تركيا وإسرائيل.. ترسيخ القطيعة   
السبت 1431/12/14 هـ - الموافق 20/11/2010 م (آخر تحديث) الساعة 15:07 (مكة المكرمة)، 12:07 (غرينتش)
خورشيد دلي


 

الوثيقة الجديدة-التحول
انهيار منظومة العلاقات
مسار القطيعة

مع إقرار تركيا الوثيقة الجديدة للأمن القومي والتي صنفت إسرائيل بأنها تهديد رئيسي لأمن تركيا مقابل إزالة سوريا, وإيران وروسيا بالإضافة إلى اليونان, وجورجيا, وأرمينيا وبلغاريا جزئيا من قائمة الدول التي تعد تهديدا خارجيا لتركيا ثمة قناعة بأن العلاقات التركية الإسرائيلية ستتجه إلى المزيد من القطيعة في المرحلة المقبلة.

ولعل ما يرسخ هذه القناعة هو أن الوثيقة والتي توصف بالدستور السري للبلاد أو الكتاب الأحمر نصت للمرة الأولى في تاريخ تركيا منذ اعترافها بإسرائيل عام 1949 (كانت أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل) على اعتبار الأخيرة عنصر تهديد مركزي للأمن القومي التركي, وهذا أمر ليس ببسيط وإنما بمثابة انقلاب في مفاهيم الأمن والعلاقات الإستراتيجية.

الوثيقة الجديدة-التحول
بداية, ينبغي القول إن وثيقة الأمن القومي التركي والتي يتم وضعها من قبل القيادتين السياسية والعسكرية هي الأهم لجهة تحديد الإستراتيجيات الأمنية للسياسة التركية حيث يتم تجديدها كل خمس سنوات, واللافت في الوثيقة الحالية هو أن من وضعها هذه المرة -وللمرة الأولى في تاريخ البلاد- هو الحكومة المدنية وتحديدا من قبل الأمين العام لرئاسة الحكومة وليس الجيش كما جرت العادة خلال العقود الماضية, وهذا مؤشر قوي على أن الحكومة هي التي باتت ترسم الخطوط الحمر للدستور السري وليس جنرالات المؤسسة العسكرية الذين كانوا يشكلون عصب العلاقة القوية مع إسرائيل خلال الفترة الماضية.

"
الحكومة التركية هي التي باتت ترسم الخطوط الحمر للدستور السري وليس جنرالات المؤسسة العسكرية الذين كانوا يشكلون عصب العلاقة القوية مع إسرائيل خلال الفترة الماضية
"
في الواقع, إقرار وثيقة الأمن القومي التركي على هذا النحو من التصنيفات يشير إلى تحولين رئيسيين مترابطين, هما في غاية الأهمية. الأول: داخلي, حيث حذفت الوثيقة للمرة الأولى التيارات الإسلامية من لائحة القوى المهددة للأمن القومي وأبدلتها بالتنظيمات الدينية المتطرفة. الثاني: خارجي, إذ وضعت الوثيقة وللمرة الأولى –كما قلنا– إسرائيل في خانة الأعداء عندما صنفتها في لائحة التهديد الرئيسي للأمن القومي التركي.

وإذا كان مفهوما أن التحول الداخلي جاء في ظل سياسة حزب العدالة والتنمية الذي يحرص على تحقيق مصالحة تاريخية بين الإسلام والعلمانية في بلد كان يصنف النشاط الإسلامي في خانة التهديد والعداء, فإن على مستوى إسرائيل لا يمكن النظر إلى الأمر إلا من زاوية انهيار منظومة العلاقات الإستراتيجية التاريخية بين أنقرة وتل أبيب والتي وصلت إلى مستوى التحالف الإستراتيجي عندما وقع الجانبان على اتفاقية تعاون عسكرية غير مسبوقة عام 1996.

لقد نظر البعض إلى أن السبب في التحول إزاء إسرائيل جاء على خلفية نظرية صفر المشكلات لمنظرها البروفيسور أحمد داود أوغلو, ولكن على الرغم من أهمية هذا العامل إلا أنه غير كاف لفهم أبعاد تصنيف إسرائيل في خانة المهدد للأمن القومي التركي, فلا يعقل بالنسبة لدولة مثل تركيا تتطلع إلى أن تكون مركزية ومؤثرة أن تقوم بهذا الأمر لمجرد أنها تطبق هذه النظرية, خاصة وأن إسرائيل تبقى دولة مهمة بالنسبة لتركيا لأسباب تتعلق بالحاجة إلى خبرتها المتطورة من جهة, ومن جهة ثانية لأهمية هذه العلاقة ودورها في تحديد طبيعة العلاقات التركية الأميركية وبالتالي السياسات الأميركية تجاه القضايا التركية.

انهيار منظومات العلاقات
في الواقع, لا يمكن النظر إلى ما جاء في وثيقة الأمن القومي التركي على أنه مجرد أزمة جديدة من نوع ما جرى بين رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان والرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز في دافوس أو حتى من نوع الاعتداء الإسرائيلي على أسطول الحرية في البحر المتوسط وقتل تسعة ناشطين أتراك كانوا على متنها, وإنما جاءت تعبيرا عن اقتراب هذه العلاقة من لحظة الانهيار الإستراتيجي بفعل تراكم الأزمات وتناقض السياسات وأثر دور المتغيرات والمصالح.

ولعل هذا ما يفسر الرد الإسرائيلي على الوثيقة والذي كان أشبه بصدمة إستراتيجية خاصة في ظل قناعة إسرائيلية بأن تركيا ستتخذ خطوات إضافية كلما اقترب موعد الانتخابات البرلمانية المقررة في يوليو/ تموز المقبل.

في الواقع, ما جاء في وثيقة الأمن القومي كان تعبيرا عن وصول العلاقات التركية الإسرائيلية إلى نقطة الانهيار, وهو ما يعني جملة من الوقائع التي ينبغي التوقف عندها:

1- إخفاق الجهود الإسرائيلية والأميركية التي بذلت طوال الفترة الماضية لإعادة العلاقات بين أنقرة وتل أبيب إلى سابق عهدها, خاصة في ظل تمسك أنقرة بشروطها بشأن قضية الاعتداء على أسطول الحرية ولاسيما تقديم إسرائيل اعتذارا علنيا لها عن ذلك. الآن وبعد صدور الوثيقة الجديدة يبدو من الصعب جدا إن لم يكن من المستحيل إصلاح هذه العلاقة كما يحرص الجانب الإسرائيلي.

"
وثيقة الأمن التركية التي وضعت إسرائيل في خانة التهديد الخارجي لتركيا جاءت تعبيرا عن اقتراب هذه العلاقة من لحظة الانهيار الإستراتيجي بفعل تراكم الأزمات وتناقض السياسات
"
2– إن أحد تجليات انهيار منظومة العلاقات التركية الإسرائيلية توجه كل طرف إلى البحث عن بديل للآخر في قضايا الأمن الإستراتيجي والعسكري, وما المناورات التركية الصينية مؤخرا والتي كانت الأولى في تاريخ البلدين مقابل المناورات الإسرائيلية اليونانية الأخيرة إلا تعبير عن هذا الانهيار, رغم قناعة إسرائيل بأن اليونان لن تكون بديلا حقيقيا عن خسارتها لتركيا نظرا للفوارق بين الجانبين ولأهمية تركيا في إستراتيجية إسرائيل تجاه كل من سوريا وإيران والعراق.

3- إن الوثيقة الجديدة تتطلب من تركيا انتهاج سياسات أمنية لا تستفيد إسرائيل منها, ولعل هذا ما يفسر أحد شروطها للانخراط في مشروع نشر الدرع الصاروخي الأميركي على الأراضي التركية في إطار السياسات الأمنية العامة للحلف الأطلسي بأن لا تصل المعلومات إلى إسرائيل أو تستفيد منها.

4- تناقض السياسات, فمع تراكم الأزمات بين الجانبين بدأ مسار العلاقة يأخذ شكل الصدام أو الضد, إذ أن تركيا باتت تتهم إسرائيل بتقديم الدعم لحزب العمال الكردستاني علما أن الطرفين تعاونا في السابق ضده بل إن الموساد الإسرائيلي هو من اعتقل زعيم الحزب عبد الله أوجلان في العاصمة الكينية نيروبي عام 1999 ومن ثم سلمه لجهاز مت التركي, في المقابل تتهم إسرائيل تركيا بتقديم الدعم لحركة حماس انطلاقا من البعد الأيديولوجي وسط حالة تعبئة إسلامية في الشارع التركي ضد إسرائيل, وفي العمق تخشى الأخيرة من ظهور عمق إسلامي يضم إلى جانب تركيا كلا من سوريا وإيران ودول أخرى, يشكل سندا حقيقيا للحركات الإسلامية المقاومة في المنطقة ولاسيما حركتا حماس والجهاد وحزب الله.

مسار القطيعة
ربما راهنت إسرائيل في المرحلة الماضية على أنها ستتمكن في لحظة ما من إصلاح علاقاتها مع تركيا سواء بالاعتماد على قدراتها الخاصة أو على قدراتها حليفتها أميركا, لكن من الواضح, أن التعديلات التي طرأت على وثيقة الأمن القومي بدأت تغير من هذه القناعة, وهي تعديلات تعكس حقيقة سياسة حزب العدالة والتنمية التي تقوم بإعادة صوغ السياسة التركية في الداخل والخارج, وهي تعديلات تعبر عن تغير جوهري في السياسة التركية وأولوياتها وخياراتها, وبالتالي النظرة المستقبلية للعلاقات مع دول المنطقة وكيفية بناء المصالح الإستراتيجية.

في الواقع, إذا كان مسار السياسة التركية منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم إثر فوزه الكبير في انتخابات عام 2002 كان مسارا للتوتر والأزمات مع إسرائيل وتراجع نفوذ الجيش في الداخل وإعادة صوغ الخيارات السياسية التركية على شكل موازنة بين علاقاتها المتينة مع الغرب تاريخيا وبين مصالحها المستجدة مع العالمين العربي والإسلامي، فإنه يمكن القول إن مع الوثيقة الجديدة للأمن القومي التركي دخلت العلاقات التركية الإسرائيلية مرحلة مغايرة لما سبق, لعل من أهم معالمها خسارة إسرائيل لحليف وصف بالإستراتيجي طوال العقود الماضية, وأمام فشل الجهود التي بذلت خلال المرحلة الماضية لإصلاح العلاقة بين الجانبين من الواضح أنها دخلت مرحلة ترسيخ القطيعة على خلفية تناقض المصالح والتحول في المفاهيم الإستراتيجية حيث نتج عن هذا التحول حالة من الصدام أو الاشتباك الأمني والسياسي.

"
معظم قضايا المنطقة والتي كانت إسرائيل وتركيا تتعاونان في السابق بشأنها تحولت الآن إلى قضايا خلافية تفاقم من أزمة العلاقة بين الجانبين
"
وحقيقة, باتت مراكز الدراسات الإسرائيلية ترى أنه في ظل البعد الأيديولوجي لحزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان وخيبة الأمل التركية من نيل العضوية الأوروبية... فإن تركيا بدأت تنفك عن منظومة علاقاتها التقليدية المرتبطة بالغرب وإسرائيل لصالح تعزيز علاقاتها مع الدول العربية والإسلامية, وما تصويتها بـ (لا) في مجلس الأمن ضد فرض عقوبات إضافية على إيران وتنامي علاقاتها مع سوريا والتي وصلت إلى حد إجراء مناورات عسكرية مشتركة نهاية عام 2009 مقابل إلغاء مناورات عسكرية مع إسرائيل... ما هي سوى أدلة متزايدة على أن مسار العلاقة مع إسرائيل يتجه نحو ترسيخ القطيعة.

وفي مسار هذه العلاقة تخشى إسرائيل من أن تبادر تركيا سريعا إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية إذا ما تم الإعلان عنها قريبا سواء بشكل أحادي أو عن طريق الأمم المتحدة, كما تخشى من أن يثمر التقارب مع سوريا وإيران عن ضم العراق لاحقا إلى هذا العمق على شكل تحالف إقليمي من شأنه أن يقوي من موقف قوى المقاومة في المنطقة.

وعليه فإن معظم قضايا المنطقة والتي كانت إسرائيل وتركيا تتعاونان في السابق بشأنها تحولت الآن إلى قضايا خلافية تفاقم من أزمة العلاقة بين الجانبين, وفي الأفق باتت إسرائيل تخشى من أن يبادر أردوغان إلى قطع هذه العلاقة مع استحقاق الانتخابات البرلمانية التركية ليكون ذلك تغيرا فعليا في ميزان العلاقات الإستراتيجية في المنطقة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة