المدّ الفلسطيني والجزْر الإسرائيلي   
الأحد 1435/10/15 هـ - الموافق 10/8/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:21 (مكة المكرمة)، 13:21 (غرينتش)
عبد الستار قاسم


مظاهر الإنجاز الفلسطيني
تراجع إسرائيل
القادم أعظم

تأذن لنا الحرب الأخيرة بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل بالتحدث عن مرحلة مدّ فلسطينية مقابل مرحلة جزر إسرائيلية، فقد أقامت هذه الحرب معادلات جديدة للصراع العربي الإسرائيلي، وأبرزت معايير وعوامل متعددة تلعب أدوارا في إعادة صياغة نمط هذا الصراع وتشابكاته وعناصر القوة المتداخلة فيه.

ويبدو أننا دخلنا مرحلة كسر الأيدي لتحل محل مرحلة الاستعطاف واستدرار الرحمة، ودخلنا مرحلة الهجوم الفلسطيني بدل مرحلة الصمود الساكن، وأن الحرب تتطور نحو الأعمال العسكرية المتحركة بدل تلك الساكنة من الجانب الفلسطيني. أناقش العناوين التالية لتبيان هذا الأمر.

المد والجزر: وفقا لاستخلاصات الفكر السياسي، تمر الشعوب بمرحلتي المد والجزر، تتميز مرحلة المد بالنشاط والحيوية والقدرة على حشد الطاقات المختلفة وتحقيق الإنجازات في مختلف مجالات الحياة. ترتقي أخلاق الناس في هذه المرحلة، ويرتفع منسوب التماسك الاجتماعي، وتصبح الثقة هي عنوان العلاقات الاجتماعية بين الناس والعلاقات العامة عموما.

العلاقات القائمة على الثقة تولد العمل الجماعي والتعاون المتبادل، فيرتفع الإنتاج والعطاء، ويزداد منسوب الانتماء الوطني والرغبة في المشاركة في الحياة العامة. هنا يزداد المرء ثقة بنفسه، ويشعر بعزته وكرامته، ويتحول من القبول بالذل والإهانة إلى الإصرار على استمرار الرأس مرفوعا.

مرحلة الجزر على العكس من ذلك، إذ تتميز مشاعر الناس بالذل والضعة والهوان وبفوضوية المنظومة القيمية والانحطاط الأخلاقي والانتهازية.

استطاعت المقاومة الفلسطينية منذ عام 2003 أن تحقق إنجازات عسكرية وتقنية متواصلة ومتسارعة من أجل مراكمة القوة التي رأت المقاومة أنها السبيل الوحيد نحو ردع إسرائيل واستعادة الحقوق الوطنية

في مرحلة الجزر، يشعر الناس بالضعة والهوان، وتستمر أخلاقهم في الهبوط إلى أن تصبح العلاقات في ما بينهم قائمة على الريبة والشك، وعندها تتراجع قيم العمل الجماعي والتعاون المتبادل، ويتحول الناس إلى مجرد ذئاب يبحث كل واحد منهم عن مصالحه الخاصة ولو على حساب الآخرين والمصالح العامة، يتراجع الإنتاج في هذه المرحلة وتنحط النفوس إلى درجة كبيرة، بحيث تصبح أعمال السرقة واللصوصية والاختلاس دربا من دروب البطولة والفصاحة.

مظاهر الإنجاز الفلسطيني
استطاعت المقاومة الفلسطينية منذ عام 2003 أن تحقق إنجازات عسكرية وتقنية متواصلة ومتسارعة من أجل مراكمة القوة التي رأت المقاومة أنها السبيل الوحيد نحو ردع إسرائيل واستعادة الحقوق الوطنية.

ومن الواضح أن المقاومة قفزت قفزات تقنية وعسكرية واسعة جدا منذ حرب عام 2012، وقد كان في هذه القفزات ما أذهل العدو والصديق وفاجأ الجميع. وبالإمكان تعداد الإنجازات في التالي:

1- التطور الإنجازي الأكبر يتمثل في تطور العقلية العلمية لدى المقاومة الفلسطينية، واعتمادها على البحث العلمي والدراسة والتدقيق. اعتمد العرب -ومن بينهم الفلسطينيون- على مدى سنوات على عقلية "الفهلوة" والارتجال والتخبط والقيادة الفردية، وفشلوا في أغلب جهودهم سواء في مواجهة التحديات الخارجية أو الداخلية.

في التجربة الغزية الحالية، هناك مراكز بحث علمي وتفكير مستمر في ما يمكن أن تطوره المقاومة من أجل أن تكون قادرة على المواجهة العسكرية. استفادت المقاومة في عملية البحث في ما يتعلق بتطوير الصواريخ من خبرة حزب الله وسوريا وإيران، لكنها عقدت العزم على نقل التجربة وتطويرها بما يتلاءم مع الظروف الفلسطينية في غزة.

دول كثيرة لم تستطع تصنيع الصواريخ، في حين أن المقاومة الفلسطينية حققت معجزة، لأن قطاع غزة محاصر بصورة خانقة والموارد ضئيلة جدا والمواد الخام غير متوفرة، لكن الإرادة الفلسطينية كانت فوق التحدي وأنتجت ما يلزم. والشعب الفلسطيني لا ينكر أيضا مساعدة الآخرين مثل السودان والرئيس المصري محمد مرسي.

2- طورت المقاومة الفلسطينية عقلية أمنية جديدة، بحيث إنها حاربت الاختراقات الإسرائيلية للصفوف الفلسطينية وقضت على العديد من الجواسيس والعملاء الذين كانوا يزودون إسرائيل بالمعلومات.

كانت تتمتع إسرائيل بمصادر معلوماتية دقيقة، واخترقت المؤسسات والفصائل الفلسطينية والأحزاب، وكانت تشن حروبها وهي على وعي تام بالأهداف ومعرفة دقيقة أين تضرب وكيف، لكنها هذه المرة اضطرت أن تخوض حربا شبه عمياء. استطاعت المقاومة أن تخفي أسرارها، وأن تحصن نفسها أمنيا، فأربكت إسرائيل التي تاهت في البحث عن أهداف عسكرية وركزت جهودها على قتل المدنيين وتدمير بيوتهم.

3- تطورت المقاومة الفلسطينية إعلاميا وباتت تخاطب العالم بلغة متزنة خالية من "الفهلوة" والارتجالية والبيانات الكاذبة. ظهر ناطقون إعلاميون فلسطينيون باسم المقاومة وكلماتهم معدة بدقة وبقدر إمكانياتهم وقدراتهم.

لم "يتعبط" الإعلاميون كلاما أكبر من أفواههم ولم يحملوا عصيا أطول من قاماتهم. كانوا دقيقين في بياناتهم، ولم يحاولوا صناعة الأوهام فوثق الجمهور الفلسطيني في كلامهم، وحتى أن الإسرائيلي بات يثق في بيانات المقاومة أكثر مما يثق في تصريحات وخطابات رئيس وزرائه. ومثلما حصل في الحرب على جنوب لبنان، أيقن الإسرائيلي أن قيادته تكذب، وأن الخصم هو الذي يقول الحقيقة. ومثلما أصبح نصر الله مرجعية إعلامية، أصبح أبو عبيدة كذلك.

4- حققت المقاومة الفلسطينية في هذه الحرب أسمى معاني التعاون وتوزيع الأدوار، لم يعد هناك من يستأثر بالساحة ويحاول إبراز دوره على حساب أدوار الآخرين. في هذه الحرب، عملت الفصائل كلها كمنظومة متكاملة تعمل معا وفق أدوار متفق عليها مسبقا، وكانت بذلك قادرة على مخاطبة العالم بلغة موحدة.

دول كثيرة لم تستطع تصنيع الصواريخ، في حين أن المقاومة الفلسطينية حققت معجزة لأن قطاع غزة محاصر بصورة خانقة والموارد ضئيلة جدا والمواد الخام غير متوفرة، لكن الإرادة الفلسطينية كانت فوق التحدي وأنتجت ما يلزم

5- لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني يتم الحديث عن هدنة بينما إطلاق النار مستمر. قبل وقت بداية الهدنة بخمس دقائق فقط كانت صواريخ المقاومة تنزل على الصهاينة، وخلال الهدنة بقيت الأصابع على الزناد.

وعندما تعثرت المفاوضات طلبت المقاومة من الوفد الفلسطيني المفاوض في القاهرة أن يتوقف ساعة انتهاء الهدنة ويعود إلى فلسطين. تحدثت المقاومة بقوة أثناء الهدنة ورفضت أن تلين أو أن تخفف من طلباتها، وهذا مشهد لم يعهده العالم عن العرب.

6- تبنت المقاومة "تكتيكا" عسكريا شبيها "بتكتيك" حزب الله عام 2006، وذلك بتحييد الأسلحة الفتاكة بوساطة الأنفاق. حفرت المقاومة الأنفاق لكي تمتص ضربات الطيران وتشل مفعوله الحربي. قوة إسرائيل الجوية معروفة ولا ينكرها أحد، لكن الطيران لم يستطع أن ينال من المقاتلين أو من مخازن السلاح. غزة تم تحصينها جيدا من ناحية العملاء ومن ناحية ضربات الطيران. وقد اجتهدت المقاومة في تحسين مخزونها من الأسلحة المضادة للدبابات والمدرعات، وبثت الخوف في صفوف القوات البرية الإسرائيلية التي لم تستطع أن تتوغل في غزة واضطرت إلى الانسحاب من هوامش غزة.

7- حارب الفلسطيني ببسالة منقطعة النظير، وأظهر التدريب الراقي الذي أعدته له المقاومة. لقد عرفت إسرائيل أن هناك جنديا عربيا جديدا مسلحا بتدريب مهني احترافي ومتمتعا بوعي عميق وإرادة صلبة وإيمان قوي لا يتزعزع، وأدركت أنها تحارب من يعشقون الموت من أجل الحياة، من أجل أن يحيا شعب فلسطين.

8- أتقنت المقاومة فن دبلوماسية الحرب. لم تظهر المقاومة عجزا أو ضعفا، ولم تذهب جريا إلى مجلس الأمن أو المؤسسات الدولية لإيقاف العدوان الإسرائيلي، وبقيت على موقف التحدي الصلب على الرغم من محاولات عدد من الأنظمة العربية هزّ أعصاب المقاومة. لم تعرف المقاومة لغة الاستجداء أو الاسترحام على الرغم من الخسائر الكبيرة في صفوف المدنيين وفي العمران.

تراجع إسرائيل
لم تظهر إسرائيل في هذه الحرب كما كانت تظهر في السابق، وذلك وفق النقاط التالية:

1- لم تستطع إسرائيل حتى الآن تحديد أهداف الحرب. بدأت بهدف عبر عنه نتنياهو وهو تحقيق الأمن للإسرائيليين، وانتهى عند سريان التهدئة بهدف خيالي وهو نزع سلاح المقاومة. تخبطت إسرائيل في الحديث عن الأهداف كما تخبطت عام 2006 وعام 2008. وهذا مؤشر على ضعف القيادة السياسية وغموض الرؤية لديها.

2- خاضت إسرائيل هذه المرة حربا عمياء بسبب ضعف وقلة المعلومات لديها. لم تكن إسرائيل تعلم حجم الأنفاق ولا متاهاتها وعمقها وقدرتها على تحمل القصف، ولم تكن تعلم كميات السلاح المتوفرة في المخازن، ولم تكن تعلم أماكن تخزين السلاح.

بنك معلوماتها عن المواقع العسكرية للمقاومة وتسليحها كان فقيرا جدا، ولهذا تخبطت في الحرب وعجزت عن ضرب الأهداف التي يمكن أن تؤثر على قوة المقاومة وقدرتها على الرد. لقد هدمت بيوتا كثيرة وقتلت حوالي ألفي مدني، لكن نتائج الحروب لا تقاس بالخسائر وإنما بتحقيق الأهداف.

3- ظهر السياسيون الإسرائيليون -خاصة نتنياهو- على الشاشات وهو في وضع عبوس ومعنويات منخفضة جدا. لم يكن نتنياهو قادرا على إصدار عبارات التحدي، وكان على غير عادته يميل إلى الترهل والبحث عن سبيل لوقف القتال. لم يكن رئيس وزراء إسرائيل متزنا أو متفائلا في أنه سيحقق شيئا، وسرعان ما وافق على المبادرة المصرية لوقف القتال.

4- اعتاد العالم أن يبحث العرب عن وقف لإطلاق النار، وعلى إسرائيل الاستمرار في القتال بهدف تحقيق إنجازات عسكرية تمكنها من طاولة المفاوضات إن حصلت. لكن الوضع اختلف هذه المرة فسارعت إسرائيل إلى القبول بوقف إطلاق النار، وهي تعي تماما أنها لم تنجز شيئا يجعل يدها هي العليا، لقد قبلت واليد الفلسطينية هي العليا.

خاضت إسرائيل هذه المرة حربا عمياء بسبب ضعف وقلة المعلومات لديها، لم تكن تعلم حجم الأنفاق ولا متاهاتها وعمقها وقدرتها على تحمل القصف، ولم تكن تعلم كميات السلاح المتوفرة ولا أماكن تخزينه

وعندما نقول ذلك لا يعني أننا نبالغ بالقدرات العسكرية الفلسطينية، وإنما نعني أن الفلسطينيين أصبحوا قادرين على جر إسرائيل إلى الحرب وتوريطها وإلحاق الخسائر الجسيمة بصفوف جيشها، هذه المرة لم تتحكم إسرائيل بكيفية الخروج من الحرب ومتى، وبقي الأمر بيد المقاومة الفلسطينية.

5- لا إسرائيل ولا الولايات المتحدة كانتا تقبلان في السابق وقف إطلاق النار دون التأكد من هزيمة العرب، ولم تكن تسارع الولايات المتحدة إلى مجلس الأمن طلبا لوقف القتال إلا بعد التأكد من أن إسرائيل قد حققت إنجازات عسكرية على الأرض تؤدي إلى خضوع العرب. هذه المرة طلبت إسرائيل وقف القتال، ودفعت أميركا أنظمة عربية للتوسط لدى المقاومة لوقف القتال. شيء جديد في أن أميركا تتوسط من أجل وقف الحرب.

6- خاب الإعلام الإسرائيلي هذه المرة في أمرين، وهما: عدم قدرته على خداع الرأي العام العالمي، وعدم ثقته في القيادة السياسية الإسرائيلية. حاول الإعلام أن يفلت من مأزقه بترديد ما يقوله السياسيون فقط، لكن الصور التي خرجت للعالم حول المجازر في غزة كانت أقوى من كل الكذب والتضليل.

القادم أعظم
بناء على هذا، كيف ستكون حرب عام 2017؟ هل سيحمل الصاروخ الفلسطيني نصف طن من المتفجرات؟ وهل ستحصل المقاومة على مضادات للطائرات؟ هل ستصل الأنفاق الفلسطينية إلى عمق الأرض المحتلة عام 48، ويقوم المقاومون بالسيطرة على مستوطنات في جنوب فلسطين؟

من سيبقى في إسرائيل من الميسورين حتى ذلك التاريخ؟ ألن يهاجروا؟ وماذا عن التصنيع البحري والغواصات الفلسطينية؟ وماذا عن مدى الصواريخ المضادة للدروع؟ هل ستجرؤ الدبابات الإسرائيلية على الاقتراب من حدود غزة؟ وهل ستتعلم الضفة الغربية شيئا من هذه الدروس؟

المقاومة ستفرض نفسها كما يفرض المنتصرون أنفسهم وأفكارهم. لا مفر، ستتعرض الضفة الغربية لتحولات سياسية وثقافية وفكرية وأمنية كثيرة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة