أخلاق الصيرورة   
الأربعاء 1426/1/22 هـ - الموافق 2/3/2005 م (آخر تحديث) الساعة 13:04 (مكة المكرمة)، 10:04 (غرينتش)


عبد الوهاب المسيري

 

تعرف الحداثة بأنها تبني العلم والتكنولوجيا والعقل كآليات وحيدة للتعامل مع الواقع، وهو تعريف يتجاهل البعد الإنساني والمعرفي (الكلي والنهائي). ولاسترجاع هذا البعد الهام نعرف الحداثة بأنها تبني العلم والتكنولوجيا والعقل ولكننا نضيف "المنفصلة عن القيمة" (value free).

 

ولهذا السبب ظهر ما يسمى في الخطاب السياسي الغربي عبارة "أخلاق الصيرورة" وهي ترجمتنا لعبارة ""ethics of process التي تنطلق من أن الأخلاق ليست مجموعة من المبادئ الأخلاقية المتجاوزة لرغبات الفرد ومصلحته الشخصية التي يلتزم بها الإنسان، وإنما هي مجموعة من الإجراءات التي يتفق عليها أعضاء مجتمع ما.

 

وبالتالي يصبح الشيء الوحيد الثابت والمتفق عليه هو إجراءات الحكم الأخلاقي وطريقته وليس الأساس الذي يرتكز عليه.

 

وانطلاقا من هذا التعريف لا يوجد شيء أخطر من العبث بهذه الإجراءات، أما الأهداف النهائية للمجتمع والقيم الإنسانية والأخلاقية الثابتة فهي أمور خاضعة للتفاوض.

 

وقد عرف أحد العلماء الغربيين الحداثة بأنها مقدرة الإنسان على تغيير قيمة بعد إشعار قصير.

 

"
الدولة قيمة أخلاقية مطلقة تتخطى كل المطلقات حسب فكر مكيافيلي، لذا فمن المنطقي أن تتكيف الأخلاق مع مصالح الدولة لا أن تخضع الدولة للقيم الأخلاقية، وهذا هو جوهر فكرة فصل الدين عن الدولة
"
والمصطلح ذاته في تصوري غريب يحتوي داخله على تناقض جوهري إذ إنه يشبه قولنا "جوع الشبع" أو "عطش الارتواء"، فالأخلاق تتسم بحد أدنى من الثبات والانفصال عن الواقع اليومي، لأنها لو أصبحت جزءا لا يتجزأ من الصيرورة أو الواقع اليومي يصبح من العسير -بل ومن المستحيل- أن نصدر أحكاما أخلاقية على هذا الواقع.

 

فأخلاقيات الصيرورة تعني -في نهاية الأمر- التسليم بما هو قائم والرضوخ له أو العكس تماما، أي فرض الإرادة الذاتية والأهواء الشخصية على هذا الواقع لأنه لا يوجد منظومة من القيم المتجاوزة لهما يمكن الإهابة بها ومحاكمة الواقع من منظورها.

 

وتعود أخلاق الصيرورة لفلسفة مكيافيلي (الفيلسوف العلماني الإيطالي 1469- 1527) الذي ينطلق من الإيمان بأن البون شاسع بين الحياة كما هي والحياة كما ينبغي أن تكون، ثم يحدد ولاءاته بوضوح، فهو يؤيد ما هو قائم ولا يعنى على الإطلاق بما ينبغي أن يكون.

 

ولذا فهو يخبرنا بأن من يفعل الخير سيعود عليه ذلك بالوبال وسيورده موارد التهلكة، أما من يتبع الشر ويجيد استخدام وسائله فسيكون من الناجين. وهو بهذا يسقط أهمية الهدف الإنساني أو الأخلاقي النهائي للمجتمع، وبدلا من ذلك يجعل من الهدف النهائي مسألة تحددها كل مؤسسة أو جماعة أو دولة حسب رغباتها ومصلحتها أو حسب رغبة ومصلحة القائم عليها.

 

ويذكر مكيافيلي بعض الشخصيات التي يعدها مثاله الأعلى (أو ربما الأدنى باعتبار أن التسامي ليس هو الغاية) مثل أغاثوكليس طاغية صقلية القديم، إذ يصف هذا السفاحَ بأنه "رجل إستراتيجية ولذا لم يكن رجلا فاضلا" (ولنلاحظ الانفصال بين السياسة والأخلاق، تماما مثل الانفصال بين العلم والأخلاق، والصناعة والأخلاق، والمجتمع والأخلاق، والفرد والأخلاق، فهذا هو جوهر الحضارة العلمانية الجديدة التي تنزع القداسة عن كل الظواهر لتحولها إلى مادة استعمالية).

 

ويقنن مكيافيلي طريقة ارتكاب أعمال القسوة عن طريق استقراء تاريخ أغاثوكليس هذا، ويخلص إلى أنها "يجب أن تتم كلها دفعة واحدة". فمكيافيلي يتحدث بلغة التكتيك (الصيرورة أو الإجراءات) وليس بلغة الأخلاق (الثبات والأهداف الإنسانية)، فإمكانية القضاء على أعمال القسوة أو التخفيف منها غير مطروحة.

 

إن أخلاقيات مكيافيلي كما يصرح هو نفسه تقف على طرف النقيض مع الأخلاقيات المسيحية التقليدية "رهبة خير من محبة" و"قلد الثعلب والأسد" و"لا تكف عن التظاهر والكذب" و"لا تتوان عن ارتكاب الشرور"، وهكذا إلى آخر قائمة الصفات "الواقعية" التي تدل على أن الإنسان الذي يتحلى بها واقعي وعلمي وموضوعي!

 

وقد وُصف مكيافيلي بأنه استغنى عن الأخلاقيات المسيحية وخلق صورة جديدة للأخلاق الوثنية، وهي نسق أخلاقي يفصل ممالك هذا العالم عن ممالك العالم الآخر.

 

بل إن مكيافيلي يرى أن الأخلاقيات المسيحية التي تحض على التسامح والتواضع تسبب الاضطراب للدولة، إذ إن المطلوب هو أخلاق تمجد القوة والسلطة والاستقلال والطموح (وبهذا يمكن القول إن نيتشه هو سليل مكيافيلي).

 

لقد حول مكيافيلي الدولة إلى قيمة أخلاقية مطلقة تتخطى كل المطلقات الأخرى، ولذا يصبح من المنطقي أن تتكيف الأخلاق مع مصالح الدولة لا أن تخضع الدولة للقيم الأخلاقية، وهذا هو جوهر فكرة فصل الدين عن الدولة.

 

ونحن حين نتحدث عن "السياسة العليا" أو عن "مصلحة الدولة العليا" فإننا في واقع الأمر ننظر إلى الدولة نظرتنا إلى مطلق لا يأتيه الشك من بين يديه ولا من خلفه، ونتصرف حسب عقيدة الدين الجديد، دين الولاء السياسي والإيمان بالدولة وأخلاقيات الصيرورة والإجراءات التي لا علاقة لها بالأخلاق كما نعرفها.

 

"
علمنا مكيافيلي ألا نقبل ما تفعله الدولة باعتباره أخلاقيا وحسب، وإنما علمنا أيضا أن ننظر إلى السياسة على أنها نشاط علمي لا علاقة له بالأخلاق
"
وكان ميكافيلي هو أول من استخدم كلمة "الدولة" بمعناها الحديث: سلطة إقليمية علمانية تدوم وتبقى رغم تغير الحكومات المفردة، ولا تكون مسوغاتها النهائية الإرادة الإلهية أو الإرادة الشعبية وإنما القوة وحسب.

 

وقد علمنا ميكافيلي ألا نقبل ما تفعله الدولة باعتباره أخلاقيا وحسب، وإنما علمنا أيضا أن ننظر إلى السياسة على أنها نشاط علمي لا علاقة له بالأخلاق.

 

وكما نظر غاليليو في النجوم بحثا عما هو كائن لا على ما ينبغي أن يكون، نظر مكيافيلي إلى المجتمع الإنساني كما لو كان مباراة شطرنج. وقد أصبحت صورة السياسة كمباراة صورة أساسية في المصطلح السياسي الحديث.

 

وقد أفضت فلسفة مكيافيلي بشكل يكاد يكون حتميا إلى أخلاقيات الصيرورة لأنه إذا كانت السياسة نشاطا علمانيا متحررا من الأخلاق (value free) ومباراة، تصبح القواعد والإستراتيجيات والإجراءات في غاية الأهمية (ربما لافتقاد أي مضمون أخلاقي).

 

ولا شك أن مكيافيلي لو عرف بأخلاق الصيرورة لأنكرها وهو القائل بأن "الغاية تبرر الوسيلة" وهو الذي وضع مصلحة الدولة العليا فوق كل شيء، ولكن رؤيته الكلية تؤدي إلى ظهور أخلاق الصيرورة هذه.

 

وما أنجزه توماس هوبز الفيلسوف العلماني الإنجليزي (1588 -1679) للطبقة الوسطى هو عين ما أنجزه مكيافيلي للدولة، فهو مثل مكيافيلي رجل "واقعي" بالمعنى المادي للكلمة يبني نظريته لا على القيم "عديمة الجدوى" من منظور مادي مثل المحبة والولاء والجماعة المترابطة، وإنما على الحقائق المادية القائمة، وهو مثل مكيافيلي أيضا كان يبحث عن تسويغ للحكم العلماني الناشئ ليبين للناس ما الذي ينبغي طاعته ولماذا.

 

وقد انطلق هوبز ليحدد ما هو طبيعي وواقعي ودرس المجتمع فرأى مجتمع السوق غابة من الصراع  التنافسي ورأى أنه لا يوجد سوى الصفقات بدلا من المجتمع، ولا يوجد سوى حيوانات ذات غرائز أساسية، فالإنسان ذئب في وجه أخيه الإنسان، والمجتمع هو ساحة قتال الجميع ضد الجميع.

 

إن البشر بالنسبة لهوبز  -والفلاسفة النفعيين من بعده– "هم أساسا آلات تطرح مقدار الألم الممكن من الفائدة المادية الممكنة قبل أن تسلك أي سلوك". ونموذج الآلة -حسب هذا التصور– هو الذي يفسر السلوك الإنسانى أكثر من أي نموذج آخر.

 

"إن الدافع وراء سلوكنا ليس محبة رفاقنا بقدر ما هو حب لأنفسنا، فكل امرئ يحاول أن يزيد ثروته أو سلطته أو نفوذه إلى الحد الأقصى. والقيم والأخلاق والأخلاقيات ليس لها معنى إلا في إطار إشباع هذه الرغبات". وهذه هي الغابة حيث يحل الثمن محل القيمة، ولهذا السبب لا بد أن يتم الاتفاق على قواعد المباراة وعلى السلطة التي تقوم بتطبيقها.

 

"
القول بأن نسق الحضارة الغربية إما أن يؤخذ كله أو يترك كله وأنه لابد من إعادة صياغة الإنسان العربي ليتفق مع مقتضيات العصر الحديث، ليس قولا علميا لأنه محاولة تعميم ما هو خاص
"
ومرة أخرى نصل إلى أخلاق الصيرورة، إذ إننا أسقطنا إصرار هوبز على الدولة المطلقة كضمان لاستمرار الإجراءات وسلامتها، ولكننا مع هذا أخذنا بأهمية الإجراءات وجعلناها كل شيء، لأن القيمة الأخلاقية المطلقة قد سقطت.

 

وقد حاول جون لوك الفيلسوف الإنجليزي (1632-1704) حل إشكالية أساسية يطرحها المفكرون الاشتراكيون أيضا وهي أن الدولة المطلقة لا يمكنها أن تضمن سلامة الإجراءات لأن مجتمع السوق يؤدي إلى ظهور التفاوت بين الطبقات.

 

ويذهب المؤرخ الأميركي كافين رايلي في كتاب "الغرب والعالم" الذي نعتمد عليه في هذه الدراسة إلى أن لوك لم يحل هذه الإشكالية ولم يأت بأي جواب عليها، وهو في هذا يشبه كثيرا من الاشتراكيين الذين يسلمون بمقولات الفلسفات المادية الميكانيكية (البرجوازية) التي أفرزتها أوروبا في القرن الثامن عشر ويكملونها بفلسفة في العدالة الاجتماعية ربما دون إدراك للعدمية الكامنة في أي فلسفة مادية، إذ إنها تنطوي على إنكار لفكرة القيمة ذاتها ولمركزية الإنسان في الكون.

 

وبالتالي نجد أن اعتراض البروفيسور رايلي لا ينصب على أخلاق الصيرورة ذاتها وإنما على إحدى سماتها وحسب، وهي عدم انفتاحها بما فيه الكفاية على الجميع. ولذا يقبل رايلي قبولا كاملا بالاتجاه العام للمجتمع الغربي حيث بدأت تسود الأخلاقيات النسبية، وبدأت سياسة الصيرورة والإجراءات تحل محل سياسة الأهداف بحيث أصبح الهدف الوحيد هو التمسك بالإجراءات.

 

وهو يقبل أيضا الصورة المجازية الكامنة للسياسة الجديدة وهي السوق، ولكنه يود أن يرى سوقا عادلة، أي سوقا بمعنى الكلمة. وهو بهذا يرى –وعن حق– أن الفكر الاشتراكي الغربي هو الامتداد المنطقي الوحيد للفكر البرجوازي (الفكر المادي الميكانيكي بعد تعديله) وليس انقلابا كاملا. وعلى حد قوله "كل ما يطلبه الاشتراكيون -بمعنى من المعاني- هو أن يسمح للعملية السياسية بأن تسير بمزيد من العدالة، فهجومهم كان كامنا في مسوغات ثورة الطبقة الوسطى".

 

وتشكل أخلاقيات الصيرورة والإجراءات هذه إحدى اللبنات الأساسية للحضارة الغربية الحديثة، ويرى كثير من علماء الاجتماع والاقتصاد أن أخلاقيات الصيرورة هذه ضرورية بل وحتمية لإنجاز عمليات التحديث.

 

ومن المعروف أن عمليات التحديث قد تلازمت مع أخلاق الصيرورة داخل النسق الحضاري الغربي، ولكن التجربة التاريخية الإنسانية العامة تبين أن تلازمهما ليس أمرا حتميا, إذ إن دولة كاثوليكية قوية كان بوسعها أن تقوم بعملية التصنيع على أكمل وجه دون أن تضحي بالضرورة بالقيم الدينية أو الإنسانية.

 

وفي الاتحاد السوفياتي السابق قامت الدولة المركزية القوية بعملية التصنيع والتحديث في واحدة من أكبر دول العالم تضم عشرات القوميات، وقد تم ذلك في "إطار شبه ديني" يسمونه الماركسية/ البينينية له مطلقه الذي يدعى بالبروليتا أو روح التاريخ.

 

ولعله لو لم يجتح المغول بغداد أو لو لم تتآمر الدول الغربية على الخلافة العثمانية ثم على محمد علي، لقامت الدولة الإسلامية المركزية بتمويل عملية تصنيع كبرى لا تتخلى بالضرورة عن القيم الدينية الإنسانية.

 

بل ويمكن القول إن التنمية الحقيقية وما يسمى بالتراكم الرأسمالي في الغرب لم يتم من خلال أخلاقيات الصيرورة وإنما تم من خلال الملكيات المطلقة في أوروبا ثم من خلال التشكيل الامبريالي. أما في الولايات المتحدة فقد تم من خلال إبادة الهنود الحمر ثم العمالة الرخيصة التي تم الحصول عليها من خلال نقل ملايين الأفريقيين السود من بلادهم وتحويلهم إلى مجرد مادة استعمالية.

 

"
المهم أن نعيد صياغة الإنسان العربي والمسلم داخل إطار نضمن أنه سيحقق إنسانيتنا ويحقق عروبتنا ولا يتنافى مع موروثنا الإنساني والأخلاقي والديني
"
لذا فالقول بأن نسق الحضارة الغربية إما أن يؤخذ كله أو يترك كله كما ينادى البعض، وأنه لابد من إعادة صياغة الإنسان العربي ليتفق مع مقتضيات العصر الحديث كما نشأ في الغرب، ليس قولا "علميا" لأنه محاولة تعميم ما هو خاص.

 

لابد من إعادة صياغة الإنسان العربي، وقد أعيدت صياغته عدة مرات من قبل حين انتقل من الجاهلية إلى الإسلام وحين خرج من الجزيرة العربية وواجه حضارات جديدة ألقت عليه بتحدياتها. ولكن المهم أن نعيد صياغة الإنسان العربي والمسلم داخل إطار نضمن أنه سيحقق إنسانيتنا ويحقق عروبتنا ولا يتنافى مع موروثنا الإنساني والأخلاقي والديني، لأن إنسانيتنا لصيقة بعروبتنا لا يمكن فصل الواحدة عن الأخرى.

 

ونحن في إعادة صياغة أنفسنا لندخل العصر الحديث، أو لنستوعب العلم والتكنولوجيا، يجب أن نضع نصب أعيننا النكبة الحضارية في الغرب، حضارة الإجراءات وأخلاقيات الصيرورة، والعلم والتكنولوجيا والعقل المنفصلين عن القيمة.

_________

كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة