- لم تجر أحداثها في صورة مظاهرات واعتصامات، بل أرغم القذافي الشعب الليبي بعد أسابيع إلى التحول عن هذه الصورة السلمية إلى الدفاع عن أنفسهم، فدارت حرب بين شعب صمم على نيل حريته وبين حاكم جعل من نفسه إلها لا يقبل بتمرد البشر، ولهذا فقد كان ثمن إسقاطه باهظا في الأرواح والأموال، وترك جراحا غائرة في نسيج المجتمع الليبي تحتاج وقتا طويلا حتى تندمل، كما ترتب على ذلك انتشار السلاح وسقوط كل ما كان يعتبر مؤسسات في ظل حكم القذافي.

الموضوعية أيضا تقتضي التسليم بوجود كل هذه الظواهر والأخطار التي في حال استفحالها ستؤدي إلى حالة تصبح فيها ليبيا ككيان جغرافي وسياسي أثرا بعد عين، فانتشار السلاح والانفلات الأمني وتنامي العنف والتطرف الديني والصراع القبلي في بعض المناطق وظهور روح الجهوية، إلى جانب صراع الأجنحة السياسية داخل المؤسسة المنتخبة الوحيدة، يفتح الباب أمام التشكيك في استمرارية شرعية الثورة من قبل قطاعات كبيرة من فئات المجتمع.

هذا إلى جانب أن موقع ليبيا وثروتها النفطية يغريان قوى دولية كثيرة -بحكم مصالحها- أن تحرض وتصطف إلى جانب بعض هذه الظواهر، وتقف وتعادي وتعمل ضد بعضها الآخر، يقابل كل هذا سلطة ضعيفة لا تملك الأدوات الضرورية لفرض القانون والسيطرة على الإقليم، فكل هذا يضع كيان الدولة الجغرافي والسياسي على مفترق كل الأخطار.

لكن ما نراه في هذه الظواهر هي أنها عرضية وليست بنيوية، بحيث يصعب تغيرها دون تغير تركيبة ونسيج المجتمع، فاستمراريتها حتمية ونتائجها محسومة، فهي ليست أسبابا بل نتائج يمكن أن تتوقف بانقطاع أسبابها.

إذا ما نظرنا إلى ما وراء هذه الظواهر فإننا نجد سببا واحدا، ورغم خطورته فهو أيضا عرضي ويمكن إخراجه من مشهد الثورة الليبية مثلما حدث في حالات أخرى مشابهة لها في تجارب الآخرين.

هذا السبب يتمثل في انتشار السلاح وعدم سيطرة الدولة عليه، فهذه الظاهرة هي التي ولدت من رحمها وتغذت منها كل تلك الظواهر الخطيرة.

يمكن تصنيف هذه الظواهر على ضوء علاقتها بالسلاح إلى نوعين من الظواهر:
أولا: الظواهر التي ارتبط ظهورها بوجود السلاح، وهى تتمثل في الانفلات الأمني وتنامي العنف، فقد أصبح السلاح في متناول كل فرد من أفراد المجتمع، سواء كان منضويا تحت فصيل مسلح خاض الحرب ضد القذافي، أو مجرد مواطن أغرته سهولة امتلاك السلاح وعدم الخوف من المساءلة عن حيازته من قبل الدولة، حتى إن معظم التقديرات ترجح وجود ما لا يقل عن عشرين مليون قطعة سلاح.

وتلك -بلا شك- كمية كبيرة لو وجدت في أي مجتمع آخر حتى مع وجود جيش وشرطة لكانت -على الأغلب- حالة العنف والانفلات الأمني مظلمة وحالكة ولا تتشابه بالمقارنة مع ما هو موجود في المجتمع الليبي، حيث تتعرض الحياة التجارية والاجتماعية لبعض أعمال العنف والسطو التي لا تختلف كثيرا عن تلك التي تقع في بلدان آمنة ومستقرة ولا يوجد بها عشرون مليون قطعة سلاح خارج سيطرة الدولة.

رغم وجود عشرين مليون قطعة سلاح، فإن هناك كوابح وأعرافا ونواميس وقيما ما تزال أقوى من السلاح المنفلت تعوض ضعف سلطة الدولة، وبالتالي فإذا حصلت نقلة في قوة الدولة ستعود الأمور إلى نصابها

ويعنى ذلك أن هناك كوابح وأعرافا ونواميس وقيما ما تزال أقوى من السلاح المنفلت تعوض ضعف سلطة الدولة، وبالتالي يكفي أن تحصل نقلة في قوة هذه الدولة لكي تعود الأمور في وقت قصير إلى نصابها، لأن المجتمع في كليته ضد العنف والانفلات الأمني، ولأن من يقومون به هم أقلية وإن كانوا مسلحين.

ثانيا: الظواهر غير المرتبطة بوجود السلاح، وهى ظواهر لم يكن السلاح سببا في وجودها ولكنه جعل منها مصدر خطر، وأهمها:

1- التطرف الديني: لا تختلف الثورة الليبية عن ثورات الربيع العربي في بروز التيارات الدينية كقوة سياسية مؤثرة في التغيرات التي جرت، ولكن نظرا للطابع المسلح الذي ميز هذه الثورة فقد تجلى حضور الدين في ظهور كتائب مسلحة منضوية في إطار الإيديولوجيا السياسية الدينية وشاركت في القتال ضد كتائب القذافي فأبلت بلاء حسنا، ولكن قليلا منها يرفض دستور الدولة ومؤسساتها الدينية.

وكان لمثل هذا الرأي أن يكون عاديا في مفهوم الديمقراطية التي لا تعجز آلياتها عن حله، ولكن وجود السلاح في أيدى هؤلاء -رغم قلة عددهم- أعطى لهذه الظاهرة بعدها الخطير، فهناك مثلهم في دول الربيع العربي ولكنهم أقلية وليسوا مسلحين، ولذا فهم لا يشكلون خطورة حقيقية في هذه البلدان.

ولكي يكون الحال في ليبيا شبيها بما في تلك البلدان، فلا بد أن تحصل نقلة في ميزان القوة بين الدولة وهؤلاء حتى يتم فك الارتباط بين هذه الظاهرة وبين السلاح وهو أمر ليس مستحيلا، ولا سيما أن النظرة العامة لهؤلاء قد تغيرت وأصبح الجميع ينظر إليهم على أنهم قوة مسلحة مخيفة تمارس العنف والاغتيال ضد من تعتبرهم خصومها وتريد أن تفرض على المجتمع تصوراتها للسلطة والدولة حسب قناعاتها الدينية.

2- القبلية والجهوية: كانت ليبيا -وما تزال- تتكون من جهات وقبائل، وهذا مظهر من مظاهر نسيجها الاجتماعي، ولم يكن ذلك مصدر تهديد لكيان الدولة، فالتنافس والغيرة والتفاخر بين المناطق والمدن في ظل دولة قوية هي سمات بشرية توجد في مجتمعات كثيرة، غير أن انتشار السلاح أعطى وجها آخر لهذه الظاهرة، فأصبحت الخلافات بين بعض القبائل تتخللها لغة السلاح مما يشكل خطرا على الأمن العام والاستقرار الاجتماعي، ومع ذلك هناك جملة من الملاحظات على هذه الظاهرة.

الملاحظة الأولى حول دور الثورة في إذكاء الروح الوطنية: فقد وفرت الثورة ظروفا موضوعية جعلت الليبيين في أقصي الشرق يذهبون للقتال إلى جانب الثوار في مناطق أقصى الغرب الليبي، وكذا فعل ثوار الغرب مع ثوار أقصي الجنوب، كما انتقلت وفود المناطق والقبائل من جميع أنحاء ليبيا والتقت في مؤتمرات وبرامج جماعية، فعاش الليبيون محنة وطنية وحالة من الشعور بالمصير المشترك غير مسبوقتين في تاريخهم الحديث.

الملاحظة الثانية هي أن الصدام بين بعض القبائل يظل لأسباب تنافسية في ما بينها ولا يحمل في طياته تمردا أو رفضا لوحدة كيان الدولة، بل إن حكماء ومشايخ هذه القبائل يقبلون بتسوية هذه المشاكل تحت غطاء الدولة التي لا يرى أحدهم من مصلحته التشكيك في وجودها أو عدم الانتماء إليها.

الملاحظة الثالثة تتعلق بالدعوات الجهوية: فلاشك أن هذه الدعوات هي ثمرة سياسة المركزية والتهميش التي مارسها القذافي كنوع من العقاب لبعض المناطق، ولهذا ظهرت الدعوة إلى الفيدرالية، وهى في واقع الأمر ليست انفصالا بل هي في نظر أصحابها مشروع وطني يقرره الليبيون في استفتاء عام، وحتى الفيدراليون المتطرفون المسلحون لا يتحدثون سوى عن فيدرالية موسعة وليس انفصالا، وإذا كانت هناك أقلية من بينهم تضمر الانفصال فإنها لا تجرؤ على الحديث عن ذلك حتى لا يصدموا الحس الوطني العام المجمع على وحدة الوطن ولكي لا يفقدوا الأقلية التي تؤيدهم على أنهم فيدراليون وليسوا انفصاليين.

من حسن حظ الثورة الليبية أن القوى الدولية الكبرى ليس من مصلحتها أن يتحول أطول شاطئ على البحر الأبيض إلى أكبر بوابة للهجرة غير الشرعية، وأن تتحول ليبيا إلى دولة فاشلة

يأتي على رأس كل هذه الأخطار والظواهر تآكل شرعية المؤسسة الوحيدة المنتخبة، فإن لم يبادر المؤتمر الوطني العام للدعوة إلى انتخابات مبكرة، فإن هذه الظواهر الخطيرة ستقصم ظهر الوطن والثورة، فلا يمكن مواجهة كل هذه الأخطار إلا عن طريق سلطة شرعية -كيفما كان أداؤها- يعتبرها الليبيون نتاج إرادتهم ولا يقبلون من أي جسم آخر مهما بلغت قوته أن يمارس السلطة رسميا بدلا عنها، ولا أن يتكلم بدلا عنها باسم ليبيا في المحافل الدولية.

لعله من حسن حظ الثورة الليبية أن القوى الدولية الكبرى ليس من مصلحتها أن يتحول أطول شاطئ على البحر الأبيض إلى أكبر بوابة للهجرة غير الشرعية، وأن تتحول ليبيا إلى حضن دافئ لجماعات العنف العابر للحدود، وأن تتحول مناطق الثروة البترولية الليبية إلى ميادين صراع، وأن يختفي الكيان الليبي من خارطة شمال أفريقيا، فلا شك أن هذا الموقف من قبل القوى الكبرى يخفف على الثورة الليبية أعباء كثيرة لكي تتفرغ لمواجهة أخطار أخرى.

بعد مضي ثلاث سنوات من عمر الثورة الليبية ينبغي القول إنها لم تنجح بعد، كما تقتضي الموضوعية التسليم بوجود كل هذه الظواهر الخطيرة التي لم تستطع الثورة حتى الآن التغلب على أي منها، وهذا ما يجعل المتشائمين يرونها سائرة نحو الفشل.

لا شك أن زحمة الظواهر الخطيرة على رقعة المشهد السياسي الليبي تدعو إلى تشاؤم البعض، ولكن لا ينبغي أن يغيب عن ذهن الجميع أن خطورة كل هذه الظواهر ناتجة عن سبب واحد فقط وهو انتشار السلاح، ولهذا فقد يكون نجاح الثورة الليبية مفاجئا وسريعا مثل وقوعها أصلا، لأنه تكفي نقلة واحدة على تلك الرقعة لكي تختفي فجأة أحصنتها وأفيالها وقلاعها التي تثير الخوف والتشاؤم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة