موريتانيا وإسرائيل.. ماذا وراء الربوة؟   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم/ محمد بن المختار الشنقيطي*

- جوهانسبيرغ ومسار التطبيع الموريتاني
- تطبيع مستغرب ومبررات أغرب
- الحاجة الإسرائيلية لمحامي الشيطان
- ما رواء الربوة.. ولد الطايع وسياسة الاحتماء

جوهانسبيرغ ومسار التطبيع الموريتاني

يعرف عن الرئيس الموريتاني معاوية ولد سيدي أحمد الطايع أنه رجل قليل الأسفار إلى الخارج.. وقد غاب عن أغلب القمم العربية والإفريقية –إن لم يكن كلها– بسبب عزوفه عن الأسفار، والسر في هذا العزوف هو اعتبار أمني بالأساس، فقد أطاح معاوية بزميل حياته الرئيس السابق محمد خونا يوم 12/12/1984 حينما كان محمد خونا مسافرا لحضور القمة الفرنكفونية، فهو لا يريد أن يتجرع الكأس التي تجرعها زميله، فلماذا سافر الرئيس الموريتاني هذا السفر الطويل غير المعتاد إلى "جوهانسبيرغ"؟ أهو حرص منه على بقاء حرارة كوكبنا الأرضي في حدود مقبولة؟ ليس هذا الأمر من أولويات سياسته المعهودة.

أسئلة كثيرة أثارها حضور الرئيس الموريتاني قمة الأرض في جوهانسبيرغ، ثم جاء الجواب عليها من إسرائيل بعيدا عن أجواء القمة. فقد حملت وكالات الأنباء إلينا خبرا مفاده أن الرئيس الموريتاني "التقى وزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز يوم 5/9/2002 على هامش قمة الأرض في جوهانسبيرغ".

لا يبدو الأمر لأول وهلة مثيرا للريبة، فزيارات المجاملات على هامش القمم العالمية أمر معهود.. لكن العارف بالنظام الموريتاني الحالي بنية وأداء وعلائق.. لا يمكن أن يمر بعينيه على هذا الخبر دون ارتياب، فلم يكن الرئيس معاوية ليتجشم وعثاء السفر من شمال القارة السمراء إلى جنوبها حرصا على خفض حرارة الكرة الأرضية، ولا لمجرد لقاءات مجاملة على هامش القمة، وإنما وراء الربوة ما وراءها من أمور تحتاج إلى استجلاء، أقلها أن العلاقات بين إسرائيل والقيادة الموريتانية دخلت طورا إستراتيجيا لم يعد السفراء والوزراء الموريتانيون قادرين على أن ينوؤوا بحمله.

وفي هذا التحليل نحاول أن نتطلع إلى ما وراء الربوة ونبحث في الدوافع والخلفيات لفهم مدلول تلك العلاقات الغريبة، وتطورها في الزمان، والمكاسب التي تحاول كل من إسرائيل والقيادة الموريتانية جنيها من ورائها.

محطات التطبيع
بدأت الاتصالات بين موريتانيا وإسرائيل نهاية التسعينيات في ظروف خاصة بدأ فيها الرئيس الموريتاني يفقد الثقة في أصدقائه التقليديين من الفرنسيين ويتطلع إلى حماة جدد.


  • جاءت الخطوات الموريتانية في أسوأ وقت للقضية الفلسطينية، وفي ظل أسوأ حكومة يمينية حكمت الدولة العبرية
    وقد تولى مهمة الاتصالات السرية سفير موريتانيا في الأردن محمد سالم ولد الأكحل، وهو رجل ثقة من الدائرة الحاكمة، تقلد عدة وزارات أبرزها الخارجية قبل ذلك. ويذكر البعض إسهام وزير الخارجية الموريتاني الحالي "الداه ولد عبدي" -الذي كان سفير موريتانيا لدى فرنسا يومذاك- في تلك الاتصالات السرية. وقد فوجئ الموريتانيون والعالم بافتتاح مكاتب اتصالات في نواكشوط وتل أبيب دون مقدمات ظاهرة.
  • ثم زاد العجب حينما أعلن في واشنطن في شهر أكتوبر/ تشرين الأول 1999 عن إقامة علاقات دبلوماسية على مستوى السفراء بين موريتانيا وإسرائيل، وأشرفت وزيرة الخارجية الأميركية يومها "مادلين أولبرايت" على توقيع الاتفاق واعدة بأن ذلك "سيعود بثمرات طيبة على الشعب الموريتاني".. وهو وعد خالف على أية حال.
  • معاوية ولد سيدي أحمد الطايع
    شمعون بيريز
    ثم تكشف أن إسرائيل مولت مشروعا صغيرا لحماية النخيل في إحدى مدن الشمال الموريتاني تحت غطاء برنامج الأمم المتحدة لمكافحة التصحر وبالتعاون مع رجل أعمال تربطه صلة قرابة بالرئيس معاوية، وقد تضمن المشروع زراعة نخيل إسرائيلي في القصر الرئاسي الجديد بنواكشوط كما صرح بذلك أحد العاملين بالمشروع فيما بعد. وتشير لائحة المؤسسات الإسرائيلية المشاركة في المشروع –ومن ضمنها معهد "بيريز" للسلام- إلى أنه لم يكن مشروعا زراعيا بريئا، بل كان جهدا سياسيا في طريق التطبيع الشامل.
  • ثم زار العاصمة الموريتانية نواكشوط وفد طبي إسرائيلي يتألف من الطبيب "إيريت روزمبلات" والطبيبة "آنات روبنسون" يوم 11/7/1999 لإجراء عمليات لعيون بعض المرضى الموريتانيين، وقد روجت وسائل الإعلام الإسرائيلية لهذه الزيارة كثيرا، لكنها نسيت أن تشير إلى قصة أحد الشباب الموريتانيين العاملين في المخبر بالمستشفى الوطني بالعاصمة نواكشوط الذي صفع الطبيب الإسرائيلي "روزمبلات" على الوجه غضبا من وجوده في موريتانيا.
  • كما زار وفد من الكنيست الإسرائيلي موريتانيا في شهر أبريل/نيسان 2000 وضم الوفد أعضاء الكنيست: نعومي شازان من حزب "ميرتس"، وماكسيم ليفي من كتلة "إسرائيل واحدة"، وجيدون عزرا من حزب "الليكود"، وهاشم محاميد من حزب "اللائحة العربية الموحدة". واستقبل الرئيس الموريتاني وفد الكنيست الإسرائيلي في قصره، كما تم تأسيس جمعية للصداقة الموريتانية الإسرائيلية في نهاية الزيارة (جيروزالم بوست 11/4/2000).

تطبيع مستغرب ومبررات أغرب


تطورت العلاقات الموريتانية الإسرائيلية فجأة ودون مقدمات، واستحالت تطبيعا شاملا في وقت قياسي لم تكن له سابقة في العلاقات العربية الإسرائيلية، فقد اعتادت القيادات العربية المطبعة التمهل والتستر حفاظا على ماء وجهها، لكن القيادة الموريتانية سلكت سبيلا مغايرا تماما
لقد أثارت العلاقات الموريتانية الإسرائيلية استغرابا كبيرا من الجميع شمل الداخل الموريتاني والخارج العربي، واستوى فيه دعاة التطبيع الشامل والمتمسكون بالمقاومة حتى النهاية. ولم يكن هذا الاستغراب مستغربا للأسباب الآتية:

  • ليست موريتانيا دولة من دول الطوق ولا حتى من دول "الشرق الأوسط" التي قد تتخذ من ضرورات الجغرافيا السياسية ذريعة إلى نوع ما من التعاطي مع الدولة اليهودية، بل هي دولة نائية المكان يمكن أن تعيش كل تاريخها خارج نطاق المحور الشرق أوسطي وتعقيداته.
  • ولم تبدأ القيادة الموريتانية علاقاتها مع إسرائيل في وقت يسمح بالحفاظ على ماء الوجه كما فعلت بعض الدول العربية بعد مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو بدعوى أن الحكومة الإسرائيلية آنذاك "حكومة سلام"، بل جاءت الخطوات الموريتانية في أسوأ وقت للقضية الفلسطينية، وفي ظل أسوأ حكومة يمينية حكمت الدولة العبرية.
  • بدأت القيادة الموريتانية مسيرتها في التودد إلى إسرائيل في وقت كانت فيه العلاقات بين إسرائيل والدول العربية المطبعة تسوء يوما بعد يوم، إضافة إلى الواقع الفلسطيني المأساوي، فكانت الخطوات الموريتانية معاكسة لكل تفكير منطقي ينظر إلى عموم الوضع الفلسطيني والعربي في مجمله.
  • تطورت العلاقات الموريتانية الإسرائيلية فجأة ودون مقدمات واستحالت تطبيعا شاملا في وقت قياسي لم تكن له سابقة في العلاقات العربية الإسرائيلية، فقد اعتادت القيادات العربية المطبعة التمهل والتستر حفاظا على ماء وجهها أمام شعوبها الرافضة للتطبيع، لكن القيادة الموريتانية سلكت سبيلا مغايرا تماما.

لهذه الأسباب مجتمعة لم يكن من المستغرب أن يستغرب الجميع خطوة القيادة الموريتانية، وأن تثير سخط الجميع بمن فيهم من لا يمكن اتهامهم بمعاداة التطبيع أو تشجيع المقاومة.

تبريرات محيرة
درجت القيادة الموريتانية على تقديم مبررات لعلاقاتها مع إسرائيل أقل ما يقال فيها إنها غير مقنعة للمطلعين على الواقع الموريتاني.


  • ادعت حكومة نواكشوط أن "المصالح العليا" للشعب الموريتاني هي التي فرضت هذا السلوك، وهو الشعب الذي عبر بكل وسائل التعبير المتاحة عن سخطه واشمئزازه من تلك العلاقات ونزل إلى الشارع بكافة قواه السياسية والاجتماعية وتحمل الجراح والسجون والتعذيب في رفضها
    فقد ادعت القيادة الموريتانية أن الدافع إلى إقامة علاقات مع إسرائيل هو خدمة الفلسطينيين عبر فتح قنوات التأثير في الدولة اليهودية.. والواقع يشهد أنها جرحت مشاعر الفلسطينيين أكثر من مرة وهي تتفاخر بمد اليد لشارون في أوج مذابحه لهم، حتى طالب بعضهم بسحب عضوية موريتانيا من جامعة الدول العربية.
  • وادعت أن الأمر لا يعدو أن يكون تطبيقا لروح أوسلو ومؤتمر مدريد وما تضمناه من التزام ضمني من الدول العربية بالانخراط في مسيرة التطبيع.. وهذه دعوى لا تقوم في ظل حكم اليمين الإسرائيلي الذي لا يعترف بمرجعية أوسلو ولا مدريد (وقد أعلن شارون مؤخرا إلغاء هذه الاتفاقات).
  • وادعت أن "المصالح العليا" للشعب الموريتاني هي التي فرضت هذا السلوك، وهو الشعب الذي عبر بكل وسائل التعبير المتاحة عن سخطه واشمئزازه من تلك العلاقات ونزل إلى الشارع بكافة قواه السياسية والاجتماعية وتحمل الجراح والسجون والتعذيب في رفضها.

وإذا كانت هذه التبريرات تزيد التساؤل والريبة أكثر من كونها تقيم إجابة شافية، فما هو الدافع وراء العلاقات الموريتانية الإسرائيلية؟ لننظر أولا في الأهداف المعلنة قبل أن نبحث فيما وراء الربوة.

الحاجة الإسرائيلية لمحامي الشيطان

إن الطريقة التي يتعامل بها الإسرائيليون مع القيادة الموريتانية تدل على أن أحد الأهداف الظاهرة لعلاقتهم بها هو هدف إعلامي رمزي بالأساس. ففي الوقت الذي تراجع فيه الحماس للتطبيع الذي أعقب مدريد وأوسلو وبدأت الدول العربية المطبعة تنأى بنفسها عن حكومة "نتنياهو" و"شارون" اليمينيتين.. وجدت إسرائيل في العلاقات مع موريتانيا أمرا رمزيا مهما تعوض به جزئيا بعض الخسارة الإعلامية وتظهر أن التطبيع يسير قدما رغم كل شيء.


الطريقة التي يتعامل بها الإسرائيليون مع القيادة الموريتانية تدل على أن أحد الأهداف الظاهرة لعلاقتهم بها هو هدف إعلامي رمزي بالأساس
وبما أن علاقة إسرائيل بالقيادة الموريتانية لن تفيد إسرائيل عسكريا ولا سياسيا، فقد رضيت إسرائيل من القيادة الموريتانية القيام بدور "محامي الشيطان" أو ما يدعوه الفرنسيون avocat du diable، فكلما اشتد الحصار الدبلوماسي على إسرائيل بسبب فظائعها المتكررة، بادرت القيادة الموريتانية –في اتفاق مسبق على ما يبدو- إلى النجدة في محاولة رمزية لكسر الطوق الدبلوماسي عن "الصديقة المحاصَرة"، وقد تكررت هذه الظاهرة أكثر من مرة، ومنها:

  • زيارة رئيس الوزراء الموريتاني لإسرائيل فور نجاح نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية ووسط موجة السخط العربي على ذلك النجاح.
  • زيارة وزير الخارجية الموريتاني لإسرائيل في أوج الانتفاضة الأخيرة وغزو المدن الفلسطينية بعد قرار الدول العربية المطبعة تجميد الاتصالات بالدولة العبرية.
  • حضور السفير الموريتاني في "تل أبيب" الاحتفال السنوي بعيد "استقلال" إسرائيل في مايو/أيار الماضي في أوج مذبحة "جنين" -في الوقت الذي قاطعه سفيرا الأردن ومصر– وتصريحه بأن العلاقات الموريتانية الإسرائيلية لم تتأثر بـ"الأحداث الجارية" (يعني مذابح جنين ورام الله).
  • وأخيرا لقاء الرئيس الموريتاني مع "بيريز"، وهو اللقاء الذي جاء متزامنا مع إعلان "شارون" إلغاء كل الاتفاقات مع الفلسطينيين بما فيها اتفاقات أوسلو.

وكثيرا ما تستغل إسرائيل وأنصارها الدلالة الرمزية لهذه المبادرات فتشيد بموريتانيا "الدولة العربية الإسلامية الراغبة في السلام" كما وصفها الرئيس الإسرائيلي موشيه كتساف، ومن قبل أشادت "مادلين أولبرايت" في حفل إقامة العلاقات بين موريتانيا وإسرائيل في واشنطن بـ"عمق الالتزام بالدين الإسلامي لدى الدولة الموريتانية".

ومن يدري، فربما يتحول الرئيس الموريتاني يوما إلى "فقيه" يحرر الفتاوى بوجوب التطبيع ويقدم له المسوغات الشرعية على مذهب سفير أوزبكستان في تل أبيب الذي صرح لإحدى المنظمات الإسرائيلية يوم 18/10/1999 قائلا "نحن الأوزبك مغتبطون بعودة الشعب اليهودي إلى أرض إسرائيل بعد ألفي عام من التيه مصداقا للنبوءات الواردة في التوراة وفي القرآن"!!.. إن دور "محامي الشيطان" دور مفتوح.

ما رواء الربوة.. ولد الطايع وسياسة الاحتماء

أما في الجانب الموريتاني فيبدو من الأهداف الظاهرة للعلاقات مع إسرائيل نوع من "إستراتيجية الاحتماء" التي يلجأ إليها حكام العالم الثالث الفاقدون للشرعية السياسية.

الاحتماء من فرنسا
وقد جاء قرار القيادة الموريتانية في ظروف خاصة ناتجة عن أحداث خاصة، فقد اعتقلت فرنسا في يونيو/حزيران 1999 أحد الضباط المقربين من الرئيس الموريتاني وهو النقيب "علي ولد الداه" بتهمة تعذيب السجناء السياسيين، فأثار ذلك غضبا ورعبا غير مسبوق في أوساط القيادة الموريتانية نظرا لإمكان امتداد الحريق إلى مناطق أبعد داخل الدائرة الحاكمة، فردت السلطة الموريتانية بقرارات غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الموريتانية الفرنسية إذ طردت الخبراء العسكريين الفرنسيين من موريتانيا، وفرضت تأشيرة دخول على جميع الفرنسيين الذين ينوون دخولها. ولم يكن للموريتانيين -الذين اكتووا بنار التبعية لفرنسا عقودا مديدة- إلا أن يفرحوا بهذه القرارات الجريئة.

لكن الخوف من الانكشاف أمام فرنسا دفع القيادة الموريتانية للهروب إلى الأمام، فكانت العلاقات المفاجئة مع إسرائيل التي تهدف –حسب الظاهر– إلى مجرد تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة بأقصر طريق، وهي كسب اللوبي اليهودي في الإدارة الأميركية والكونغرس ليكون ذلك تعويضا للدعم السياسي الفرنسي.. هذا ما توحي به المظاهر، لكن ذلك ليس كل شيء.

ماذا وراء الربوة؟
ليست العلاقات مع موريتانيا -الدولة الصغيرة البعيدة عن محور الصراع- بالتي تستحق كثيرا في رأي الإسرائيليين، ولا من شروط حسن العلاقة بأميركا أن ترتبط موريتانيا بعلاقات مع إسرائيل:

  • فالتنافس بين فرنسا وأميركا في القارة الأفريقية على أشده، ولم تكن أميركا لتوصد الباب أمام القيادة الموريتانية الساخطة على حماتها القدامى وهي تتطلع إلى وراثة النفوذ الفرنسي في كل القارة الأفريقية.
  • وإذا أضفنا إلى ذلك بوادر وجود ثروة نفطية في الأرض الموريتانية، تأكد لنا أن أميركا ليست بحاجة إلى انخراط موريتانيا في دورة التطبيع من أجل تحسين العلاقة بها.

الذي يبدو لنا أن الأهداف الخفية للعلاقات الموريتانية الإسرائيلية أهم من الأهداف المعلنة بكثير، وأن هذه الأهداف هي الموجه الرئيسي لمسار العلاقات. ورغم شح المعطيات عن هذه الأهداف الخفية، فإن تسربا لبعض أوجهها من حين لآخر يعين على استنباط ما وراءه.. فمن هذه الأهداف:


  • هل يقوم الرئيس الموريتاني في منطقة المغرب العربي وشمال أفريقيا بالدور الذي قام به الرئيس الإريتري في القرن الأفريقي؟ وهل من منتبه إلى هذه العلاقة التي يبدو باطنها أهم من ظاهرها بكثير؟!
    حصول القيادة الموريتانية على الخبرة الأمنية والاستخبارية الإسرائيلية التي قد تعينها في سياسة البقاء بعد انهيار ثقتها في فرنسا في هذا المجال. وقد بدأ تسريب معلومات عن تعاون من هذا القبيل منها ما نسبته صحيفة "النهار" اللبنانية لمصدر دبلوماسي أوروبي يوم 12/3/2001 من قول: إن إقالة بعض الضباط الموريتانيين من مناصبهم في الفترة نفسها كان بناء على "نصيحة" قدمها جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي "الموساد" للرئيس معاوية. وأضافت الصحيفة أن للموساد عدة مكاتب في موريتانيا وأن 100 من "الخبراء" الإسرائيليين يوجدون في موريتانيا.
  • حصول القيادة الموريتانية على بعض السيولة النقدية من إسرائيل مقابل بعض "الخدمات" المحددة، فقد نسبت صحيفة "الأحداث" المغربية إلى "مصادر مطلعة" يوم 26/1/1999 قولها إن اتفاقا أبرم بين القيادة الموريتانية وإسرائيل تتخذ إسرائيل بموجبه من الصحراء الموريتانية الفسيحة مدفنا لنفاياتها النووية التي لا تريد أن تؤذي بها شعبها مقابل بضعة ملايين من الدولارات. وأشارت الصحيفة إلى أن "طائرات مجهولة الهوية" حطت في مطار "تجكجة" الموريتاني في بداية تنفيذ الاتفاق المذكور. ولا شيء ينفي تلك الأخبار –رغم إنكار السلطة الموريتانية- ولا يمكن استبعادها من السياق الحالي للعلاقات.
  • إدراج إسرائيل ضمن لائحة الزبناء الموريتانيين في مجال التبادل التجاري وفي مجال التدريب والتكوين، وقد ذكرت صحيفة "جيروزالم بوست" الصادرة يوم 11/4/2000 أن "شحنة من السمك الموريتاني تم شحنها إلى إسرائيل الأسبوع الماضي بواسطة شركة إيطالية"، وأضافت أن "موريتانيا مهتمة.. بإرسال مزيد من الطلاب [الموريتانيين] للدراسة في إسرائيل".
  • وأخيرا أشار بعض الخبراء العسكريين إلى أن الصحراء الموريتانية الفسيحة حقل مثالي لتجارب الصواريخ الإسرائيلية التي تضيق بها أرض فلسطين، فلا شيء يمنع من استخدام الصحراء الموريتانية لهذا الغرض، مع سقوط التحفظ بين القيادة الموريتانية وإسرائيل واكتساب العلاقة بينهما طابع المجاهرة الكاملة.

فهل يقوم الرئيس معاوية في منطقة المغرب العربي وشمال إفريقيا بالدور نفسه الذي قام به "أسياس أفورقي" في القرن الأفريقي؟ وهل من منتبه إلى هذه العلاقة التي يبدو باطنها أهم من ظاهرها بكثير؟!.
_______________
* كاتب موريتاني مقيم بالولايات المتحدة

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة