أجواء "التشاؤل" الملبدة بالغيوم السياسية   
الجمعة 1435/3/2 هـ - الموافق 3/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 14:34 (مكة المكرمة)، 11:34 (غرينتش)
علي بدوان

غيوم "التشاؤل" السياسية
طريق التسوية المأزومة 
الوليد المشوه
كلمة الناس هي العليا

نودع العام الميلادي 2013 والأجواء العامة في منطقة الشرق الأوسط مكفهرة وملبدة بالغيوم والضباب، غيوم النعم الماطرة وموجات منخفض (أليكسا) الذي ضرب قبل أيام منطقة بلاد الشام وعموم المشرق العربي، كزائر طبيعي في عز فصل الشتاء، وهو يحمل الخير والثلج والبركة في منطقة تعج بالمآسي والأزمات وصقيع الموت البطيء الذي يلاحق من فقد منزله أو مصدر رزقه وحياته.

وفي المقدمة من هؤلاء فلسطينيو سوريا أبرز الضحايا المنسيين في أزمات المنطقة العربية، المنسيين من قبل قياداتهم الوطنية وإطاراتهم الشرعية التي لم تقم حتى الآن بالدور المطلوب والمنشود من أجل بلسمة جراحهم، ومساعدتهم على الخروج من محنتهم.

غيوم "التشاؤل" السياسية
والأهم من ذلك أن أجواء المنطقة ملبدة بالغيوم السياسية الكثيفة التي تملؤها، وهي تحمل في طبقاتها الكثيفة الكثير من نذر ما هو قادم في منطقة حبلى بالمتغيرات المتوقعة على كل المستويات، خاصة على صعيد الملفات الشائكة التي شغلت العالم بأسره طوال العام 2013.

الحالة العربية الراهنة تعيش مرحلة مخاضات كبرى لا نستطيع التنبؤ بمولودها القادم في العام الجديد، هل سيكون مولودا شرعيا وناضجا، أم مولودا مشوها يجلب معه المزيد من المآسي والأزمات والانتكاسات؟

وفي صدارة هذه الملفات ما يجري في بعض بلداننا العربية من مصر إلى غيرها، وما يجري منها أيضا على المسار التفاوضي الفلسطيني "الإسرائيلي" في ظل استمرار التسوية المختلة بخطواتها العرجاء وهي تسير متكئة على معادلة بعيدة جدا عن التوازن.

أجواء المنطقة الملبدة بتلك الغيوم السياسية لا تبشر كثيرا بالخير الواعد، ولا تثير التفاؤل، كما أنها لا تثير التشاؤم الكبير في الوقت نفسه، بل تثير حالة من التشاؤل (مزيج من التشاؤم والتفاؤل) على حد التعبير البليغ للكاتب الفلسطيني إميل حبيبي قبل أربعة عقود خلت.

ومرد ذلك يعود لحجم التعقيدات الكبرى التي ما زالت تلف الأزمات المشتعلة في المنطقة والمتداخلة مع بعضها بعضا، والمستعصية في الوقت نفسه، وسوء الأداء العربي الرسمي والشعبي في معمعان تلك الأزمات، والواقع خير شاهد على ما ذهبنا إليه.

وبالطبع، فإن الحالة الإقليمية العربية الواقعة في الوقت الراهن تحت سقف الأزمات العميقة تعيش مرحلة مخاضات كبرى لا نستطيع التنبؤ بمولودها القادم في العام الجديد، هل سيكون مولودا شرعيا وناضجا في الوقت نفسه، أم سيكون مولودا مشوها سيجلب معه المزيد من المآسي والأزمات والتداعيات والتراجعات والانتكاسات؟

فما يجري في مصر -على سبيل المثال- لا يؤشر على خلاص قريب وعلى خروج متوقع من عاصفة ما يجري في ظل الفصول المتتالية من التداعيات التي جرتها عملية الانقلاب على الديمقراطية التي تم وأدها في مهدها، في مأساة تلخص حال المسار الصعب الذي ما زال يعترض طريق التحول الديمقراطي المنشود في عالمنا العربي.

طريق التسوية المأزومة
أما طريق التسوية المأزومة -على مسارها الفلسطيني "الإسرائيلي"- فباتت اليوم في مرحلة تراها الإدارة الأميركية (وهي واهمة بكل تأكيد) مرحلة "قطف الثمار" بعد إعلان وزير الخارجية الأميركي جون كيري عن التوصل لصيغة "الترتيبات الأمنية" مؤخرا، فيما يراها الشعب الفلسطيني وأغلبية قواه الحية والموجودة على الأرض محاولة "كسر وإخضاع للفلسطينيين".

فقد تأتت تلك الصيغة السيئة الذكر والمسماة بصيغة "الترتيبات الأمنية" في ظل حالة "انعدام الوزن" عند الطرف الفلسطيني الواقع تحت المطرقة "الإسرائيلية" والسندان الأميركي، وابتزاز الدول المانحة التي تغطي رواتب العاملين في عموم أجهزة ومرافق السلطة الوطنية الفلسطينية.

فالإدارة الأميركية وبالتوافق الكامل والتام مع حكومة بنيامين نتنياهو تأمل في تمرير صفقة صيغة "الترتيبات الأمنية" التي تم الكشف عنها مؤخرا، وهي الصيغة الأخطر منذ توقيع اتفاق أوسلو الأول في حديقة البيت الأبيض في سبتمبر/أيلول 1993 نظرا لما تقدمه من مكاسب هائلة لم تكن لتحلم بها أي حكومة "إسرائيلية".

طرحت صيغة  "الترتيبات الأمنية" في ظل حالة "انعدام الوزن" عند الطرف الفلسطيني الواقع تحت المطرقة "الإسرائيلية" والسندان الأميركي وابتزاز الدول المانحة لرواتب العمال الفلسطينيين

فقد جاءت تلك الصيغة -التي سُربت المعلومات العريضة والواضحة عنها من قبل الطرفين الأميركي و"الإسرائيلي"- بعد أن عقد الوفدان المتفاوضان الفلسطيني و"الإسرائيلي" أكثر من عشرين لقاء تفاوضيا منذ نهاية يوليو/تموز الماضي، إلا أن عملية الصياغات النهائية التي أعطت وأنتجت ورقة "الترتيبات الأمنية" تمت عمليا من وراء ظهر الطرف الفلسطيني الرسمي، وبالتوافق بين الطرفين الأميركي و"الإسرائيلي".

إنها صيغة ترتيبات أعدتها وصاغتها الإدارة الأميركية بين السلطة الفلسطينية والاحتلال (دون الرجوع للطرف الفلسطيني أصلا) في إطار ما يسمى "التسوية الدائمة" كتقاطعات تم التوافق عليها من الوجهة الأميركية، وهي ترتيبات تمس مسألة حدود العام 1967 أو (خط الهدنة) بما يضمن ضم الكتل الاستيطانية التهويدية المقامة فوق أراضي سلسلة الجبال في الضفة الغربية ومحيط القدس الشرقية وداخل أحيائها وتوسيع تلك الكتل بما يضمن إلحاق مستعمرات جديدة بها، أي ضمان بقاء (٨٥٪) من المستعمرات والكتل الاستيطانية المقامة فوق أراضٍ من الضفة الغربية مع "إسرائيل".

وبالتالي إخراج موضوع المستعمرات المقامة فوق الأراضي المحتلة عام 1967 ومعها منطقة القدس الشرقية من التداول، إضافة الى السعي لإبقاء منطقة الأغوار الفاصلة بين حدود الضفة الغربية والأردن بقسمها الأكبر وبعض المرتفعات الغربية والقدس وجوارها تحت السيطرة الأمنية "الإسرائيلية" تحت دعاوى مختلفة، منها (استئجارها لسنوات طويلة جدا) وفقا للضرورات التي باتت تراها الإدارة الأميركية حتى لو تطلب الأمر منها نشر قوات أميركية أو أممية في مسار التسوية النهائية.

الوليد المشوه
وعليه، فإن الإدارة الأميركية ممثلة بشخص وزير خارجيتها وفريق التفاوض المتواجد في المنطقة تتبنى الرؤية "الإسرائيلية" والقائمة على الحل الأمني في مشروع إطار لحل أمني انتقالي مدته (15) عاما مع بقاء السيطرة "الإسرائيلية" على المواقع والنقاط العسكرية الحالية في منطقة الأغوار الفاصلة بين الأردن وفلسطين والطرق الموصلة إليها، ومع وجود محطات الإنذار المبكر على جبال الضفة الغربية وإقامة إدارة مشتركة للمعابر مع الأردن وتسيير دوريات مشتركة على الحدود معه.

وذلك يعني إعادة تموضع ميدانية للاحتلال بغطاء سياسي تمثلها تلك المقترحات الجهنمية المسماة
بـ"الترتيبات الأمنية".

وبالنتيجة، إن واشنطن تريد مع أجواء المنطقة المكفهرة والمبلدة بالغيوم السياسية مع نهايات العام 2013 أن تؤسس لمرحلة تالية في مسار عملية التسوية المختلة على أن تنتهي خواتيمها (ببصمة وبتوقيع فلسطيني رسمي) على الحل الأمني الانتقالي مع نهاية الربع الأول من العام 2014، ولكن أين نحن من ذلك!

يقينا، إن مخاض تلك الجهود الأميركية سيكون مخاضا عسيرا لوليد مشوه، لن يقبل به الشعب الفلسطيني أو أي من قواه السياسية بما في ذلك الصف العريض من مناضلي وأعضاء وكوادر حركة فتح.

على السلطة رفض المقترحات الأميركية "الإسرائيلية" الأخيرة المبوبة تحت عنوان "الترتيبات الأمنية" والحل الانتقالي الأمني، وعليها مصارحة شعبها بفحواها وخطورتها وعدم إبقائها طي الكتمان

الشعب الفلسطيني لن يستكين تحت طبقات اليأس والإحباط، وانتفاضاته -التي هزت العالم وغيرت من معطيات التسوية ومفاوضاتها- قابلة للتجدد على الرغم من الصعاب والالتواءات الكبرى، لتحطم على صخرتها وصخرة النهوض الشعبي العارم أشلاء أي اتفاقيات مذلة، حيث لا يمكن تبليعه صيغة جديدة في متواليات من التفاهمات والاتفاقيات التي ثبت عقمها.

كلمة الناس هي العليا
إن الشعب الفلسطيني -الذي أظهر في أكثر من محطة فارقة في مشواره الوطني الاحتياطي الهائل للشجاعة والجرأة والإقدام والاستعداد للتضحية من أجل حريته، والذي اعتقد أعداؤه أنه أخمد أو استكان تحت طبقات من اليأس والتراجعات المتكررة الناجمة عن الاتفاقات البائسة المتلاحقة وسياسات البطش والابتزاز "الإسرائيلية" والتدهور العام في أوضاعه الحياتية والاقتصادية، واستمرار تفكك وتراجع الوضع العربي المحيط- قادر على الخروج إلى الشارع ليقول مرة تلو المرة وبقوة فولاذية: لا شيء يمكن أن يمر من وراء ظهره، وعلى حساب حقوقه الأساسية.

وهو ما يفرض على السلطة الفلسطينية رفض المقترحات الأميركية "الإسرائيلية" الأخيرة المبوبة تحت عنوان "الترتيبات الأمنية" والحل الانتقالي الأمني، وعليها مصارحة شعبها بفحواها وخطورتها وعدم إبقائها طي الكتمان، والتوجه للأمم المتحدة والانضمام لمؤسساتها، خصوصا محكمة الجنايات الدولية لمحاسبة "إسرائيل" ومحاكمتها على جرائمها بحق الشعب الفلسطيني.

وبالمحصلة، ونحن نودع العام 2013 المخضب والمثخن بالأزمات، نستقبل عاما جديدا قد لا نرى فيه حلولا ناجعة لما يجري في منطقتنا، فمآسي العام 2013 ستجرجر ذيولها بانتظار توافقات وتفاهمات لابد أن تكون فيها كلمة الناس والشارع هي الكلمة العليا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة