ظاهر شاه والسيناريو الأميركي لما بعد طالبان   
الأحد 19/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


لواء ركن/ حسام سويلم*

-الملك ظاهر شاه والدور الأميركي

-العقبات الداخلية والخارجية أمام عودة ظاهر شاه المحتملة

-مستقبل طالبان بين التهميش والتحطيم

-التجارب الأميركية.. وفشل الاعتماد على العملاء الحاكمين

بات من المؤكد لدى المراقبين أن واشنطن وحلفاءها يهيئون لعودة الملك الأفغاني المخلوع ظاهر شاه للحكم في أفغانستان بعد التدمير المفترض لحكومة طالبان، إذ يعتبر مستقبل أفغانستان في مرحلة ما بعد تحطيم هذه الحركة أكبر الهواجس التي تقلق الإدارة الأميركية في إدارتها للحرب الحالية، لارتباط ذلك بسعيها لتحقيق أهدافها السياسية والإستراتيجية من هذه الحرب على المستويين الإقليمي والدولي.. وإذا كان القضاء على الإرهاب المتمثل في الرؤية الأميركية بشكل مباشر في تنظيم القاعدة، الذي يرأسه أسامة بن لادن، وحركة طالبان التي تؤويه، فإن واشنطن تدرك تماما أنه حتى مع افتراض نجاحها في تحقيق هذا الهدف بواسطة القوة العسكرية على النحو الجاري حاليا في أفغانستان، فإنه لن يوفر لها الاستقرار الذي تنشده في هذا البلد، والذي يعد مفصلا وحلقة وصل بين وسط آسيا وجنوبها، ويتوسط منطقة تحيطها قوى إقليمية في أغلبها معادية للولايات المتحدة، وقريبا من منطقة بحر قزوين التي تعج بالثروات المعدنية، وأصبحت مطمعا لقوى إقليمية ودولية عديدة، وتحرص الولايات المتحدة على أن يكون لها نصيب الأسد فيها.

برهان الدين رباني
ومن أبرز المشاكل التي تواجه الولايات المتحدة وهي تحاول معالجة مشكلة ما بعد طالبان، الاختلافات العرقية والقبلية والطائفية التي تسود الشعب الأفغاني، وارتباط ذلك بالدول المحيطة بأفغانستان، كذلك الهوية السياسية والأيديولوجية للزعامات الأفغانية المطروحة في الساحة اليوم، ومدى نفوذ وفعالية كل منها، وبالتالي حصولها على تأييد الشعب الأفغاني ودعم الدول المجاورة، أو رفض التعاون معها.. هذا إلى جانب الخبرة التاريخية للولايات المتحدة في التعامل مع حكومات عميلة لها أنشأتها في مناطق أخرى من العالم بفعل القوة العسكرية، وفرضتها على شعوبها، ولم تنجح في تحقيق الأهداف المنوطة بها.

الملك ظاهر شاه والدور الأميركي

ظاهر شاه
في إطار سعي واشنطن لإعادة صياغة الواقع الأفغاني، لجأت إدارة البيت الأبيض إلي إزاحة الغبار عن أوراق قديمة عتيقة.. تتمثل في الملك المنفي محمد ظاهر شاه (86 عاما) الذي يعاني من آثار الشيخوخة ولا يمتلك أي قوة عسكرية تحت قيادته، ويقيم في إيطاليا منذ عام 1973، وكان قد تولى الحكم في عام 1933 وعمره 19 سنة، وهو يميل إلى تحديث وتطوير بلاده على النمط الغربي.

حفيد ظاهر شاه
وقد عبر ظاهر شاه عن رؤيته لمستقبل أفغانستان عقب لقائه مع ممثلي المعارضة الشمالية بترتيب أميركي، فاعتبر عودته للحكم بمثابة عودة الشرعية، وأن فرض سيادة القانون والنظام هو المدخل الأساسي لإقرار السلام وإعادة بناء الاقتصاد الأفغاني المدمر، بجانب تأسيس (دولة الحقوق) التي يتم فيها احترام حقوق الإنسان وفقا للأسس والمبادئ الإسلامية والديمقراطية.

كما دعا ظاهر شاه إلى عقد اجتماع الجمعية الوطنية الكبرى (مجلس لويا جيركا) التي تضم ممثلين لمختلف القطاعات الأفغانية القبلية والسياسية والعرقية، ومن خلالها يتم إقرار مشاريع إعادة بناء أفغانستان الجديدة، وذلك بمساعدة الدول الكبرى والأمم المتحدة.. وكذلك أكد الملك العجوزعلى ضرورة إعطاء أولوية مطلقة لإيقاف أي تدخل أجنبي يغذي الحرب الأهلية، حتى يستطيع الشعب الأفغاني تقرير مصيره وتحديد مستقبله بنفسه.

تلك هي رؤية ظاهر شاه لمستقبل أفغانستان، فهل يمكن تحقيقها؟! حقيقة الأمر أنه رغم السمعة الطيبة التي كان يتمتع بها الملك السابق بين شعبه ورغم انتمائه إلى الأغلبية البشتونية، إلا أنه من الثابت أن الأحداث التي مرت بها أفغانستان طول ثلاثين عاما قد تجاوزته بكثير، كما أن الأجيال الجديدة التي ظهرت في أفغانستان طيلة هذه الفترة وأصبحت تمسك بزمام الموقف خاصة على الصعيد العسكري ترفضها، ناهيك عن رفض زعماء القبائل والقادة السياسيين أمثال رباني ودوستم وحكمتيار لعودة النظام الملكي مرة أخرى لأفغانستان، خاصة إذا ما كانت عودته ستفرض عليهم بواسطة الولايات المتحدة.

العقبات الداخلية والخارجية أمام عودة ظاهر شاه المحتملة

لكن عودة الملك ظاهر شاه لأفغانستان رغم الجهد الأميركي والترحيب الأممي تعترضها عقبات عديدة خارجيا وداخليا، فإذا كانت المحادثة التي جرت بين الملك وممثلي المعارضة أخيرا في روما تحت إشراف عدد من رجال الكونغرس الأميركي قد توصلت إلى اتفاق بإنشاء مجلس أعلى للوحدة الوطنية يتكون من 120 من الزعماء التقليديين في البلاد، على أن يتولى هذا المجلس انتخاب رئيس للبلاد وتشكيل حكومة وطنية، فإن هذا الاتفاق يظل حبرا على ورق طالما أن طالبان ظلت في السلطة، وما دامت هناك قوى ضخمة ضمن المعارضة ترفض حكما تأتي به المخابرات الأميركيةفما العقبات التي تعترض الخيار الأميركي المتعلق بظاهر شاه؟.

أولا- العقبات الداخلية:

  • التوازنات العرقية
    وتلعب التوازنات العرقية والطائفية في أفغانستا دورا لا يمكن الاستهانة به في تشكيل أي حكومة وحدة وطنية في هذا البلد المتعدد عرقيا وثقافيا ودينيا.. فأفغانستان تضم حوالي 25 مليون نسمة، 4 ملايين منهم لاجئون في باكستان والدول المجاورة.. وتشكل قبائل البشتون الأغلبية السكانية (38%)، والطاجيك (25%) والأوزبك (9%) والهزاره الشيعية (19%)، بجانب أقليات صغيرة من البلوش والتركمان والأيماك.. وغيرهم.

    تضم أفغانستان حوالي 25 مليون نسمة،4 ملايين منهم لاجئون في الخارج، ويشكل البشتون الأغلبية السكانيــة (38%)، والطـاجيك (25%) والأوزبــك (9%) والهــزاره الشيعية (19%)، بجانب أقليات صغيرة من البلوش والتركمان والأيماك.. وغيرهم.

    وتنتمي حركة طالبان إلى الأغلبية البشتونية ذات الامتداد القبلي في باكستان، أما تحالف الشمال المعارض فهو يضم خليطا من الطاجيك والهزاره والأوزبك، يرأسه برهان الدين رباني، الذي لا يزال ينظر إليه من الناحية الرسمية باعتباره رئيس أفغانستان، وذلك منذ تولى فعلا هذا المنصب عام 1992 بعد ستة أشهر من سقوط الحكم الشيوعي، وتعد أبرز نقاط ضعفه أنه ينتمي إلى الأقلية الطاجيكية في الشمال، ولا يحظى سوى بدعم ضئيل من الغالبية البشتونية.
    أما القائد العسكري لتحالف الشمال فهو الجنرال عبد القاسم فهيم الذي ينتمي إلى الترويكا التي حلت محل القائد مسعود، وتشمل يونس قانوني للشؤون السياسية، وعبد الله عبد الله للشؤون الدبلوماسية، ويقدم التحالف الشمالي نفسه إلى الولايات المتحدة باعتباره الأقدر سياسيا وعسكريا على أن يخلف طالبان في حكم أفغانستان، بعد هزيمتها عسكريا إذا ما قدمت له واشنطن الدعم السياسي والمادي الكافي.
    ثم تأتي بعد ذلك في ترتيب القوى العرقية في أفغانستان قوات الجنرال عبد الرشيد دوستم، الذي يتزعم الأقلية الأوزبكية في شمال أفغانستان، وله نفوذ مؤثر، إلا أنه لا يرقى لمستوى يؤهله لحكم أفغانستان كلها.. وقد بزغ نجمه داخل الجيش الأفغاني بعد الغزو السوفياتي، ويصطف حاليا مع تحالف المعارضة الشمالية.
    أما رابع القوى العرقية المؤثرة على الساحة الأفغانية فهو قلب الدين حكمتيار، الذي يرأس الحزب الإسلامي، ويعد أكثر قيادات المجاهدين الأفغان إثارة للجدل.. حيث انخرط في قتال مع منافسيه الأفغان أكثر من انخراطه في معارك ضد القوات السوفياتية، إلا أن الخط المتشدد لحزبه استقطب المجاهدين من مختلف الجماعات العرقية والطائفية.
  • تقاسم السلطة مع تحالف الشمال
    حتى إذا وافق الأفغان على هذا الحل نتيجة للضغوط الأميركية فإن الملك سيواجه عدة عقبات، أهمها الخلافات العميقة التي ستظهر بينه وبين قوات التحالف الشمالي، على الرغم من الهدوء النسبي المشوب بالحذر الذي يجمع بينهما حاليا.. فمسألة تولي ظاهر شاه مقاليد السلطة سواء كانت ملكية أو جمهورية، هي أمر مشكوك فيه بعد 28 عاما قضاها في إيطاليا جعلت منه رجلا علمانيا غريبا على المجتمع الأفغاني، بعكس معظم القوى السياسية في أفغانستان التي لا تزال متمسكة بأصولها الإسلامية، فضلا عن أن شكل الحكومة وتوزيع الحقائب الوزارية لا بد أن تعترضه مشكلات عديدة، إذ تستوجب المسألة إدراج (البشتون) في الإدارة الجديدة حقنا للدماء، الأمر الذي سيلاقي معارضة شديدة من قبل تحالف الشمال الذين ينتمي بعضهم إلى الطاجيك والأوزبك مما يهدد باندلاع حرب أهلية جديدة.

ثانيا- العقبات الخارجية:

  • الدور الباكستاني:
    على الصعيد الخارجي لا يستطيع أحد أن يتجاهل موقف باكستان الرافض

    من الواضح أن إسلام آباد وطالبان غير راغبتين في التباعد الجاري بينهما، حيث لاتزال باكستان تعتقد أن طالبان هي الحليف الأمثل لها في أفغانستان
    لعودة الملك إلى أفغانستان، وذلك بسبب اتصالاته المعروفة مع الهند أولا، ولسوء علاقاته مع باكستان فترة حكمه.. ومن هنا تبرز الأهمية الكبرى لكي تحظى أفغانستان بقيادة رئيسها الجديد بقبول كل الدول المجاورة وليس باكستان فقط، وهو ما يعد عقبة جديدة في وجه ظاهر شاه لا يملك حيالها سوى الإسراع في تكوين ائتلاف حكومي يضم كل الجماعات.. وإن كانت بعض المصادر الغربية ترى أنه من الأفضل أن يترك ظاهر شاه الحكم لحفيده مصطفى (37 عاما)، الذي يحظى بعلاقات جيدة مع الأفغان إضافة إلى الدول الغربية.
    ورغم الدعم الباكستاني للدور الأميركي في محاربة الإرهاب وإدانتها لطالبان والقاعدة، إلا أنه من الواضح أن إسلام آباد وطالبان غير راغبتين في التباعد الجاري بينهما، حيث لاتزال باكستان تعتقد أن طالبان هي الحليف الأمثل لها في أفغانستان.. لذلك حذر وزير خارجية باكستان من محاولة الولايات المتحدة إيجاد بديل عن طالبان، وفرض حكومة موالية لواشنطن تضم عناصر من التحالف الشمالي المعادي لإسلام آباد.
    كما لا يرى المسؤولون الباكستانيون أي فائدة من المحاولات الأميركية لإقامة نظام ديمقراطي صحيح في أفغانستان بالنظر لسيادة مفهوم الحكم الفردي لشيخ القبيلة على قبيلته، ومن ثم فلا مجال للحديث عن انتخابات حرة أو إمكانية تداول السلطة.. كما يخشى المسؤولون الباكستانيون من تزايد نفوذ روسيا والهند وإيران، وهي قوى معادية لباكستان –في أفغانستان- في إطار سيناريو توسيع دائرة الحكم في أفغانستان مستقبلا، خاصة وأنه لا يوجد بديل بشتوني قوي يمكن أن يحل محل طالبان ويكون حليفا مخلصا وأمينا لباكستان، يؤمن ظهرها، ويحافظ على أفغانستان بوصفها عمقا إستراتيجيا لباكستان في مواجهة عداء طويل الأمد مع الهند.
    لذلك فإن الرئيس الباكستاني برويز مشرف لا يزال يسعى ويأمل في أن تضحي طالبان بشخص بن لادن حتى تتجنب كل من باكستان وأفغانستان عواقب حرب مدمرة، ومردوداتها السلبية على كلا البلدين.
    إلا أن طالبان رغم تقديرها لصعوبة الموقف الباكستاني، فإنها ترفض نهائيا فكرة تسليم بن لادن لأن ذلك يدمر صورتها ليس فقط أمام الشعب الأفغاني، ولكن أمام المسلمين في كل العالم، لذلك من المعتقد أن تقبل إسلام آباد بنظام حكم في كابل تسيطر عليه وجوه معتدلة من طالبان، وليس عناصر من تحالف الشمال المعارض أو الملك السابق.
  • الدور الإيراني:
    برغم العداء والتباين المستفحل بين إيران والولايات المتحدة إلا أنهما تشتركان في رؤية مستقبل أفغانستان، لا سيما فيما يتعلق بضرورة طرد حركة طالبان، ورغم الخلاف في وجهة نظرهما بشأن الضربة العسكرية، فإيران التي تتقاسم مع أفغانستان حدودا تمتد على طول 900 كم، تعتبر معادية بشدة لحركة طالبان، ومؤيدة لتحالف الشمال، مع إدانتها المسبقة لحل عسكري لا يحظى بموافقة الأمم المتحدة.
    وتعتبر المشكلة الأفغانية الموضوع الوحيد الذي تجرى بشأنه محادثات بين الجانبين الإيراني والأميركي منذ سنوات في إطار مجموعة (6 + 2) "الدول الست المحاذية لأفغانستان بالإضافة للولايات المتحدة وروسيا"، والتي شكلتها الأمم المتحدة.
    وتقضي المصالح المشتركة لكل من الولايات المتحدة وإيران برحيل طالبان،

    تفضل الولايات المتحدة السيناريو الإيراني الذي يسند حكم أفغانستان لقوى المعارضة، على السيناريو الباكستاني المتمثل بتسوية مع طالبان، إلا أن واشنطن تأخذ على طهران دعمها لحكمتيار
    وإرساء الاستقرار في أفغانستان حتى لا يعود هذا البلد مركزا للإرهاب وتصدير المخدرات التي تهرب عبر إيران، وتفضل الولايات المتحدة السيناريو الإيراني الذي يسند حكم أفغانستان لقوى المعارضة، على السيناريو الباكستاني المتمثل بتسوية مع طالبان، إلا أن واشنطن تأخذ على طهران دعمها لقلب الدين حكمتيار زعيم الحزب الإسلامي، وفي المقابل تبدي طهران مخاوفها من استمرار الوجود العسكري الأميركي في أفغانستان، الأمر الذي يشكل تهديدا لجناح إيران الشرقي ويحصرها بين فكي كماشة أميركية أحدهما في أفغانستان شرقا، والآخر في الخليج غربا.

مستقبل طالبان بين التهميش والتحطيم

أسامة بن لادن

من المؤكد أن الضربات الجوية والصاروخية الأميركية التي لا تزال توجه ضد مواقع طالبان لأكثر من أسبوعين، لن تؤدي وحدها إلى تدمير هذه الحركة، فمن المعروف إستراتيجيا أن مثل هذه الضربات لا يمكن أن تهزم قوات على الأرض دون تدخل بري.. ومن ثم فإنه سيتعين على القوات الأميركية بالإضافة لقوات المعارضة الشمالية أن تشن عمليات برية على نطاق واسع ضد قوات طالبان والقاعدة المنتشرة في المناطق الجبلية الوعرة، وهي العمليات الذي تنتظرها قوات طالبان لتكبد من خلالها القوات الأميركية خسائر بشرية جسيمة تجبرها على التراجع.

وبالنظر إلى أن مقاتلي طالبان يحترفون القتال في المناطق الجبلية، ويعرفون كيف يهزمون أعداءهم في هذه المناطق الوعرة التي يصعب القتال فيها، بدءا بتدمير المروحيات الاقتحامية والهجومية أثناء محاولات هبوطها لإجراء عمليات الإبرار الجوى للقوات الخاصة التي تحملها، وذلك بتدمير هذه المروحيات بواسطة صواريخ أرض/ جو قصيرة المدى التي تملكها طالبان، لا سيما من طراز ستينغر الأميركية، ثم بتوريط القوات الأميركية المهاجمة في حقول ألغام وكمائن معدة لها مسبقا في المواقع الصالحة للهبوط، وهي مواقع محدودة في المناطق الجبلية وبالتالي فهي معروفة ومسيطر عليها جيدا، وأخيرا بقطع طرق العودة والانسحاب على القوات الأميركية بتدمير المروحيات الاقتحامية على الأرض، والمروحيات الهجومية (مثل أباتشي) التي تقدم المعاونة النيرانية على ارتفاعات منخفضة، وبذلك يمكن قتل وأسر القوات الأميركية الخاصة.

ولو أصرت القيادة الأميركية على مطاردة وتصفية قيادات القاعدة وطالبان، وعلى رأسهما بن لادن والملا محمد عمر، سواء بأسرهما أو قتلهما، فإن ذلك قد يستغرق من أجهزة المخابرات والقوات الأميركية أشهرا، وقد يستحيل تحقيقه بالنظر لتحصنهم واختفائهم الجيد في كهوف الجبال التي يصعب على القوات الأميركية الوصول إليها دون أن تتكبد خسائر جسيمة.. وفي هذا الصدد ينبغي استعادة الدرس الفيتنامى، ذلك أن الفيتناميين تمكنوا من الانتصار في حرب فيتنام دون الانتصار في معركة تكنيكية كبيرة واحدة، ولكن باستنزاف الأميركيين في معارك عديدة، وهو درس ينبغي لهم ألا ينسوه في أفغانستان.. فليس المطلوب بالضرورة من طالبان والقاعدة انتصارا على الأميركيين في كل معركة، ولكن يكفيهم منع الأميركيين من تحقيق أي نجاح، وإذا تحقق فسيكون بخسائر جسيمة يرفضها الرأي العام الأميركي.

ومن ثم يتبين لنا صعوبة إبادة حركة طالبان نهائيا، لا سيما وأنهم من المتطرفين المتشددين الذي يتخذون من الجبال معاقل لهم يمكن منها تهديد أي حكومة مركزية تقام في كابل خلفا لها، خاصة وأن مثل هذه الحكومة وهياكلها الإدارية في المدن الرئيسية الأخرى ستكون موصومة بالعمالة للولايات المتحدة، الأمر الذي سينفر الشعب الأفغاني منها، وهو ما ستستغله طالبان في تأجيج روح العداء ضد الولايات المتحدة وأي حكومة عميلة ستحاول فرضها في كابل.

وبالتالي –ومع افتراض تغييب الملا محمد عمر زعيم الجماعة، ومع التسليم بوقوع

مع افتراض تغييب الملا محمد عمر و التسليم بوقوع انشقاقات في صفوف طالبان، فسيبقى للحركة وجود سياسي وعسكري لا يمكن تجاهله، وبالتالي يصعب تهميش هذه الحركة في أي نظام أفغاني قادم
انشقاقات كثيرة في صفوف الجماعة– وهو أمر معروف في أفغانستان، حيث تتعدد وتتغير الولاءات بين الأحزاب والحركات السياسية من وقت لآخر، فسيبقى لطالبان وجود سياسي وعسكري لا يمكن تجاهله، وبالتالي يصعب تهميش هذه الحركة في أي نظام أفغاني قادم، ومن ثم يتعين على مثل هذا النظام -شاء أم أبى– أن يأخذ في الاعتبار حركة طالبان، سواء بمشاركتها في ذلك النظام أو بمباركتها له على الأقل، انطلاقا من أن هذه الحركة تمثل قطاعا لا يستهان به من الشعب الأفغانى خاصة وأنها تنتمي للأغلبية البشتونية.

ورغم الجدل الدائر في واشنطن حول إمكانية صمود طالبان أمام الهجمات الأميركية الجوية والبرية وقدرتها على شن حرب استنزاف طويلة ضد الأميركيين، إلا أن هناك شبه إجماع في الدوائر السياسية والمخابراتيه في الدول الغربية –لا سيما في فرنسا– على أن القضاء على طالبان سيفرز أزمة كبيرة، حيث سيصعب على واشنطن في هذه الحالة إيجاد حل سياسي لمشكلة أفغانستان وبديل لطالبان يرضى عنه الجميع، حتى من قبل هؤلاء البشتون المتعلمين الذين يزدرون طالبان بسبب سياساتها وممارساتها المتشددة.

وفي هذا الصدد يقول البروفيسور الفرنسي (ديل دوروتسورو) الأستاذ في معهد العلوم السياسية في (رين) غرب فرنسا، والمتخصص في الشؤون الأفغانية "بإمكان الأميركيين السيطرة على شمال أفغانستان بسهولة كبيرة، ولكن في الوسط والجنوب سيكون الأمر صعبا للغاية بسبب دعم بشتون باكستان لطالبان".

إن الأميركيين ربما يراهنون على أنهم سيتمكنون خلال الوقت الذي ستنهار فيه طالبان، من جمع الفرقاء الأفغانيين على إعادة بناء شيء ما في الجنوب، وهذا الأمر صعب المنال، فبإلحاق الهزيمة بطالبان ستدخل أميركا في دينامية أزمة يصبح الخروج منها غير منظور، حيث ستمتد الأزمة إلى باكستان، وربما إلى بلدان آسيا الوسطى أيضا، ويصبح استئناف الحرب الأهلية في أفغانستان أمرا مرجحا.. وفي هذه الحالة إما أن يترك الأميركيون أفغانستان غارقة في بحر من الدم والنار، أو يحاولون فرض حل سياسي، وهو ما سيستغرق وقتا طويلا، وعامل الوقت يلعب ضد الأميركيين.

وبالرغم من رفض التحالف الشمالي المعارض لوجود طالبان في أي حكومة أفغانية مستقبلا، فإنه من المحتمل أن توافق الولايات المتحدة وكذلك باكستان على إشراك وجوه معتدلة من طالبان في الحكومة القادمة بعد إزالة بن لادن والملا عمر.. ومن هذه الوجوه الملا محمد حسن أخوند، والملا محمد حسن رحماني حاكم إقليم قندهار.

التجارب الأميركية.. وفشل الاعتماد على العملاء الحاكمين

يسترجع صناع القرار الأميركيون في إطار إدارتهم للأزمة الناشئة حاليا في

يبرز خطأ الحسابات الأميركية من اعتقادها أن التحالف الشمالي من الممكن أن يعيد الديمقراطية إلى أفغانستان، حيث تستبدل واشنطن نظاما ديكتاتوريا إرهابيا بنظام ديكتاتوري آخر ارتكب العديد من الجرائم في حق الشعب الأفغاني.
أفغانستان، درس الحرب الفيتنامية عندما أرادوا تجنب مزيد من الخسائر البشرية في صفوفهم، فسلحوا رجال جيش فيتنام الجنوبي ليحاربوا بالوكالة عن القوات الأميركية، كذلك درس الإسرائيليين في جنوب لبنان عندما اعتمدوا على جيش لبنان الجنوبي ليحارب بالوكالة عنهم في جنوب لبنان في مواجهة حزب الله ومليشيات الفلسطينيين.. وهو ما يؤكد فشل نظرية الحرب بالوكالة. واليوم يبدو أن الولايات المتحدة ستقع في نفس الخطأ باعتمادها على قوات المعارضة الشمالية في أفغانستان في القضاء على طالبان، ثم تولي الحكم في كابل.

ويبرز خطأ الحسابات الأميركية في هذا الشأن من اعتقادها أن التحالف الشمالي من الممكن أن يعيد الديمقراطية إلى أفغانستان، حيث تستبدل واشنطن نظاما ديكتاتوريا إرهابيا بنظام ديكتاتوري آخر ارتكب العديد من الجرائم في حق الشعب الأفغاني.

فلا يمكن للأفغان نسيان الجرائم التي ارتكبتها قوات عبد الرشيد دوستم في حقهم عندما دخلوا كابل، نفس الأمر بالنسبة لقوات قلب الدين حكمتيار الذي اعتمد على تجارة المخدرات في الإنفاق على حزبه وقواته.

لذلك فإن ما تحتاجه أفغانستان حقا هو قوة دولية تعمل تحت مظلة الأمم المتحدة، وليس حفنة من العصابات العرقية الوالغة في الدماء لإعادة إرساء نوع ما من النظام هناك، وأن تكون هذه القوة مدعومة من قبل الدول الإسلامية، وقادرة في الوقت نفسه على استعادة السيطرة على الطرق وإمدادات الغذاء والاتصالات، وتمهد لإقامة حكومة تكنوقراطية من المتعلمين والخبراء في مجالات البنية التحتية، ومشروع مثل مشروع مارشال لإعادة بناء أفغانستان، وفي هذا السياق يمكن للملك السابق أن يكون رمزا مؤقتا للوحدة قبل تشكيل حكومة لا عرقية حقيقية، على أن تتعهد الدول المجاورة لأفغانستان بدعم هذه الحكومة وعدم زرع العقبات أمامها.. وهو ما يفرض على الولايات المتحدة ألا تسلح القوى المعارضة لطالبان بما يتعدى محاربة طالبان خلال فترة محدودة، وحتى لا يتكرر الخطأ الذي سبق أن وقعت فيه واشنطن عندما سلحت الأفغان بأسلحة متطورة مثل الصاروخ ستينغر– وبكميات كبيرة لمحاربة السوفيات، واليوم يدفع الأميركيون ثمن هذا الخطأ.
ـــــــــــــــــــــــ
خبير إستراتيجي مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة