سبعمائة مدني.. وراية حمراء   
الأحد 1431/7/9 هـ - الموافق 20/6/2010 م (آخر تحديث) الساعة 15:59 (مكة المكرمة)، 12:59 (غرينتش)
توجان فيصل

 

تطورات دور تركيا في المنطقة بقيادة رجب طيب أردوغان تعيد تأكيد قناعتنا بأن التغيرات الكبرى في العالم إنما تعكس تغيرات تاريخية تكون قد حدثت تحت السطح. والرجال العظماء هم تعبير التاريخ عن هذه التغيرات. فالتغيير يستوجب أن يخرج الرجل المناسب في اللحظة المناسبة, وأن يملك مقاليد فهم التاريخ والفعل السياسي بحيث يوحد بين برنامجه الشخصي وتيار التاريخ.

فالعظماء الذين يأتون قبل عصورهم أو بعدها بكثير, يصبحون ضحايا سواء رسّمهم التاريخ قديسين أو فلاسفة أو حتى أنبياء بعد ذلك, أو نعتوا بشتى النعوت السلبية دون أن يتاح لهم -ولنا إلى حد بعيد بقدر بعدهم التاريخي عنا- بيان أو تبيين كم من الصلاح تضمنت طروحاتهم وكم من الفساد شابها.

دخول تركيا على سياسة الإقليم ومنه إلى السياسة العالمية حصل بفعل رجل سوي صحيح كأردوغان, ولكنه أيضا حصل لتوفر ظروف موضوعية عدة. ومشروع أردوغان ليس جديدا تماما, بل هو المشروع التركي منذ قيام الإمبراطورية التركية, وهو مشروع قومي أساسا في كل مراحله وتجلياته، وليس مشروعا إسلاميا كما يريد أو يتمنى البعض وبخاصة الإسلاميين عندنا.

ولم تبرز النزعة القومية التركية مع مصطفى كمال أتاتورك, بل إن أتاتورك أيضا كان "رجلا مناسبا في فترة تاريخية مناسبة", كونه جاء تحديدا كتجسيد لإحساس الأتراك بالجرح العميق في الكرامة القومية والذي تلا هزيمتهم وسقوط إمبراطوريتهم.

والتحديث على الطريقة الأوروبية الذي ميز عهد أتاتورك لم يكن تخليا عن الهوية التركية, بل تعزيزا لها عبر تغطية ما فات تركيا من مزايا النهضة والحداثة باسترخائها ضمن إمبراطوريتها الشرقية, فسبقتها لقطافها أمم ودول أوروبا والغرب عموما.

وهو تحديث وتطوير يهدف لجعل تركيا تنافس أكبر دول أوروبا التي جاءت هزيمة تركيا على يدها. واسم "أتاتورك" الذي أطلقه الشعب على زعيمه, والذي يعني "أبو الأتراك"، مؤشر على أن محرك تلك الحقبة, وكذا ما سبقها وما تلاها, هو حس عال بالاعتزاز القومي.

ومن لا يعرف تاريخ منطقة غرب تركيا والقوقاز وشرق أوروبا, التي تشكلت فيها بداية ما باتت تعرف بالحضارة الغربية, لا يدرك أثر الهويات القومية في تلك المنطقة التي تكاد تكون اختصرت العالم القديم في مجسم مصغر على مساحة سابقة على الترسيم القسري (غير الجغرافي ولا الثقافي ولا العرقي) لحدود اعتبرت الفاصلة بين أوروبا وآسيا. مجموعة قوميات كانت, ضمن ذلك العالم المصغر, "أمما" متنافسة.

وتلك القسمة لقوميات كانت المحرك, أو الوقود, لحروب تلك المنطقة منذ ما قبل التاريخ وحتى يومنا هذا.. والأتراك من أكبر القوميات في تلك المنطقة التي أتيح لها أن تبني إمبراطورية ظلت قائمة لقرون ولم تنته إلاّ حديثا جدا, أي أن العديد من شهودها وجنودها ما زالوا أحياء يحنّون لعصرهم الذهبي.

وشعبية أردوغان المتصاعدة داخل تركيا مردها أنه التقط هذا الحس القومي وتجاوب معه في كل ما قام به. وكون أردوغان إسلاميا وكون محيط تركيا في الشرق والشمال والجنوب, المفتوح أمام "المنافسة عليه"، مسلما بشكل رئيسي, على غير محيطها الذي حاولت الانضمام إليه و"التنافس ضمنه" والذي هو أوروبا المسيحية. كون هذا المحيط مسلما, بل ويشهد انتشارا متناميا لقوى سياسية إسلامية متنوعة وحتى متضادة ومتناحرة, يعطي تركيا بقيادة أردوغان وحزبه فرصا مضاعفة ونقاط فوز مسجلة مسبقا.

"
فهم أردوغان العميق لمتطلبات الديمقراطية جعله, وهو القادم عبر حزب إسلامي وبخلاف كل الأحزاب الإسلامية الأخرى التي وصلت للحكم أو تأهلت للمنافسة عليه, يؤكد ويكرّس سمة تركيا كدولة  "ديمقراطية علمانية"
"
وتلك ميزة يوفرها التاريخ عند منعطفه الحالي لتركيا, وقد أحسن أردوغان توظيفها منذ استلام حزبه الحكم على أنقاض تجربة حكم أربكان القصيرة, وبالاستفادة من دروس تلك التجربة في ضوء مجمل التغيرات التاريخية في المنطقة وفي العالم.

البداية كانت التسليم بالديمقراطية ولها, باعتبارها الصيغة الوحيدة للنظم السياسية القابلة للحياة في العصر الحديث, والقوة الأهم المعززة للحصانة الذاتية ضد أية ضغوط خارجية. وهذه الديمقراطية هي أهم نقطة تفوق لتركيا على محيطها المسلم والعربي. والفضل فيها ليس لأردوغان حتما.

لكن فهم أردوغان العميق لمتطلبات الديمقراطية جعله, وهو القادم عبر حزب إسلامي وبخلاف كل الأحزاب الإسلامية الأخرى التي وصلت للحكم أو تأهلت للمنافسة عليه, يؤكد ويكرّس سمة تركيا كدولة "ديمقراطية علمانية".

وبهذا عمل على تهدئة مخاوف جزء من العلمانيين الأتراك, ولكن الأهم أنه هدأ مخاوف الغرب والعالم. وهو ما أهله بعد هذا لسحب النفوذ التاريخي من تحت أقدام الجيش الذي ظل يعتبر لعقود الحامي الأول للعلمانية في تركيا.

وتدخل الجيش في السياسة بدرجة عالية كان يحيل تركيا إلى دولة "عالمثالثية" يحكمها العسكر تحت غلاف من الديمقراطية المقننة بحدود رضى العسكر وليس بصناديق الانتخاب. وزيادة نفوذ العسكر عما هو مسموح تورثه عادة الثورات التحررية أو الحروب المصيرية, كما حدث لتركيا بعد الحرب العالمية الثانية.

والإجراءات الأخيرة التي تضمنت محاكمة العسكر المتهمين بالتخطيط لأعمال عنف لم تكن لتتم إلا برضى غالبية في الشارع التركي, وقد أقدم عليها أردوغان بما يشبه مجازفة ودقة جراح الأعصاب ونجح, فاكتملت صورة تركيا الدولة "الديمقراطية العلمانية المدنية".

وإضافة لهذا تميّز حكم أردوغان بدرجة عالية جدا من النزاهة الشخصية أدخلها في الدورة الدموية للاقتصاد والسياسة التركية حيث أنتج, منذ بواكير حكمه, صعودا اقتصاديا مذهلا رفع سعر الليرة التركية بشكل غير مسبوق دون أن يضر بصادرات تركيا وسياحتها.

ومع أن الغلاء الذي اجتاح دول الجوار الأوروبي بعد اعتماد العملة الأوروبية الموحدة خدم هذا النصر المزدوج النادر الحدوث, فإن مكون الإنجاز الداخلي الإصلاحي يفوق كثيرا أثر الصدفة.

فأساس العيب لم يكن في العملة الأوروبية الموحدة التي كان صعودها متوقعا منذ البداية, ولا في الدولار الذي كان ولا يزال عملة العالم الرئيسية.

العيب كان في غياب النزاهة المضطرد عن سياسات أميركا وأوروبا المتماهية مع مصالح الفساد الرأسمالي المعولم, مما أسقط اقتصاداتها الكبرى وعملاتها الرئيسية هذه السقطة المروعة في العامين المنصرمين لصالح الصين وتركيا بشكل رئيسي. وكلاهما, الصين وتركيا, استحقا قطف الثمرة الاقتصادية -استحقاق المزارع الصبور- ولم تقع صدفة في حضنهما.

إذا كانت نظرية ميكيافيللي تقول إن تحقيق نصر في الخارج يغطي على الفشل في الداخل.. فإن أردوغان سار خطوة أبعد بكثير من هذا حين جعل النجاح في الداخل يجلب انتصارات في الخارج, والانتصارات في الخارج تعين على تسهيل نجاحات في الداخل. وهذه بحد ذاتها حالة توافق مع الذات، قلة من يتأهلون لها وقد ظننا -أو أملنا – أن يقدر عليها أوباما.

لكن أوباما جاء مخيبا لآمال العالم كله حين سقط في ما خشيناه عليه منذ البداية, وهو إمكانية أن يخضع هذا القادم من بيئة بسيطة لأجواء جديدة وأضواء باهرة "للترهيب بالتهويل".. وهو ما حصل. فعنصر أوباما ليس سيئا, ولكن السياسة لا تناسب العظم الطري.

وقد صب فشل أوباما أيضا -وبخاصة عجزه عن الوفاء بالتزاماته للعرب في شأنين رئيسيين: الإصلاح السياسي ومقاربة للقضية الفلسطينية ولو بالحدود الدنيا للإنصاف..- لصالح صلابة أردوغان النابعة من تناغمه مع مبادئه التي من ضمنها الديمقراطية ونظافة اليد والمواقف المنصفة سياسيا وإنسانيا من القضية الفلسطينية, التي هي قضية العرب الأولى ومفتاح قيادة العالم العربي والإقليم بأبعد من حدود العالم العربي.

وقد جرت محاولة مشابهة "لترهيب" أردوغان "بتهويل" متطلبات دخول الاتحاد الأوروبي لدولة مسلمة كانت تعتبر "عالمثالثية", حين جدد طلب تركيا الانضمام للاتحاد. ولكن الرجل لم ينتكس للرفض ولم ينصع لإملاءات التأهل بتبعية, بل اختار طريقه هو في تأهيل تركيا حسب رؤيته, مستعيدا خياراته البديلة عن أوروبا دون أن يلغي الأخيرة من حساباته, وهي العودة للحيز الذي شغلته الإمبراطورية العثمانية.

وهو حيز ليس بغريب عن تركيا وتركيا ليست غريبة عنه, وتلك ميزة لم تملكها دول الاستعمار والنفوذ الغربي في المنطقة. وحتما لم ولن يملكه, أو يحلم بالمنافسة عليه, الكيان الصهيوني المعادي بتكوينه لخلايا أي جسم طبيعي.

"
التاريخ الآن يعيد نفسه في دورة قد تكون الأقصر في عمر الدول على الإطلاق. فخروج العثمانيين من المنطقة العربية لم يتأت بفعل الثورة العربية, على صدق تضحيات عرب كثر دفعوا أرواحهم وأبناءهم في سبيلها, بل جاء لأن تركيا كانت قد فقدت مقومات قوتها من الداخل حد استحقاقها لقب "الرجل المريض"
"

التاريخ الآن يعيد نفسه في دورة قد تكون الأقصر في عمر الدول على الإطلاق, وتحت سمع وبصر وفي متناول يد من يعي مرارة الدرس. فخروج العثمانيين من المنطقة العربية لم يتأت بفعل الثورة العربية, على صدق تضحيات عرب كثر دفعوا أرواحهم وأبناءهم في سبيلها, بل جاء -حسب اعتراف تضمنته حتى كتب التاريخ المدرسية الأردنية– لأن تركيا كانت قد فقدت مقومات قوتها من الداخل حد استحقاقها لقب "الرجل المريض".

والآن مجمل دول المنطقة العربية "رجال مرضى" فساد وعسف وجهل وغياب شرعية, باستثناءات محدودة من علامات صحتها قدرتها على الحراك الذاتي, مما أنتج تقاربها مع تركيا بدرجات من التحالف تؤشر على بعض الندية.

ففي حين يعود التقارب السوري التركي لأكثر من عقد ويشهد نقلة نوعية في عهد بشار الأسد ورجب طيب أردوغان, نجد الرئيس المصري بالمقابل يقوم في الأيام الأولى للحرب الإسرائيلية على غزة, ولأغراض سحب البساط من تحت مبادرة قطر، بالدعوة لقمة عربية لأجل غزة، وقطعا للطريق على دول الممانعة, بزيارة أنقرة.

وقد قلنا حينها إن هذا استدعاء مصري "للباب العالي" بعد أن أدار محمد علي ظهره له ليؤسس لنهضة مصر الحديثة بصورة مستقلة.. وهذا ما جرى فعلا.

فمصر كانت قد أغلقت معابرها مع غزة قبل الحرب التي تعمدت ليفني إعلانها من القاهرة قبل يوم واحد من شنها. وغزة هذه كانت في عهدة مصر منذ العام 1948 وحتى احتلالها عام 1967, مما يجعل مصر مسؤولة عن تحريرها بقدر مسؤوليتها عن تحرير سيناء.

وخطوة مبارك تلك لم تبرئ مصر من مسؤوليات دولة الجوار في حالات الحرب والحصار، حسب القانون الدولي, ولكنها خطوة تساوي تسليم مصر لتركيا طوعا بأية بقايا لدور مصر العربي. والمفارقة هنا ليست فقط في أن سعي مصر لإدخال تركيا على خط غزة أدى لتقوية دور محور الممانعة, وأن ما تحقق مؤخرا على يد تركيا قوّى تحديدا وبشكل كبير الحلقة الأضعف في ذلك المحور والمتمثلة في حماس المحاصرة في غزة.

بل المفارقة "التاريخية" الأهم أن هذا أدى لكشف أفدح لحال "الرجل المريض" في مصر تحديدا, وبصورة درامية تعيدنا للحظة خروج تركيا العثمانية من مصر كبداية لخروجها من العالم العربي كله.

فخروج العثمانيين من مصر, أثناء الحرب العالمية الأولى, كان في معركة على الحدود المصرية مع غزة, وبتواطؤ من اليهود الذين زودوا الجيش البريطاني بغاز الخردل في معركة غزة, في رد يهودي "نموذجي" لأفضال العثمانيين الذين أنقذوا اليهود من المذابح المسيحية ضدهم في الأندلس ودمجهم في الإمبراطورية العثمانية فيما عرف بيهود "الدونمة".. وهو ما ذكّر به قبل أيام الكاتب موفق محادين.

ليست فقط قوة تركيا الصاعدة بكل تلك المقومات هي ما مكنها من مد نفوذها في منطقتنا, بل إن الفراغ السياسي شبه الكامل في المنطقة, العربي والدولي, هما ما يشكلان قوة جذب أقوى من ذلك الدفع الذاتي لتركيا.

فأوباما عجز عن الإتيان بجديد, بل وعن حصر الخسائر وترتيب الفوضى التي خلفتها مغامرات بوش. والأكثر مثارا للسخرية أن الفوضى المتعمدة التي أحدثتها كوندوليزا رايس بظن أنها تمكنها من اختلاق شرق أوسط جديد بقيادة إسرائيل وتبعية أنظمة عربية مطلوب أن تكون فاقدة للشرعية ولكل مؤهلات القيادة الأخرى, هي تحديدا ما خلقت شرق أوسط آخر بقيادة تركيا ومحور الممانعة الذي ضم سوريا وإيران وحزب الله وحماس وقطر, وبعض الدول العربية المتعاطفة على الأطراف والتي ستتشجع الآن للاقتراب من المركز.

ودخول تركيا السنية كزعامة على هذا المحور يسقط مزاعم خطر الهلال الشيعي, مع أنه يدفع باتجاه تقوية المساهمة الإيرانية في دعم نهج الممانعة من باب التنافس مع تركيا.. وهو تنافس إيجابي الحكم فيه للشارع العربي الذي حمل صور نصر الله وأردوغان إلى جانب صور الراحل عبد الناصر, والذي هو مؤشر على صدق أحكام ووفاء الشارع حتى لما بعد الموت, مما يجعل رضاه يُرتجى ولا يُشترى.

إذا كانت دعوة عمرو موسى في قمة سرت لتشكيل رابطة للجوار العربي وبدء حوار مع تركيا لتشكيل نواة لتلك الرابطة, قد قوبلت بإلإهمال الشديد.. فإن موسى والجامعة العربية بدوا في حال أشد بؤسا من الباعة المتجولين بين البيوت في محاولتهم تسويق بيان الجامعة الأخير بعد العدوان على قافلة السلام.

فرابطة الجوار قامت حقيقة دون إذن من توهموا أنهم يملكون قرار السماح أو المنع.. ومثلها تجسدت حقيقة أن سبعمائة ونيف مدني لا أكثر, منهم شباب مراهقون وشيوخ متقاعدون وبعض "رعايا" دول عربية, لا ينتظرون قرار سماح أو منع, يمكن أن يقلبوا موازين في المنطقة كان يظن أنها راسية كالجبال..

هو التغير التاريخي, إن نضج, قد لا يلزم لقطافه أكثر من سبعمائة مدني وراية حمراء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة