مستقبل العلاقات الباكستانية - الأميركية   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


بقلم د. مصطفى حميداتو*

- خلفية تاريخية
- العلاقات الباكستانية - الأفغانية والدور الأميركي
- أحداث 11 سبتمبر تعيد صياغة دور باكستان
- خفوت بريق الدور الباكستاني بعد تشكيل الحكومة الأفغانية

يمكن تعريف السياسة الخارجية للدولة بأنها المواقف التي تتبناها هذه الأخيرة في المسائل الخارجية المختلفة. ووفقا لجان جاك روسو فالسياسة الخارجية هي العلم الذي بواسطته يمكن توضيح وتنظيم العلاقات الدولية. غير أن مصالح وخصوصيات كل دولة تؤثر في تحديد طبيعة ووجهة علاقاتها الخارجية.

وبالنسبة لباكستان فإن أهداف سياستها الخارجية تدور حول محاور رئيسية أهمها:
  • المحافظة على الأمن القومي، فباكستان ولدت في جو قاتم وعدواني, لذلك فهي تسعى لتأمين توازن في ميزان القوة مع جارتها الهند وتقوية موقفها بخصوص النزاع حول كشمير.
  • بلورة أيديولوجيتها الوطنية.
  • التركيز على التنمية الاقتصادية, حيث تعتبر باكستان دولة نامية ذات موارد طبيعية محدودة ودخل مالي ضعيف, لذلك فهي لا تستغني عن المساعدات الخارجية.

أما بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية فقد كانت سياستها الخارجية تتمحور -بحسب الرئيس الأسبق ترومان- حول مساعدة الشعوب الحرة في الحفاظ على حرية مؤسساتها ووحدتها الوطنية في مواجهة المد الشيوعي, لذلك دخلت الولايات المتحدة في عدة اتفاقيات مع بعض الدول الإسلامية خاصة باكستان, ومن ذلك:

      • اتفاقية أمنية مع باكستان في 9/5/1953
      • اتفاقية منظمة جنوب شرق آسيا في 8/9/1954.
      • حلف بغداد في فبراير/ شباط 1955.
      • اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان عام 1959.

خلفية تاريخية

جنديان باكستانيان على خط الهدنة في كشمير

لم تكن العلاقات الباكستانية الأميركية دائما على ما يرام, فهي ودية ومتينة إذا اتفقت أولويات السياسة الخارجية والأمن القومي للبلدين, وفاترة إذا تباينت مصالحهما.
وقد شهدت هذه العلاقات منعطفات رئيسية نوجزها في الآتي:
  1. اتجهت باكستان منذ نشأتها إلى البحث عما تعوض به ضعفها إما بالتحالف مع بعض الدول أو الانضمام إلى منظمات إقليمية ودولية لضمان أمنها ومصالحها. وفي ظل انحصار الخيارات أمام باكستان لضمان أمنها, وتفهمها لحاجة الولايات المتحدة الأميركية إلى شريك آسيوي يساعدها في احتواء الشيوعية, أعلنت الحكومة الباكستانية رغبتها في الانضمام إلى الجهود الرامية إلى تكوين حزام أمني حول الاتحاد السوفياتي.
    في هذه الأثناء أبرمت باكستان اتفاقية للتعاون العسكري مع الولايات المتحدة الأميركية, وانضمت إلى "معاهدة منظمة دول جنوب شرق آسيا" ثم إلى "حلف بغداد" الذي يضم -إضافة إلى إيران والعراق- كلا من المملكة المتحدة والولايات المتحدة.
    وفي 5/3/1959 أبرم البلدان اتفاقية للتعاون العسكري أقامت بموجبها الولايات المتحدة قواعد عسكرية لها في ضواحي مدينة بيشاور لمراقبة التحركات العسكرية السوفياتية.
    ووفقا لهذه الاتفاقية فإن الولايات المتحدة تتدخل عسكريا لنصرة باكستان في حال تعرضها لأي عدوان خارجي.

  2. أثناء حرب عام 1965 بين الهند وباكستان, واستنادا إلى الاتفاقية العسكرية المبرمة بين البلدين, طلبت باكستان من الولايات المتحدة النجدة لرد العدوان الهندي, إلا أن هذه الأخيرة فضلت معالجة المسألة عبر الأمم المتحدة, وفرضت حظرا على بيع الأسلحة لكلا البلدين المتنازعين
    عند نشوب النزاع الحدودي بين الهند والصين عام 1962 قدمت الولايات المتحدة الأميركية مساعدات عسكرية للهند دعما لقدراتها الدفاعية. هذا الدعم اعتبرته باكستان مخلا بالتوازن العسكري في المنطقة, الأمر الذي سبب فتورا في العلاقات بين البلدين. وأثناء حرب عام 1965 بين الهند وباكستان واستنادا إلى الاتفاقية العسكرية المبرمة بين البلدين, طلبت باكستان من الولايات المتحدة النجدة لرد العدوان الهندي, إلا أن هذه الأخيرة فضلت معالجة المسألة عبر الأمم المتحدة, وفرضت حظرا على بيع الأسلحة لكلا البلدين المتنازعين.
  3. وفي عام 1971 لعبت باكستان دور الوساطة في تأمين اجتماع بين وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر والوزير الأول الصيني شو ون لاي, الأمر الذي أعاد الدفء إلى العلاقات بين البلدين وأدى إلى استئناف تزويد باكستان بالأسلحة.
  4. وفي فترة حكم الرئيس جيمي كارتر ألغت الإدارة الأميركية المساعدات العسكرية والاقتصادية لباكستان بحجة سعي الأخيرة لتصنيع القنبلة الإسلامية, ونجحت في إفشال اتفاق أبرمته باكستان مع فرنسا لبناء مفاعل نووي. كما مارست ضغوطا على صندوق النقد الدولي كي لا يقدم أي دعم لباكستان.
  5. وإثر الاجتياح السوفياتي لأفغانستان في ديسمبر/ كانون الأول 1979 وبعد اعتلاء رونالد ريغان سدة الرئاسة, تغيرت السياسة الأميركية تجاه المنطقة واعتبرت باكستان بمثابة القاعدة الأمامية التي تمنع السوفيات من الوصول إلى مياه الخليج الدافئة والسيطرة على منابع النفط. وفعلا تجاهل الرئيس ريغان ضغوط اللوبي الهندي الإسرائيلي, وقررت الإدارة الأميركية الموافقة على بيع طائرات إف 16 إلى باكستان لتقوية دفاعاتها والحيلولة دون دخول الطائرات الأجنبية إلى أجوائها عبر الحدود الأفغانية. وبحلول 9 مارس/ آذار 1984 استلمت باكستان تسع طائرات من الصفقة المذكورة. كما وافقت الإدارة الأميركية على منح باكستان مساعدات اقتصادية ومبيعات أسلحة بقيمة 4.2 مليارات دولار لمدة ست سنوات تبدأ في 1987/1988. وللعلم فإن هذه المساعدات الأميركية لم تثن باكستان عن مواصلة تطوير برنامجها النووي.
  6. وبعد إبرام اتفاقية جنيف بين باكستان والنظام الشيوعي في كابل عام 1988 والتي تنص على إجلاء القوات السوفياتية من أفغانستان، نشط اللوبي الهندي – الإسرائيلي في مجلس النواب الأميركي واستطاع إقناع الإدارة الأميركية بضرورة إيقاف صفقة الطائرات مع باكستان, بحجة أن التهديد السوفياتي لم يعد قائما. واشترطت الولايات المتحدة لاستمرار التعاون العسكري مع باكستان, تجميد الأخيرة لمشروعها النووي. وهذا الأمر لم يتحقق بسبب التهديد المستمر الذي تشكله الهند للأمن القومي الباكستاني. وبعد التفجيرات النووية التي أجرتها كل من باكستان والهند في مايو/ أيار 1998 فرضت الولايات المتحدة حظرا اقتصاديا وعسكريا على البلدين. وازدادت هذه العلاقات توترا بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح فيه الجنرال برويز مشرف يوم 12/10/1999 بحكومة نواز شريف حيث وجهت الولايات المتحدة انتقادات شديدة إلى المؤسسة العسكرية وطالبت بضرورة عودة الديمقراطية إلى البلاد وسعت في المقابل إلى تحسين علاقتها مع الهند.

العلاقات الباكستانية - الأفغانية والدور الأميركي

كان للعلاقة بين باكستان وجارتها الإسلامية أفغانستان بعد أميركي حاضر في كل أدوارها، خصوصا في لحظات الصعود والهبوط التي ارتبطت بمرحلة ما يعرف بالحرب الباردة. ومنذ ترسيم الحدود بين باكستان وأفغانستان في عهد الاحتلال الإنجليزي, أصبحت بعض قبائل البشتون تعيش داخل أفغانستان وبعضها في باكستان في حين تفرقت أخرى على جانبي الحدود, الأمر الذي جعل البلدين يتنافسان على استمالتها واستغلال نفوذها لضغط كل منهما على الآخر. وبينما كانت الكفة في الخمسينيات والستينيات راجحة لصالح الحكومة الأفغانية فإن الوضع تغير بعد الاجتياح السوفياتي لأفغانستان أواخر عام 1979.

الأحزاب الجهادية والدور الباكستاني

لم تسمح باكستان إلا لسبعة أحزاب جهادية بالنشاط على أراضيها أغلبها من البشتون, ما عدا الجمعية الإسلامية التي كان يتزعمها برهان الدين رباني فيغلب عليها الفرس والطاجيك والأوزبك, وهذا يدل على مدى اهتمام الحكومة الباكستانية بنوع وطبيعة أي حكومة مستقبلية في أفغانستان
فباكستان التي تؤوي أكبر عدد من المهاجرين الأفغان, لم تسمح إلا لسبعة أحزاب جهادية بالنشاط على أراضيها أغلبها من البشتون, ما عدا الجمعية الإسلامية التي كان يتزعمها برهان الدين رباني فيغلب عليها الفرس والطاجيك والأوزبك سكان الشمال. وهذا يدل على مدى اهتمام الحكومة الباكستانية بنوع وطبيعة أي حكومة مستقبلية في أفغانستان.

وبعد سيطرة المجاهدين على كابل عام 1992 وفشل الأحزاب التي كانت تراهن عليها باكستان في بسط سيطرتها على البلاد, وتفشي الفساد الذي انعكس سلبا على الوضع في باكستان، كان لابد لأفغانستان من حكومة بديلة تجلب الأمن والاستقرار للبلاد.

طالبان البديل الباكستاني للمجاهدين
في هذه الأثناء ظهرت حركة طالبان التي ينتمي معظم أفرادها إلى القومية البشتونية، بديلا مرحبا به عند عامة الشعب الأفغاني الذي يتطلع إلى من يخلصه من الفوضى وانعدام الأمن والفساد الأخلاقي. هذه الحركة التي درس أغلب قادتها في المدارس الديوبندية الباكستانية, وجدت الدعم والمساندة القوية من قبل الحكومة الباكستانية التي تسعى لإيجاد حكومة صديقة لها في أفغانستان.

ورغم النجاح النسبي الذي حققته الحركة في منع الفوضى والفساد في أكثر من 80% من الأراضي الأفغانية، فإنها بقيت تفتقر إلى عدة أمور أهمها:

  • الحنكة السياسية في التعامل مع القضايا الدولية, حيث أعلن الملا محمد عمر نفسه أميرا للمؤمنين, في خطوة أفقدته دعم أغلب الدول الإسلامية ناهيك عن دول العالم الأخرى.
  • المهارات اللازمة لإدارة شؤون البلاد التي شهدت فيها قطاعات التعليم والصحة والخدمات العامة تدهورا كبيرا.
  • عدم وجود برنامج عمل واضح لإنعاش الوضع الاقتصادي واعتمادها على المساعدات الخارجية خاصة من باكستان.


افتقدت طالبان الحنكة السياسية في التعامل مع القضايا الدولية, كما لم تملك المهارات اللازمة لإدارة شؤون البلاد فضلا عن عدم وجود برنامج عمل واضح لإنعاش الوضع الاقتصادي واعتمادها على المساعدات الخارجية
ومع ذلك فقد وجدت حركة طالبان نفسها في عزلة سياسية بسبب التوجهات التي تتبعها ولم تجد لها أي ترحيب في المنطقة.

  • فإيران تعتبرها حركة متشددة تضطهد الأقلية الشيعية في أفغانستان. وقد أدت سيطرة طالبان على مزار شريف -قبل أكثر من ثلاث سنوات- إلى مقتل عدة دبلوماسيين إيرانيين في المدينة, الأمر الذي كاد يتسبب في اندلاع حرب بين البلدين لولا وساطة بعض الدول الإسلامية لاحتواء النزاع.
  • الصين من جهتها تتهم طالبان بتدريب بعض المجموعات من تركستان الشرقية (إقليم سينغيانغ) وتشجيعها على إثارة الاضطرابات العرقية في البلاد.
  • روسيا هي الأخرى تتهم طالبان بدعم المقاتلين الشيشان والطاجيك, وتخشى من انتقال تأثيرها إلى دول آسيا الوسطى الأخرى.
  • من جهتها تنظر الهند إلى طالبان على أنها ربيبة باكستان وتشكل عمقا إستراتيجيا لها, إضافة إلى كونها هدمت التماثيل البوذية في أفغانستان قبل سنتين.
  • أما الولايات المتحدة فكانت تراهن على إمكانية احتواء طالبان وجعلها تدور في فلكها. فقد زار وفد من طالبان الولايات المتحدة قبل حوالي سنتين للتفاوض مع شركة "يونيكول" الأميركية حول مشروع مد أنابيب لنقل الغاز الطبيعي من تركمانستان عبر الأراضي الأفغانية إلى الأسواق الباكستانية ومن ثمة إلى دول أخرى عبر بحر العرب. غير أن هذه المفاوضات لم تنجح لاستمرار اتهام الولايات المتحدة طالبان بإيواء تنظيمات معادية لها وإهدار حقوق المرأة.

ويرى الكثير أن سيطرة حركة طالبان على أكثر من 80% من أفغانستان لم تكن لتتحقق لولا الدعم الباكستاني.

وبعد الإطاحة بحكومة نواز شريف, أكد الرئيس برويز مشرف على ضرورة أن تحكم أفغانستان حكومة موسعة تمثل كل الإثنيات والطوائف الأفغانية، وهي أول إشارة إلى حركة طالبان بضرورة التخلي عن نهجها المتشدد. ويمكن القول إن الحكومة الباكستانية الجديدة لم تكن تشعر بالارتياح تجاه كثير من تصرفات طالبان, غير أن هذه الأخيرة كانت تمثل أفضل المتاح في ظل عدم ظهور أي بديل واضح على الساحة الأفغانية.

أحداث 11 سبتمبر تعيد صياغة دور باكستان

المعهد الباكستاني للتكنولوجيا والعلوم النووية

بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول رأت الولايات المتحدة أن علاقتها مع باكستان لا يمكن أن تتحسن إلا إذا أعادت الأخيرة النظر في جملة أمور منها:

  • العلاقة مع حركة طالبان, حيث ترغب الولايات المتحدة في استبدالها بحكومة موالية.
  • البرنامج النووي الباكستاني الذي سعت الولايات المتحدة جاهدة لتجميده من خلال ممارسة الضغوط على الحكومة الباكستانية ووقف المساعدات الاقتصادية والعسكرية عليها. وبعد أن أجرت هذه الأخيرة تجاربها النووية ردا على تجارب مماثلة قامت بها الهند في مايو/ أيار 1998، تركزت الضغوط الأميركية على إقناع باكستان بضرورة توقيع اتفاقية عدم انتشار الأسلحة النووية, ثم اتفاقية عدم إنتاج المواد الانشطارية. وتربط الإدارة الباكستانية موافقتها على الاتفاقية بالموافقة الهندية عليها, وهو ما لم يتحقق بعد.
  • منظمات المقاومة الكشميرية التي تنظر إليها الولايات المتحدة على أنها تنظيمات إرهابية، فبعد اختطاف بعض السواح الغربيين -وبينهم أميركيون- في كشمير المحتلة ثم إعدامهم سنة 1995, ألقت الولايات المتحدة باللائمة في ذلك على حركة المجاهدين وأدرجتها في قائمة المنظمات الإرهابية وطالبت السلطات الباكستانية بتجميد أموالها واعتقال قادتها.
  • إعادة الحياة البرلمانية وإنهاء الحكم العسكري في البلاد, وإن كان شعارا ترفعه الولايات المتحدة لكنها لا تقف عنده كثيرا، فهي تساند العديد من الأنظمة العسكرية والدكتاتورية في العالم!

هذه المؤثرات وغيرها جعلت حكومة الرئيس برويز مشرف في وضع لا يسمح لها برفض مطالب الولايات المتحدة بالانخراط في حملتها لمكافحة ما يسمى بالإرهاب, خاصة أن هذه الأخيرة رفعت شعار "من ليس معنا فهو ضدنا".

وفي سبيل الحفاظ على مصالحها العليا, دعمت باكستان الحملة المذكورة وأعطت تسهيلات عسكرية للقوات الأميركية ووضعت بعض المطارات تحت تصرفها, وتخلت رسميا عن حركة طالبان (حليفتها السابقة). يذكر أن باكستان قد تعرضت لضغوط أميركية كبيرة بما فيها التهديد الضمني بجعلها دولة منبوذة, إضافة إلى قطع سبل التمويل الخارجي عنها.

وقد ألحت الولايات المتحدة على ضرورة انخراط باكستان في التحالف المذكور لأسباب منها:

  1. أي عملية عسكرية واسعة في أفغانستان تحتاج إلى مساعدة باكستان التي تعرف أجهزة مخابراتها كل ملفات حركة طالبان.
  2. مقاتلو طالبان في أغلبهم ينتمون إلى قبائل البشتون التي لها امتداد عرقي ومذهبي في باكستان وتوجد على طول الحدود بين البلدين.
  3. الولايات المتحدة تعتقد أن معسكرات تنظيم القاعدة توجد بكثافة في المناطق الجنوبية الشرقية لأفغانستان وتريد من باكستان إحكام السيطرة عليها لمنع أي تسلل عبرها.

مع ذلك فالإدارة الباكستانية تتخوف في حال رفض الانضمام إلى التحالف من عقوبات أميركية قد تشل برنامجها النووي, وتجردها من أدوات الردع في مواجهة عدوها التقليدي "الهند". هذا التأييد الباكستاني للحملة المذكورة قابله ترحيب أميركي وارتياح دولي أسفر عن:

  • حصول باكستان على مساعدات مالية من الولايات المتحدة ودول غربية أخرى.
  • رفع الحظر الاقتصادي الذي فرضته الولايات المتحدة عليها بعد إجراء تجاربها النووية في مايو/ أيار 1998.
  • إلغاء بعض الديون المستحقة على إسلام آباد.

وبتنسيق مع الولايات المتحدة, زار إسلام آباد العديد من القادة الغربيين لتشجيعها على الاستمرار في موقفها الداعم للحملة الأميركية.

خفوت بريق الدور الباكستاني بعد تشكيل الحكومة الأفغانية

صاروخ هندي أرض أرض
من طراز بريثفي

في مقابل التحالف المتجذر بين باكستان وطالبان كانت العلاقة بين الحكومة الباكستانية والجمعية الإسلامية التي يقودها الرئيس الأفغاني السابق برهان الدين رباني، مضطربة وعلى غير ما يرام عموما, خاصة مع جناحها العسكري الذي كان يتزعمه القائد الطاجيكي الراحل أحمد شاه مسعود. ولم يكن هذا الأخير يخفي امتعاضه من التدخل الباكستاني في شؤون أفغانستان ويتهمها بالانحياز المستمر للأحزاب البشتونية وخاصة الحزب الإسلامي الذي يترأسه قلب الدين حكمتيار.

وقد استمر هذا الشعور العدائي تجاه باكستان لوقوفها إلى جانب حركة طالبان في قتالها ضد التحالف الشمالي, وبلغ ذروته بعد اغتيال أحمد شاه مسعود يوم 10/9/2001 حيث يتهم أنصاره باكستان وحركة طالبان بالوقوف وراء تلك العملية.

هذه العوامل وغيرها جعلت التحالف الشمالي أكثر استعدادا للتعاون مع القوات الأميركية في حربه على طالبان, باعتبار أن ذلك هو السبيل الوحيد للتخلص من النفوذ الباكستاني في أفغانستان.


نجح مؤتمر بون في تشكيل حكومة أفغانية انتقالية يقودها حامد كرزاي المعروف بميوله الهندية وولائه الملكي لظاهر شاه وتضم أغلبية وزارية من التحالف الشمالي في الحكومة الجديدة، كما تم استبعاد رموز المجاهدين القدامى الذين تجد باكستان لغة مشتركة في التعامل معهم

ونجحت الحملة العسكرية الأميركية على أفغانستان وهي الحملة التي لم ترافقها تسوية سياسية لما بعد حكومة طالبان، لكن مؤتمر بون للفصائل الأفغانية نجح في تشكيل حكومة أفغانية انتقالية يقودها حامد كرزاي المعروف بميوله الهندية وولائه الملكي لظاهر شاه. وتضم هذه الحكومة أغلبية وزارية من التحالف الشمالي كما تم استبعاد رموز المجاهدين القدامى الذين تجد باكستان لغة مشتركة في التعامل معهم.

هذا فضلا عن أنه أصبح بوسع القوات الأميركية استعمال أغلب المطارات والقواعد العسكرية الأفغانية, وبالتالي فقدت باكستان بريقها الأول ولم تعد مطاراتها ذات أهمية إستراتيجية بالنسبة للحملة الأميركية.

ورغم الانخراط القوي لباكستان في الحملة الأميركية ضد ما تسميه بالإرهاب فإن هذه الأخيرة لاتزال ترفض الإفراج عن صفقة طائرات إف 16 التي دفعت باكستان ثمنها مسبقا.

وإثر الاعتداء المشبوه على البرلمان الهندي يوم 13/12/2001 وتدهور العلاقات بين الهند وباكستان, تدخلت الولايات المتحدة لتهدئة الأوضاع وتخفيف حدة التوتر بين الجارتين النوويتين, ولعدم إشغال الجيش الباكستاني الذي يقوم بحراسة الحدود الطويلة مع أفغانستان للحيلولة دون تسلل المطلوبين لأميركا عبرها.

ومع ذلك أصدر الرئيس الأميركي جورج بوش قرارا بتجميد أرصدة بعض المنظمات الكشميرية وأشار ضمنا إلى مسؤولية "لشكر طيبة" عن الهجوم المذكور، وهو ما اعتبره البعض بمثابة إشارة إلى باكستان بأن دعمها القوي لحملة مكافحة الإرهاب لا يعفيها من اتخاذ إجراءات صارمة حيال التنظيمات الكشميرية المسلحة.

ونزولا عند الطلب الأميركي جمدت الحكومة الباكستانية أرصدة "لشكر طيبة" و"جيش محمد", ووعدت باتخاذ إجراءات ضدها إذا توافرت أدلة تثبت إدانتها.

كل هذه التداعيات التي حصلت بعد دخول قوات التحالف الشمالي كابل جاءت لتقلص من الدور الباكستاني وتخفت بريق إسلام آباد الذي لمع كثيرا في الأيام الأولى لأحداث 11 سبتمبر/ أيلول, لكن ومهما كانت الظروف يبقى استقرار الوضع في أفغانستان بحاجة إلى دعم الحكومة الباكستانية الحليف الرئيسي لقبائل البشتون.

وترغب باكستان في رؤية حكومة صديقة لها في أفغانستان أو على الأقل حكومة غير معادية لها، خوفا من الوقوع بين سندان الهند ومطرقة الأفغان.

وأخيرا: هل ستحافظ باكستان على بريقها كدولة رئيسية في المنطقة؟ وإذا كانت باكستان تنظر إلى أميركا على أنها حليف إستراتيجي, فهل تنظر أميركا إلى باكستان نظرة الحليف الحقيقي؟ وهل ستحافظ العلاقات الأميركية الباكستانية على زخمها بعد تسوية المسألة الأفغانية؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام المقبلة.

_______________
كاتب عربي مقيم في باكستان

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة