هل أصبحت دارفور قبرا للحلم الإسلامي في السودان؟   
الأربعاء 1430/4/19 هـ - الموافق 15/4/2009 م (آخر تحديث) الساعة 16:26 (مكة المكرمة)، 13:26 (غرينتش)
محمد بن المختار الشنقيطي


من فقه الحركة إلى فقه الدولة
الترابي والبشير وصراع السلطة
الحركة الإسلامية ومحنة دارفور

من حق أهل دارفور على الشعوب العربية والإسلامية أن تتعاضد معهم في وجه نظام الرئيس عمر حسن البشير والكوارث التي جرها على شعبه عمدا وإهمالا. بيد أن الناس في عالمنا العربي الإسلامي اعتادوا على العداء العاطفي لكل المبادرات الغربية في بلادهم، والنظر بريبة إلى كل حديث غربي عن تحقيق العدالة والإنصاف. وهو أمر يرجع إلى ما اعتادوه من الغربيين من التطفيف والازدواجية.

ومن هذا النزوع إلى الرفض العاطفي غير المؤسَّس على إدراك لتفاصيل الواقع التنكرُ الساذج لما ثبت بالمعاينة والتواتر من جرائم الحرب في دارفور، وكأن ضحاياها ليسوا بشرا يستحقون العطف والمواساة.

ومن أسباب هذا الموقف أن حكومة السودان تقدم نفسها باعتبارها "حكومة إسلامية" ومن الذي لا يتعاطف مع حكومة إسلامية ضد العدوان الغربي؟! بيد أن هذا المنزع العاطفي يغطي وراءه حقيقة برودة مشاعرنا تجاه ضحايا القمع والاستبداد السياسي في بلادنا، فنقع بحسن نية وطوية في ذات الازدواجية والتطفيف الذي نرفضه من الغربيين.

إن الصراع في دارفور عميق الجذور، وهو في أصله صراعان: أحدهما صراع على الموارد الشحيحة بين العرب الرحل والأفارقة القرويين من سكان جبل مرة، والثاني صراع بين الطامحين من أبناء دارفور إلى توزيع أعدل للسلطة والثروة وبين الحكومة المركزية في الخرطوم.

لكنَّ تحوُّل هذا الصراع -في ظل حكم الحركة الإسلامية السودانية- من مناوشات تقليدية إلى حرب طاحنة، ومن حرب موارد إلى صراع هوية يدعو إلى التأمل حقا.

فما هي العلاقة بين تفجر الصراع السنوات الأخيرة وبين التجربة الإسلامية السودانية التي بدأت بانقلاب عمر البشير عام 1989؟ وما مدى مسؤولية الإسلاميين في معسكريْ البشير والترابي عن إشعال الصراع واستمراره؟ وما هي دلالة هذا الصراع المدمر على مصير التجربة الإسلامية السودانية، وهي التجربة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس وبعثت الآمال العريضة في يوم من الأيام؟

من فقه الحركة إلى فقه الدولة
"
السبب في فشل الإنقاذ في رسالتها هو تخلف فقه الدولة عن فقه الحركة لدى الإسلاميين السودانيين, فلم تنجح تجربة إسلامية على مستوى الحركة كما نجحت التجربة السودانية، ولم تخفق تجربة إسلامية على مستوى إدارة الدولة كما فشلت تلك التجربة
"
لم يكن نجاح الإسلاميين السودانيين في الاستيلاء على السلطة عام 1989 صدفة عابرة، أو ضربة حظ وافر، بل كانت ثمرة تطور منهجي في الحركة الإسلامية السودانية على مر السنين: في وعيها العام، وبنيتها الهيكلية، وبنائها القيادي، وعملها في المجتمع، وعلاقتها بالسلطة، وعلاقتها بالحركات الإسلامية.. وهو ما جهدتُ في تقديم عبرته معتصَرة ومختصَرة في كتابي عن "الحركة الإسلامية في السودان.. مدخل إلى فكرها الإستراتيجي والتنظيمي".

لكن نجاح الثورة أكبر من مجرد استلام السلطة، والنجاح الفني ليس معيارا للنجاح المبدئي، خصوصا إذا كان أهله يحملون رسالة أخلاقية، تهدف إلى تحرير الناس لا إلى إخضاعهم.

وفي بلد كالسودان، متسع الأرجاء، ممزق الأحشاء، أنهكته الحرب الأهلية، وهددت فيه الحاجة إنسانية الإنسان، كان على الثورة الجديدة أن تتحمل أعباء زائدة، ومسؤوليات أخلاقية وإنسانية جسيمة، لم تواجه كل الثورات. ومن أهم تلك التحديات كما لخصتها في ختام كتابي المذكور عام 2001:

* أن على هذه السلطة أن تكف عن كونها حركة، وتقتنع بأنها أصبحت دولة، بكل ما يعنيه ذلك من دلالات سياسية وأخلاقية.

* وأن تسعى لإطعام الإنسان السوداني من جوع، وتأمينه من خوف، باعتبار ذلك أهم بند في رسالتها، وأول خطوة على طريق البناء.

* وأن تبني شرعية سياسية على غير القوة والإكراه، فلا خير في سلطة تستمد شرعيتها من القوة حصرا، ولا مجال لاعتماد فقه الضرورات إلى الأبد.

* وأن توقف النزف الإنساني الذي سببته الحرب الأهلية، لا بدماء الشباب المتعطش للجهاد والشهادة، بل بحكمة السياسة، ومنهج الحوار والتعايش.

* وأن تدرك أن جسم الدولة متسع للجميع، بخلاف جسم الحركة، فالعجز عن احتواء واستيعاب المجتمع، معناه العجز عن تغيير المجتمع.

* وأن تعرف أن الحلول الفنية -على أهميتها وحاجة العمل الإسلامي إليها- لا تكفي. فالدولة الإسلامية دولة فكرة ومبدأ، قبل أي شيء آخر.

* وأن تعترف بموقعها الحرج في المكان، إقليميا ودوليا، فتتحمل مسؤوليتها بوضوح، وتنأى بنفسها عن أسلوب المغامرات والمهاترات والتخبط والتورط.

* وأن تعترف بموقعها الحرج في الزمان -حاملة لراية الإسلام أيام غربته- فتعضد ذلك بمزيد من الإقدام والتوكل والحكمة والدراية.

وبالنظر إلى الوراء عقدين من الزمان أعترف أن ثورة الإنقاذ فشلت فشلا ذريعا في رسالتها، وخيبت آمال الكثيرين ممن علقوا عليها بعض الآمال، وأنا منهم. كما أعترف أن حرب دارفور لخصت هذا الفشل أبلغ تلخيص.

وإذا كان لنا أن نجد تفسيرا فكريا لهذا الفشل يفترض حسن المقاصد، فهو تخلف فقه الدولة عن فقه الحركة لدى الإسلاميين السودانيين. فلم تنجح تجربة إسلامية على مستوى الحركة كما نجحت التجربة السودانية، ولم تخفق تجربة إسلامية على مستوى إدارة الدولة كما فشلت التجربة السودانية.

لكن التفسير الفكري لا يفسر كل شيء، فهنالك عنصر أخلاقي قد يفوق العنصر الفكري في أهميته، وتخلف هذا العنصر الأخلاقي في تجربة الإنقاذ هو الذي يفسر محنة دارفور، ويدين العديد ممن قادوا تلك التجربة ومن اتبعوهم.

الترابي والبشير وصراع السلطة
"
التدهور الذي وقع في إقليم دارفور كان نتيجة سلسلة أخطاء مميتة، بدأت بإساءة إدارة الوضع السياسي وممارسة الإقصاء في حق أهل دارفور، ومرت عبر العجز عن التصدي للتمرد المسلح، ومحاولة مداراة هذا العجز أو تداركه عبر تشجيع الفوضي والإجرام
"
منذ أن اندلعت الحرب الأهلية في دارفور عام 2003 ظهرت مراجعات فكرية مهمة لمسار الحركة الإسلامية السودانية، فجر شرارتها د. التجاني عبد القادر –وهو من القادة السابقين في الحركة- في مقالات نقدية عميقة تحمل عناوين ذات دلالة، منها ثلاثة مقالات بعنوان: "العسكريون الإسلاميون أمناء على السلطة أم شركاء فيها؟" ومقالان بعنوان "الرأسماليون الإسلاميون" واثنان آخران بعنوان "إخواننا الصغار ومشاريعهم التوسعية الكبرى".. وشارك في نقاش تلك المقالات عدد من قادة الحركة السابقين والحاليين، منهم د. عبد الوهاب الأفندي، والشيخ إبراهيم السنوسي، ومحمد الأمين خليفة أحد قادة ثورة الإنقاذ الذين لحقوا بالترابي بعد الانفصام بينه وبين البشير.

ويمكن للمراقب من بعيد مثلي أن يستخلص من تلك المطارحات والردود –ومما تيسر من محاورات مباشرة مع أنصار كل من الترابي والبشير- ملامح ما حصل داخل أحشاء الحركة فتولدت عنه محنة دارفور.

كتب د. عبد الوهاب الأفندي ملخِّصا أسباب الحرب في دارفور فقال "إن التدهور الذي وقع في إقليم دارفور كان نتيجة لسلسلة أخطاء مميتة، بدأت بإساءة إدارة الوضع السياسي وممارسة الإقصاء في حق أهل دارفور، ومرت عبر العجز عن التصدي للتمرد المسلح، ومحاولة مداراة هذا العجز أو تداركه عبر تشجيع الفوضي والإجرام، وأخيرا العجز والتخبط في إدارة الكارثة التي نتجت وذيولها الدولية." وهذا تلخيص دقيق وحكم صائب، وإن لم يعط الخلفية التاريخية التفصيلية، خصوصا في شقها المتعلق بالحركة الإسلامية.

إن الجذور الاجتماعية للصراع في دارفور كانت موجودة دائما، مثلها مثل الكثير من الصراعات الكامنة في دول العالم الثالث، لكن تفجُّر الصراع التقليدي إلى حرب إبادة وتهجير بدأ ببداية الصراع بين الترابي والبشير.

فقد كانت خطة الحركة الإسلامية في السودان بعد استيلائها العسكري على السلطة أن تُخرج انقلابها بواجهة وطنية لا إسلامية، ثم تتدرج خلال ثلاثة أعوام من "التأمين" إلى مرحلة "التمكين" التي تذوب فيها الحركة في الدولة، وتكشف عن وجهها الإسلامي سافرا، بما في ذلك تسليم العسكريين السلطة للمدنيين وتقلُّد د. الترابي منصب رئاسة الدولة.

وظل نوع من التوازن يحكم العلاقة بين جناح الترابي وجناح البشير في السلطة، من خلال تقاسم الأمور في سلطة ذات رأسين يقود كل من الرجلين أحد رأسيها. كان الترابي يقود الحركة الإسلامية وهي بمثابة حكومة مدنية خفية، وكان البشير يقود الحكومة العسكرية العلنية.

ثم بدأ اتجاه داخل العسكريين وبمساندة من بعض المدنيين داخل الحركة يميل إلى احتفاظ البشير بالسلطة وإقصاء الترابي، واستطاع هذا الاتجاه أن يكسب المعركة بعد إقدام الترابي –ثقة منه في العسكريين الذين رباهم وأطَّرهم- على ارتكاب خطإ إستراتيجي، وهو حل أجهزة الحركة التي كانت تمثل مصدر القرار والشرعية الداخلية. ويومها بدأ الانشقاق المعروف بين البشير والترابي عام 1999، وكانت الغلبة للبشير بعد أن تخلى الترابي –طوعا وغفلة- عن سنده بحل الحركة.

"
كان من الممكن للحركة الإسلامية السودانية أن تسير في ختام مرحلة "التأمين" في أحد مسارات ثلاثة: الأول أن يتخلى العسكريون عن السلطة, والثاني أن تجد الحركة الإسلامية مكانا لطرفيها المختلفين في إدارة الدولة, والثالث إقصاء العسكريين لإخوانهم المشاركين لهم
وانضم الإسلاميون المنحدرون من دارفور في غالبيتهم الساحقة إلى جناح الترابي، ربما لأنه كان مساندا لفكرة المركزية الإدارية وتقوية الحكومات المحلية، وهو ما عمق الحنق عليهم من طرف الرئيس البشير وجناحه.

وكان من الأخطاء الفادحة التي ارتكبها الرئيس البشير تصفية الجيش والأمن من الضباط الإسلاميين المنحدرين من دارفور، ربما خوفا من أن يستخدمهم الترابي ضده، كما استخدمه هو ضد الصادق المهدي. لكن هؤلاء سرعان ما تحولوا إلى نواة التمرد والحرب الأهلية في دارفور.

لقد كان من الممكن للحركة الإسلامية السودانية أن تسير في ختام مرحلة "التأمين" في أحد مسارات ثلاثة:

أولها أن تسود الرؤية التي تبناها الترابي وجناحه في الحركة، فيتخلى العسكريون عن السلطة، ويتم تطبيق الديمقراطية (ولو بشكل جزئي) واللامركزية التي دعا إليها الترابي، وسانده فيها أهل دارفور وأهل الجنوب. وتدل النظرة إلى الوراء اليوم على أن هذا الخيار كان هو الأحكم والأعدل.

ثانيها أن تجد الحركة الإسلامية مكانا لطرفيها المختلفين في بنية سياسية تعطي الترابي شيئا من القيادة الفكرية والتشريعية، وتمنح جناح البشير وعلي عثمان شيئا من السلطة التنفيذية، وهو ما سيديم وضع الازدواجية والصراع داخل الأجهزة الحكومية.

وثالثها إقصاء العسكريين وحلفائهم الذين يملكون السلطة التنفيذية لإخوانهم من خارجها. وهو ما تم بالفعل، حينما حل البشير البرلمان عام 1999 وأعلن حالة الطوارئ ووضع شيخه الترابي في السجن. وكان هذا الاتجاه هو الذي ولدت فيه محنة دارفور في شكلها الكارثي الحالي.

الحركة الإسلامية ومحنة دارفور
كان أهل دارفور من الإسلاميين المشاركين في الحركة الإسلامية يعلقون آمالا عريضة على ثورة الإنقاذ، أقلها أن ترفع الضيم عن إقليمهم، وتكفل لهم حضورا منصفا في جهاز الدولة ونصيبا منصفا من خدماتها، لكن سرعان ما خاب ظنهم.

"
كان أهل دارفور من الإسلاميين المشاركين في الحركة الإسلامية يعلقون آمالا عريضة على ثورة الإنقاذ، أقلها أن ترفع الضيم عن إقليمهم وتكفل لهم حضورا منصفا في جهاز الدولة ونصيبا منصفا من خدماتها، لكن سرعان ما خاب ظنهم
"
ولم تكن خيبة الظن هذه جديدة مع الأسف، فقد بدأت بوادرها في الثمانينات، حينما استقال عدد من القادة الإسلاميين المنحدرين من دارفور من الجبهة الإسلامية القومية التي يقودها الترابي آنذاك احتجاجا على دعم الجبهة للقبائل العربية في دارفور ضد قبيلة الفور الأفريقية.

ثم تجلت خيبة الأمل أكثر عام 1990 بتمرد صغير قاده داود بولاد ضد حكومة الإنقاذ. والمثير للاهتمام حقا هو أن بولاد كان يعتبر يومها أحد القادة الإسلاميين من قبيلة الفور القاطنة في دارفور (ومنها أخذ الإقليم اسمه التاريخي) وقد ترقى بولاد في سلم الحركة الإسلامية حتى أصبح رئيسا لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم ممثلاً للحركة الإسلامية التي يقودها الترابي.

قضت حكومة الإنقاذ على التمرد بسهولة وأعدمت بولاد نفسه، مما ترك جرحا عميقا لدى أهل دارفور، خصوصا الإسلاميين منهم. وينظر أهل دارفور اليوم إلى بولاد على أنه شهيد قضيتهم، وأنه رجل سابق على عصره، كما تمدحه أدبياتهم بأنه كان حافظا للقرآن الكريم عميق التدين ومهندسا متميزا. بينما وصفته دعاية حكومة الإنقاذ حينها بأشنع الأوصاف والتهم، ومنها أنه ارتد عن الإسلام ومزق المصحف الشريف. وقد اعترف الترابي فيما بعد –حسبما أفضى به إليَّ أحد المقربين منه- بأن حكومة الإنقاذ لم تأخذ العبرة من تمرد بولاد، فكانت حرب دارفور الأخيرة عاقبة لذلك.

وعلى خطى بولاد سار د. إبراهيم خليل، الذي يقود اليوم "حركة العدل والمساواة" المتمردة في دارفور، والمقربة من الترابي وحزبه (المؤتمر الشعبي). وقد كان إبراهيم من القادة البارزين في الحركة الإسلامية السودانية، حتى إنه تقلد عدة مناصب وزارية بعد ثورة الإنقاذ.

وتدل حالة إبراهيم -ومن قبله حالة بولاد- على أن مشكلة دارفور لا يمكن فصلها عن مشكلة الحركة الإسلامية السودانية وعجزها الفاضح في بناء دولة العدل التي بشرت بها السودانيين خلال نصف قرن قبل انقلاب 1989، ثم الأنانية السياسية التي اتسم بها قادة الحركة في صراعهم الداخلي، ثم كيد بعضهم لبعض بطريقة انتهازية لم تحترم أسس التعامل الإنساني، فضلا عن الأخلاق الإسلامية.

وقد تجلت الانتهازية والأنانية السياسية في تمرد الضباط الإسلاميين المنحدرين من دارفور بتشجيع من الترابي بعدما فصلهم البشير من أعمالهم، ثم برهن البشير وعلي عثمان لشيخهما الترابي على أنهما أكثر انتهازية منه، فسلحا قبائل البدو وأطلقا يدها لإبادة أهل دارفور وتشريدهم.

ومن قبلُ رمى البشير وعلي عثمان شيخهم الترابي في غياهب السجن مرة لأنه اختلف معهما حول شكل الدولة وهيكلتها الإدارية ومن يحكمها من أبناء الحركة (وقد دلت الأيام على صدق رأي الترابي في ضرورة اللامركزية وحكم الأقاليم) ومرة لأنه التقى جون غرنغ، ثم هرول الرجلان بعدها مباشرة إلى أحضان غرنغ ليمنحوه ما لم يحلم به قط مع الترابي أو المهدي.

لقد حفر الإسلاميون السودانيون قبرا جماعيا في دارفور لأنفسهم، ولحركتهم وتجربتها الرائدة، وهم يتحملون نتائج ذلك بؤسا وشقاء لهم ولشعبهم، وصدا عن الإسلام، وتيئيسا للناس من تحقيق العدل في ظلاله.

"
حفر الإسلاميون السودانيون قبرا جماعيا في دارفور لأنفسهم ولحركتهم وتجربتها الرائدة، وهم يتحملون نتائج ذلك بؤسا وشقاء لهم ولشعبهم، وصدا عن الإسلام وتيئيسا للناس من تحقيق العدل في ظلاله
"
وجدير بالشعوب العربية والإسلامية اليوم أن تدرك ذلك، بدلا من التعاطف الساذج مع من لا يقيم وزنا لدماء أبناء شعبه وكرامتهم. إن دماء الفقراء المشردين في دارفور وكرامتهم الإنسانية لا يقلان وزنا عند الله عن دم الرئيس البشير والدكتور الترابي وكرامتهما، والاستصراخ في وجه العدوان والتطفيف الغربي لا يصلح مبررا للوقوف إلى جنب الظلمة من المسلمين. فمتى تفهم الشعوب العربية والإسلامية ذلك؟

وربما يحسن بنا هنا أن نختم بدعوة المفكر الإسلامي السوداني الدكتور عبد الوهاب الأفندي للإسلاميين في السودان إلى "أن ينصروا إخوانهم بكف أيديهم عن الظلم اتباعا للنصيحة النبوية، وأن يسارعوا إلى نجدة المنكوبين والتضامن معهم، وأن يطالبوا من داخل الحكومة بمساءلة ومحاسبة ومعاقبة المسؤولين عن هذه الكوارث السياسية والعسكرية والانسانية التي لم تهدد النظام فقط، بل تهدد اليوم وجود السودان".

هذا إضافة إلى ما وجهته من ضربة للعلاقات العربية الأفريقية، ولمستقبل العمل الاسلامي في دارفور.

وكم هو حق ما كتبه الأفندي بعد هذا النداء مباشرة "نعم هناك بالقطع خطر يتهدد الإسلام في السودان اليوم، ولكنه خطر مصدره الخرطوم، لا نيويورك أو واشنطن".

إن سوء صنيعنا في علاقة بعضنا ببعض وتسويغنا ما لا يستساغ هي الثغرة التي يدخل منها الآخرون دائما. وقد وقفنا مع صدام حسين في إبادة شعبه وغزو جيرانه، فكانت النتيجة أن خسرنا العراق وشعبه.

وها نحن نقف اليوم مع البشير في إبادة شعبه وتشريده، وستكون النتيجة أن نخسر السودان وشعبه. فهل ننظر أخيرا في المرآة لنرى الخشب في أعيننا، بدل البحث عن القذى في أعين الغير؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة