لعنة الانقسامات تطارد دولة جنوب السودان   
الاثنين 1434/9/29 هـ - الموافق 5/8/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:52 (مكة المكرمة)، 10:52 (غرينتش)
منى عبد الفتاح


صراع (الفرسان الثلاثة) داخل الحركة
ديمومة التفكك واحتمالات الانقسام
انعكاس الأزمة على دولة السودان

مرّت الذكرى الثانية لاستقلال جنوب السودان في يوليو/تموز الماضي، دون احتفاء كبير وذلك لأنّ الدولة الوليدة حملت على عاتقها عبء أعوام من السعي نحو الاستقلال وعندما حصلت عليه واجهتها كثير من المصاعب تمثلت في الفساد في السلطة والإدارة والاقتصاد، الأمر الذي هزّ أركان الدولة وهي في طور الإنشاء.

وبدل الاحتفاء ساد قلق وخلافات عامة جراء الإقالة التي قام بها رئيس دولة جنوب السودان سلفاكير ميارديت الذي ينتمي لقبيلة الدينكا لنائبه رياك مشار الذي ينتمي لقبيلة النوير ووزراء حكومته ونوابهم. أما باقان أموم -الأمين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان- فيتم التحقيق معه بسبب مخالفات ارتكبت داخل الحزب وكذلك بسبب حديثه عن أسرار الحركة لوسائل الإعلام.

والآن وبعد تشكيل الحكومة الجديدة التي أعلنها الرئيس سلفاكير مؤخراً مع إرجاء تعيين نائب لرئيس الجمهورية، فهل تثبت هذه الخطوة فرضية تشتيت مركز النفوذ داخل الحزب الحاكم والمكوّن من رفاق الأمس، أم هو نداء الهاجس الأمني خوفاً من تقسيم آخر، آتٍ؟

صراع "الفرسان الثلاثة" داخل الحركة
عندما حصلت دولة جنوب السودان على حق الانفصال في العام 2011، طوت بين جناحي حدودها آثار نزاعات الحرب الأهلية حتى تصل بهويتها إلى رقم في المجتمع الدولي، إلا أنّه في داخل هذه الدولة الحديثة كان يمور صراع آخر لسيادة هويات قبلية على أخرى. فمنذ قيام الحركة الشعبية لتحرير السودان في ثمانينيات القرن الماضي بزعامة جون قرنق وذلك في 16 مايو/أيار 1983، اعتمدت على القبيلة كمكوّن أساسي مثّلها زعيم الحركة نفسه.

واستمر ذلك الوضع بعد أن انشقت بعض المجموعات عن الحركة وجيشها، فقد كانت الانشقاقات تتم على أساس قبلي مثل الانشقاق الأكبر لمجموعة الناصر (نسبة إلى مدينة الناصر) بقيادة رياك مشار من قبيلة "النوير" ولام أكول من قبيلة "الشلك" عام 1991. وهو الانشقاق الذي ترك شروخاً في العلاقة بين مجموعة العقيد جون قرنق ومجموعة "رياك مشار-لام أكول".

ولنائب الرئيس المقال رياك مشار مسيرة شد وجذب داخل الحركة الشعبية التي انضم إليها منذ بداية تكوينها. فبعد إعلان الناصر أسس رياك مشار الحركة الموحدة عام 1992، ثم حركة استقلال جنوب السودان عام 1995، وقاد عملية تفاوض مع حكومة الخرطوم أفضت إلى اتفاقية الخرطوم للسلام 1997، تم تعيينه بموجبها مساعداً لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس تنسيق ولايات الجنوب. عاد رياك مشار بعد ذلك إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 2000، مستقيلاً عن مناصبه الحكومية بعد اتهامه الخرطوم بإرسال قوات لمحاربة مقاتليه في الجنوب.
قد فقدت قيادة الحركة الشعبية الكاريزما وروح الزعامة التي كان يتحلى بها جون قرنق وتجمع الرفقاء والفرقاء من حوله وبرحيله المفاجئ انتهت سيناريوهات عديدة
أما باقان أموم الذي تتم محاكمته حالياً فقد انضم للحركة الشعبية أيضاً في الثمانينيات، آتياً إليها من قبيلة مختلفة عن قبيلة زعيم الحركة وهي قبيلة "الشلك".

نشط باقان في خدمة توجه الحركة اليساري، أسّس لذلك بنشاطه في كوبا التي ذهب إليها لإكمال دراسته الجامعية. يعتبره كثيرون الرجل الثاني بعد زعيم ومؤسس الحركة الشعبية الراحل جون قرنق، لذا يوصف بأنّه من مجموعة أولاد قرنق، تلك المجموعة التي ما زالت تنادي بمبادئ زعيمها الراحل في وجه مخالفيه في الحركة الشعبية.

عاد باقان أموم إلى الخرطوم بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل بين الحركة الشعبية وحكومة السودان عام 2005. وبعد مقتل جون قرنق في يوليو/تموز من نفس العام، أصبح أموم الأمين العام للحركة الشعبية. تم تعيينه في منصب وزير دولة ‏في وزارة مجلس الوزراء، وعندما وصف الدولة في السودان في خطاب عام بالفاشلة تمت إقالته في 2008.

وفي الضفة الأخرى المعارضة لحكومة جنوب السودان نجد لام أكول الذي عاد بعد ذاك الانشقاق إلى صفوف الحركة قبيل توقيع اتفاقية السلام الشامل "نيفاشا" عام 2005، حيث تقلَّد منصب وزير الخارجية في حكومة الوحدة الوطنية التي أعقبت تلك الاتفاقية. استقال لام أكول بعد ذلك من صفوف الحركة الشعبية وكوَّن حزبا آخر باسم "الحركة الشعبية-التغيير الديمقراطي" قبيل الانتخابات العامة عام 2010 وقبل الاستفتاء على مصير جنوب السودان.

هذه الشخصيات التي تم إعفاؤها أو التحقيق معها أو تلك التي دخلت الصراع من بوابة المعارضة هي شخصيات رمزية وذات ثقل سياسي في السودان جنوبه وشماله. وهذه الحقيقة تستحضر الصراعات التاريخية بين هؤلاء القادة في محيط التعقيدات القبلية التي يمثلها كل منهم. وظهر ذلك جليّاً بعد أن نسفت حادثة مقتل جون قرنق، قواعد اللعبة السياسية للحركة الشعبية لأنّها كانت تّدار بسياسة الرجل الأوحد.

وقد فقدت قيادة الحركة الكاريزما وروح الزعامة التي كان يتحلى بها جون قرنق وتجمع الرفقاء والفرقاء من حوله وبرحيله المفاجئ انتهت سيناريوهات عديدة، وهي أنّه لم يكن ليتزلزل كيان الحركة كحزب ناهض من أجل استقلال قومه أو في حالة شراكته في الحكم مع حكومة الخرطوم، وذلك لأنّه هو الرجل الذي بيده أوراق اللعب.

ديمومة التفكك واحتمالات الانقسام
ورثت دولة جنوب السودان نظاماً هشّاً سياسيا، وضعيفا اقتصاديا ومعقدّاً اجتماعيا. فقابلية أن تتحول الخلافات السياسية بين قادة الحزب الحاكم في الدولة إلى صراع قبلي، كانت واردة منذ البداية في ظل النزاعات داخل مؤسسة الحكم مدعومة بالانتماء والتحالفات القبلية، خاصة وأنّ حداثة الدولة لم تسمح للولاءات السياسية بأن ترتقي وتتسامى فوق تلك الولاءات القبلية.

فالصراع الذي تشهده ولاية جونقلي والتي تقع جنوب شرق دولة جنوب السودان هو صراع قبلي بالأساس حيث اندلعت المعارك بين قبيلتي "المورلي" و"النوير".
 
وتسببت هذه المعارك في خلق عدم استقرار شمل الولاية كلها وأدى إلى نزوح السكان ليضاف إلى العوامل العديدة الموجودة أصلاً والمعيقة لعملية التنمية مثل انتشار الأمية وانتشار العديد من الأمراض وسط حاجة حقيقية لتحرك دولي للمساعدة وإنقاذ السكان.
الروح الانفصالية هي سمة لتتويج نضال الجماعات في بحثها عن هويتها، فإنّ أدواراً أخرى لا بد أن تدخل في معادلة الصراع الداخلي المتجدد من أجل تحقيق العديد من أشكال الانفصال
أما الصراع في السلطة القائمة فنجد أنه قد عبّر عنه عدم الرضا الشعبي الذي رأى أنّ الحكومة خيبت تطلعات وطموحات أبناء الجنوب وركلت توقعاتهم بأن تعوضهم عن كل ما حاق بهم سابقاً.

كما عبّر عنه نقد أفراد الحكومة أنفسهم، فقد وجّه رياك مشار سياط لومه إلى رئيس الحكومة سلفاكير بأنّه فشل في إدارة البلاد كما فشل في تحويل الجيش الشعبي من نسخته القديمة التي تّدار على طريقة حرب العصابات إلى جيش دولة مستقلة. أمّا باقان أموم فقد كان نقده في أنّ حزبه فشل في تجربة حكم البلاد في العامين الماضيين، بالإضافة إلى ضعف البرامج الاقتصادية والأمنية والخدمية والتي ساهمت وبصورة كبيرة في فشل الدولة، وهو ما اعتبره الرئيس سلفاكير مخالفات داخل الحزب الحاكم وحديثا عن أسرار الحركة لوسائل الإعلام تستوجب المحاكمة.

يمكن تحليل أوجه النزاع الدائر في دولة جنوب السودان بأكثر من وجه، قبلي وسياسي واقتصادي، وهي نفس الأسباب التي جعلت دولة جنوب السودان تنفصل واقعياً، ومهددة الآن بالتفتت الداخلي والنزعات الانفصالية. فبالرغم من أنّ دولة جنوب السودان مؤتلفة الإثنية والعرق والدين، إلا أنّ الاختلافات على مستوى القبائل العديدة واللهجات المختلفة ساهمت في انشطار هذا الإئتلاف وتحويله إلى صدامات دائمة.

فعندما طالبت دولة الجنوب بالانفصال عن الشمال، كان شعبها يراهن على شكل الدولة الأمة وهو الشكل المحدد لكثير من الرغبات الانفصالية لأقاليم أخرى كانت جزءاً من دولة واحدة. أما وقد غدت هذه الروح الانفصالية هي سمة لتتويج نضال الجماعات في بحثها عن هويتها، فإنّ أدواراً أخرى لا بد أن تدخل في معادلة الصراع الداخلي المتجدد من أجل تحقيق العديد من أشكال الانفصال.

هذا بالإضافة إلى أنّ الاقتصاد الجنوبي بالرغم من ضعفه إلا أنّ ثراء دولة الجنوب المستبطن يعتبر دافعاً للنزاع الداخلي، كما يعتبر موقع الدولة محفّزاً للقوى الاقتصادية العالمية وبروز شراهتها في تقاسم الموارد، وتأمين مناطق عبورها الإستراتيجية بشتى السبل حتى ولو اضطرت لبناء نظام سياسي بأركان دولة أو تحفيز الانفصال والسيطرة على الكيان المنفصل الجديد. وبذلك تكون هذه القوى قد وضعت يدها على كيان سياسي مهم بالمنطقة ليؤمن مصالحها خاصة وأنّ الجنوب بموقعه هذا يقع على طريق النفط.

وهنا يبرز التبرير الأخلاقي من وراء المصالح بأنّ التدخل أو المساعدة في تقسيم الدولة هو بسبب النزاعات الإثنية والوطنية وتعرّض شعب الجنوب للاضطهاد الشمالي سابقاً وللنزاعات الداخلية حالياً.

انعكاس الأزمة على دولة السودان
لا ينبغي أن يبدو تفجر الأوضاع بهذا الشكل المأساوي مصدر إسعاد لدولة السودان حتى ولو دعا ذلك إلى انفراج أسارير حكومة الخرطوم إلى حين، وذلك لأنّ المناطق التي ورثت نزاع جنوب السودان ما تزال مناطق ملتهبة وبحاجة إلى حلّ النزاعات معها لا تشجيعها على سلك نفس الطريق الانفصالي.
 
دارفور ومنطقة جبال النوبة وجنوب كردفان والنيل الأزرق تتطلع إلى الانفصال وذلك بغض النظر عن تجربة دولة جنوب السودان التي فشلت في تحقيق وحدة داخل كيان الدولة
فدارفور ومنطقة جبال النوبة وجنوب كردفان والنيل الأزرق تتطلع إلى الانفصال وذلك بغض النظر عن تجربة دولة جنوب السودان التي فشلت في تحقيق وحدة داخل كيان الدولة، لأنّ لهذه المناطق أسبابا ودواعي تتطابق نظرياً ولكنها تختلف عملياً وواقعياً مع واقع جنوب السودان. فبالرغم من تطلعها للانفصال إلا أنّ هناك قلقا وشيكا سيزعزع هذه الأحلام والطموحات والنزعات الانفصالية وذلك لأنّ كل دويلة من هذه ستواجه متاعب دويلات وليدة تفتقر إلى التنمية والاستقرار.

ومرة أخرى ينتبه الرأي العام الدولي والخارجية الأميركية والاتحاد الأفريقي إلى أنّ على حكومة جنوب السودان أن تشكّل حكومة بطريقة تعكس تنوع الجنوبيين وتحترم الدستور الانتقالي والمبادئ الديمقراطية التي تبنتها الدولة الوليدة. فعندما سعت دولة الجنوب إلى الانفصال وتحقيق استقلالها عن السودان للأسباب المعروفة، لم تستطع الدولة الوليدة تغذية الوجدان الوطني أو القومي للشعب الجنوبي بحقيقة وجود الوطن الجديد بديلاً لقومية تابعة ومضطهدة. وكان ذلك بسبب أنّ زعامات الجنوب استبطنوا أسباب النزاع القديمة في أركان دولتهم الجديدة.

إنّ ما تواجهه دولة جنوب السودان من نزاع داخلي لهو ثمرة تطور سياسي طبيعي، فالظاهرة وليدة واقع وليست مصادفة والوقائع التي مكّنت الرئيس سلفاكير من حلّ الحكومة ماثلة أمامنا كما هي وقائع تشكيل حكومة أخرى ليصبح المستقبل القريب مفتوحا على نتائج عدة.

أولى هذه النتائج هي نجاح الرئيس سلفاكير في استبعاد اثنين من أكبر منافسيه ينتويان الترشح للدخول في الانتخابات القادمة في 2015، ليمهد بذلك لعهد دكتاتوري وانقسام في حزب الحركة الشعبية مبني على الخلفية العرقية. أو نتيجة أخرى محتملة أيضاً قد تخلقها الظروف وفقاً لتعيين حكومة جديدة قد تعمل على تصحيح الأوضاع القائمة وإتاحة الفرصة لظهور وجوه جديدة تخفض درجة الولاء القبلي في سياستها إيذاناً بدخول عهد ديمقراطي جديد.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة