على خطى الشقيقة الكبرى   
الخميس 2/4/1431 هـ - الموافق 18/3/2010 م (آخر تحديث) الساعة 21:35 (مكة المكرمة)، 18:35 (غرينتش)
توجان فيصل


إذا عرفنا ما كان للـ"بي بي سي" من أثر في كسب الحلفاء للحرب العالمية الثانية, فإن حتمية كسب حرب "الإصلاح والتغيير" التي تخوضها الشعوب العربية حاليا تبدو محسومة في ظل الانتشار المتفجر للشبكة العنكبوتية.

والحسم يتأكد أيضا لكون ما يجري التصادم معه هو بنية سياسية تنتمي إلى أكثر من قرن مضى, فمصر في مواجهة نظام سياسي يتكئ على دستور وضعه من تصور نفسه "فرعونا" لمصر. والأدهى أن ذلك الدستور جرى العبث به لتفصيله على مقاسات ضيقة تنم عن استمرار الفهم السياسي القاصر عن ولوج مرحلة "الدساتير" في الحكم, وهي مرحلة من بقي خارجها في القرن الحادي والعشرين هم مومياوات بانتظار الدفن.

"
إلى جانب مصر صعد الأردن مؤخرا لمرتبة متقدمة في المطالبة بالإصلاح والتغيير يعكسها احتدام المعركة بين وسائل الإعلام التقليدية المدجّنة والملحقة بالمكنة الإعلامية والسياسية الرسمية, وبين الإعلام الإلكتروني في كلا البلدين
"
تحتل مصر الآن الموقع الأول في المطالبة بالإصلاح والتغيير. ولكن غالبية الدول العربية وضعت على نفس الطريق, وإن بدرجات, من أكثرها تأزما اليمن. ومؤخرا صعد الأردن لمرتبة متقدمة يعكسها احتدام المعركة فيه بين وسائل الإعلام التقليدية المدجّنة والملحقة بدرجات بالمكنة الإعلامية والسياسية الرسمية, وبين الإعلام الإلكتروني.

وهنالك جامع آخر يقرب الحالة الأردنية من الحالة المصرية وهي أن معركة الإصلاح الدائرة في كليهما هي بالأساس معركة دستورية. فالقطرين يشتركان بأكثر من مجرد كونهما من الأقطار العربية التي بها دساتير, وذلك في كون الدستور الأردني كان أخذ أساسا من الدستور المصري للعام 1923 المستمد من الدستور البلجيكي الذي أصله بريطاني, ويأخذ "بالنظام البرلماني" في الحكم. أما الدستور المصري الحالي (الساداتي) فهو دستور هجين ابتداء يجمع النظام الرئاسي للبرلماني, وهذا قبل العبث به في التعديلات التي فصلته على مقاس شخوص بذاتهم. ولهذا فإن المصريين يتطلعون للعودة لدستور برلماني, الحكم فيه للشعب, ولكن بصيغة جمهورية عصرية.

وقد يبدو غريبا قولنا أن العودة لدستور برلماني هو ذات ما يتطلع إليه الشعب الأردني. فالحقيقة أن دستورنا لم يطبق منذ إقراره عام 1952 إلا لخمس سنوات. ففي العام 57 حُلّ البرلمان والحكومة البرلمانية المنتخبة, واقتيد معظم أعضائهما إلى السجن, وأعلنت الأحكام العرفية التي بقيت قائمة لخمس وثلاثين سنة.

وفي ظل الأحكام العرفية أدخلت على الدستور تعديلات غير دستورية شكلا وموضوعا. ولكن أخطر تعديلين فيما يتعلق بقيام مجلس النواب هما تعديلان أدخلا في العامين 1974 و1976 -بأخذ بصمة مجلس نواب حُل منذ سنوات استدعي ليوم واحد في إحدى المرتين ثم حُلّ ثانية- بما يتيح للحكومة حل البرلمان إلى أجل غير مسمى.

وعدم دستورية هذه التعديلات تستند, موضوعا, إلى كونها تناقض مواد أساسية في الدستور جعلته, حسب وصف المصريين لحال دستورهم الآن, "متناقض مع بعضه". ونكتفي -كعينة- ببيان تناقض تلك التعديلات مع المادة التي تحدد ماهية الحكم بأنه "نيابي ملكي وراثي", أي بتأكيد صريح على أن الحكم النيابي يأتي أولا, مما يجعل أي فعل أو نص يعطل الحياة النيابية غير دستوري ويمس ذات شرعية الحكم.

وقد كتبت في شأن عدم دستورية تغييب البرلمان بأية ذريعة مقالة بحثية نشرت في صحيفة "الميثاق" الأردنية في أكتوبر/تشرين الأول 1997. المقالة مرفقة بدستورنا عرضتهما على واحد من أكبر فقهاء الدستور في العالم العربي, وهو الدكتور أحمد كمال أبو المجد, الذي أكد لي دستورية ما توصلت إليه, واستعداده للشهادة بهذا الرأي كخبير في القضية التي طعنت فيها بدستورية حل المجلس لدى محكمة العدل العليا.

وبعد صدور حكم عجيب من المحكمة, كتب المحامي البارز الدكتور محمد الحموري مقالة بحثية أخرى ( نشرت في مجلة نقابة المحامين الأردنيين في ديسمبر/كانون الأول 1997 ولم يفند أحد ما جاء فيها كما لم يفند أحد من قبل ما جاء في مقالتي) يعارض فيها ما ذهب إليه قضاة العدل العليا, وأوجز ما خلصت له من أن حكم محكمة العدل العليا ذاك "يعطل مفعول عدد من النصوص الدستورية ويفرغها من مضمونها".

متسلحة بهاتين الشهادتين، أورد هنا مما يخص مقالتي وبإيجاز, ما يلزم لبيان عدم دستورية حل مجلس النواب لغير غايات إجراء انتخابات مبكرة خلال فترة أقصاها أربعة شهور. وأبدأ بالمادة الدستورية التي يستند إليها دائما قرار حل المجلس وهي المادة (34ـ3). وهنا لا بد من بيان أن هذه المادة تأتي في قسم عنوانه "الملك وحقوقه". وهذا القسم يتناول بالتفصيل ما يتعلّق بتولي العرش وانتقاله وتسلسل ولاية العهد والوصاية... إلخ. ولكنه في صلاحيات الملك يتناول فقط العناوين العامّة, ويأتي تفصيل هذه الصلاحيات وتطبيقها وحدودها في فصول لاحقة ومواد لاحقة.

فمثلاً, وخارج موضوع الحل, تنص المادة (31) من هذا الفصل على أن "الملك يصدّق على القوانين ويصدرها ...". إلاّ أن هذا, تماماً كحق حل مجلس النواب, ليس مطلقاً بمعنى أن للملك مطلق الحق في أن يصدّق على القوانين أو لا يصدّق, وإن لم يفعل لا يصدر القانون. فالمادة (93) تأتي لتفصّل آلية هذا التصديق, وتشرح كيفية إعادة القانون من الملك إلى السلطة التشريعية مشفوعاً ببيان أسباب عدم التصديق. وإذا ردّ الملك مشروع أي قانون خلال تلك المدة وأقرّه مجلسا الأعيان والنواب مرة ثانية وجب عندئذ إصداره.

وفي حالة عدم إعادة القانون مصدّقاً من الملك خلال المدة الدستورية يعتبر نافذ المفعول وبحكم المصدّق. وهذا مثال يوضح حقيقة وحدود الصلاحيات الواردة في عناوين عامة كصلاحيات للملك, مكيّفة حسب تفصيلات تطبيقها الواردة في فصول لاحقة تتحدث عن صلاحيات سلطات أخرى.

وعودة إلى المادة (34), وحق حل المجلس الوارد فيه. هذا الحق, أيضا, تأتي تفصيلاته في مواد أخرى من الدستور هما المادتان (73) و(74). والمادة (73) توفر "الحل" باعتباره إجراءً استثنائياً يطبق في ظروف استثنائية, كنشوء أزمة بسبب خلاف بين مجلس النواب والحكومة من شأن هام. فيتدخل الملك هنا بحل المجلس, لا في انحياز للحكومة, بل ليعيد الأمر إلى الشعب. وحياد الملك هذا أساسي كي يرأس السلطات الثلاث. ويبتُّ الشعب, عبر انتخابه لنواب يمثلون سياسات بعينها, بشأن الخلاف. أي أن حل مجلس النواب هو في الحقيقة آلية لإجراء "استفتاء شعبي" في دستورنا لا أكثر. فإذا أصرّ المجلس الجديد على ذات موقف المجلس السابق الذي تسبب في "الحل", فإنه لا يحلّ "بسبب" هذا الموقف لأنه ثبت أنه موقف الشعب. لهذا تأتي المادة التالية, المادة (74), لتنص على أنه "إذا حل مجلس النواب لسبب ما فلا يجوز حل المجلس الجديد للسبب نفسه".

"
الإرادة الملكية بحل مجلس النواب الأخير لم تتضمن السبب المشترط -ضمنا- في المادة 74 باعتبار أن منع التذرع بذات السبب ثانية لا يتم دون معرفته في الحالة الأولى
"
ومن أدلّة أن هذا الحل هو للعودة للشعب لمعرفة موقفه وليس لتغييب مجلس الشعب عن الساحة, ما تنص عليه الفقرة الأولى من المادة (73-1) من أنه "إذا حل مجلس النواب فيجب إجراء انتخاب عام بحيث يجتمع المجلس الجديد في دورة غير عادية بعد تاريخ الحل بأربعة أشهر على الأكثر وتعتبر هذه الدورة كالدورة العادية".

الإرادة الملكية بحل المجلس الأخير لم تتضمن السبب المشترط -ضمنا- في المادة 74 باعتبار أن منع التذرع بذات السبب ثانية لا يتم دون معرفته في الحالة الأولى. ولكننا نجد سبب حل المجلس الأخير في كتاب تكليف حكومة السيد سمير الرفاعي, وتحديدا في حديثه عن وجوب تصحيح الوضع بحيث تمارس السلطتان التشريعية والتنفيذية "صلاحيتهما الدستورية من دون تغوّل سلطة على أخرى, أو اللجوء إلى تفاهمات مصلحية تجعل من تحقيق المكتسبات الشخصية شرطا لاستقرار علاقة السلطتين".

معنى هذا أن الحل جرى لفساد المجلس السابق. وهو فساد نجم عن عدم سلامة إجراءات الانتخابات السابقة كما لعيوب دستورية وإجرائية في نصوص قانون الانتخاب المؤقت, جرى بيانها كلها في مرافعة مطولة(منشورة في كتاب) قدمها الدكتور الحمّوري باسم فريق من كبار محامي الأردن ونيابة عن وكلاء يمثلون كل فئات الشعب الأردني المتضررة من مجريات تلك الانتخابات. وهذه مرافعة هامة يفترض -منطقيا- أن يكون الملك اطلع عليها.

ويعزز اعتقادنا هذا قول الملك في كتاب التكليف ذاته : "وبعد أن صدرت إرادتنا بحل مجلس النواب تمهيدا لإجراء انتخابات نيابية جديدة تكون أنموذجا في النزاهة والحيادية والشفافية, فسيكون في مقدمة مهام حكومتكم اتخاذ جميع الخطوات اللازمة, بما في ذلك تعديل قانون الانتخاب وتحسين جميع إجراءات العملية الانتخابية... بحيث يتمكن كل الأردنيين من ممارسة حقهم في الانتخاب والترشح". وهذا يؤكد –ولا "يُنشىء" لأن الدستور وحده ينشىء الأحكام– ضرورة إجراء "انتخابات مبكرة" ضمن مهلة الأربعة شهور الدستورية الواردة في المادة 73 -1.

ولكن ما جرى هو غير هذا. بل إن وضعا دستوريا آخر استجد لكون حكومة الرفاعي لم تشرع لحينه في أي من إجراءات تعديل القانون وإجراء الانتخابات. وهو ما كان يجب عليها أن تفعله من تلقاء ذاتها وفاء بمهمتها الدستورية, ناهيك عن أن الملك كان قد طلب هذا من الحكومة السابقة يوم قام بحل مجلس النواب, بقوله: "أما وقد صدرت إرادتنا بإجراء الانتخابات النيابية بعد حل مجلس النواب، فإننا نكلف الحكومة البدء بشكل فوري بالإعداد لإجراء هذه الانتخابات". وهو ما تكرر في كتاب تكليف حكومة الرفاعي بوضع تلك الإجراءات "في مقدمة مهام" الحكومة الجديدة.

وعدم انتخاب مجلس نواب جديد بنهاية الأشهر الأربعة التي تلت الحل, أي بحلول يوم الرابع والعشرين من شهر مارس/آذار الجاري, يعني حسب المادة 73-2 من الدستور, أن "يستعيد المجلس المنحل كامل سلطاته الدستورية ويجتمع فورا وكأن الحل لم يكن ويستمر في أعماله إلى أن ينتخب المجلس الجديد". فالحكومة لم تستعمل حتى التعديل غير الدستوري للدستور وتزعم "وجود ظروف قاهرة يرى معها مجلس الوزراء أن إجراء الانتخاب أمر متعذر".

والحقيقة أنه ليس هنالك أي ظرف قاهر يعيق تعديل قانون انتخاب كل مثالبه معروفة, وتنظيم إجراءات انتخابية تجاوزاتها السابقة كلها معروفة. خاصة أن هذه الحكومة أقرت لحينه عدة قوانين مؤقتة خطيرة, وسربت أنها ستقر خمسة وثلاثين قانونا مؤقتا (أي بمعدل يتجاوز ثلاثة قوانين شهريا) رغم أن الدستور لا يسمح بإصدار قوانين مؤقتة إلا إذا طرأت "أمور تستوجب اتخاذ تدابير لا تقبل التأخير أو تستدعي صرف نفقات مستعجلة غير قابلة للتأجيل".

بهذا تكون الحكومة الحالية قدمت نفسها كنسخة أخرى من حكومة اعتبرت الأكثر قمعا وفسادا. وثنائي القمع والفساد هما ما دفعا الشعب المصري, جمل المحامل, إلى ما نراه الآن. فتلك الحكومة التي استدعت حكومتنا الحالية ذكراها, قامت بتغييب مجلس النواب لما يقارب السنتين لتصدر خلالهما ما يقارب المائتين وثلاثين قانونا مؤقتا جلها يصادر الحريات ويشرع للقمع أو يقونن الفساد ويحميه.

وكان مستحيلا أن لا تجري مقارنة بين الحكومتين لحظة تتبنى هذه الحكومة وسائل تلك, وأن تنكأ دمّلا ينمو منذ ما يقرب من العقد دون أن ينفجر في وجهها. ولا نعرف كيف تتوقع الحكومة الحالية أن يشاد بتصديها للفساد بناء على انتقائها لصفقة فساد واحدة معروف أنها في مشروع كان موضع تنازع بين شركة كان يديرها رئيس الوزراء الحالي وبين من أحيل لهم العطاء حينها. وما يقوله الشعب عن إعلان تغييب المجلس هذه المرة لسنة فقط, أن الأمر ليس لكون هذه الحكومة أخف وطأة من تلك, ولكنه الضغط الأميركي الذي لم يقبل إمهالها أكثر.

"
لتمرير تغييب مجلس النواب وتأجيل الانتخابات في الأردن فإن أغلب الصحافة الورقية جُندت لتجميل الإجراءات الحكومية كما تفعل شقيقتها الصحافة القومية في مصر, ويصل الأمر أحيانا لقلب الحقائق
"
ولتمرير كل هذا نجد أغلب الصحافة الورقية وقد جندت لتجميل الإجراءات الحكومية كما تفعل شقيقتها "الصحافة القومية" في مصر. ويصل الأمر أحيانا لقلب الحقائق. وبلغ الأمر أن اليومية الوحيدة التي كانت تسمى "مستقلة", يروج بعض كتابها وكاتباتها لـ"حق" السلطة التنفيذية في تغييب مجلس النواب وتأجيل الانتخابات. وتشيد حد التنزيه وزعم الإعجاز, بمجلس الأعيان (الشق المعين من السلطة التشريعية) الذي يخرق -بمجرد انعقاده بعد حل مجلس النواب- الدستور الذي أقسم الأعيان على الحفاظ عليه. وتعليقات القراء المفندة لهذه الأقوال, لا تنشر.

ولكن بالمقابل -وكما في مصر- فإن الصحافة الإلكترونية تفتح صفحاتها لمختلف التعليقات. وقد ساهم القراء في تطوير الصحف الإلكترونية بتصحيح أخطائها, بل ولجم التعليقات غير اللائقة التي تمر أحيانا. وهذا تحديدا ما جعل عددا من تلك المواقع تزاحم بل وتحتل مكان الصحف الورقية. وهو ما حدا ببعض اليوميات لقبول مهمة الهجمة الأخيرة على المواقع الإلكترونية, وفهم بوضوح أنها مقدمة لتدخل الدولة لتطويع تلك المواقع تماما كما في مصر, ودون اتعاظ بما آلت إليه الأوضاع لدى الشقيقة الكبرى.

قد يكون ما يجري على الساحة العربية أبعد من كل هذه التفاصيل. فقد يكون "التاريخ" هو الذي يتحرك بعد أن أكمل دورة تحتم الولوج في أخرى تالية, ونحن جميعا أدواته. ولكن ما لا يقبل الجدل هو أن ما هو قائم لم يعد قابلا للحياة بأية صورة, وتضخم ديناصوراته هو العنوان الأبرز ليس إلا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة