الأسير الفلسطيني.. مقاومة مستمرة وحقوق مصادرة   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم: ياسر الزعاترة*

-أرقام فلكية بعد انتفاضة الأقصى
-
الانتهاكات التي يتعرض لها المعتقلون
-
السجون الإسرائيلية.. قبور وجامعات
-مواجهة داخل السجون

تعد سياسة الاعتقال أو الأسر واحدة من السياسات القمعية التي استخدمها الاحتلال الإسرائيلي بضراوة لإخضاع الشعب الفلسطيني ودفعه إلى التراجع أمام آلة البطش التي يستخدمها. وتهدف هذه السياسة إلى إذلال السجناء وذويهم ودفعهم إلى التفكير ملياً قبل اللجوء إلى العمل المقاوم ضد الاحتلال، ومن ثم إبعاد الناس عنه وتحطيم معنويات الشعب بأكمله. يضاف إلى ذلك أن الاحتلال وجد في سياسة الأسر فرصة لإسقاط العديد من الشبان في وحل العمالة واستخدامهم ضد شعبهم وقواه المقاومة.

مر على معتقلات العدو خلال عقود من الاحتلال مئات الآلاف من الشبان والرجال الفلسطينيين، ولا شك في أن الانتفاضة الأولى التي اندلعت نهاية عام 1987 قد شكلت علامة بارزة في سياسة الاعتقال، فقد مر على المعتقلات الصهيونية خلالها حوالي 200 ألف معتقل على تفاوت مدد اعتقالهم، وكان الاعتقال الإداري (دون محاكمة) سمة مميزة لتلك الاعتقالات.

قبل انتفاضة عام 87 وحتى عام 1991 كان معتقلو فتح يشكلون العدد الأكبر من المعتقلين في سجون العدو، لكن الأمر بدأ يتحول إثر دخول "حماس" ومعها الجهاد على خط المقاومة المسلحة، إلى أن تطور الأمر إثر اتفاق أوسلو ودخول فتح في إطار السلطة حيث بات معتقلو "حماس" هم العدد الأكبر. وكان الاتفاق قد نص على الإفراج عن الأسرى بالتدريج لكن الاحتلال لم يلتزم بذلك حيث بقي عدد لا بأس به من معتقلي فتح داخل السجون لكنهم ظلوا أقل عدداً قياساً بمعتقلي حماس والجهاد حتى عادت فتح إلى المقاومة إثر اندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر/ أيلول 2000.

أرقام فلكية بعد انتفاضة الأقصى

جاءت انتفاضة الأقصى علامة بارزة في سجل النضال الفلسطيني، وفيها ارتفع كثيرا عدد الأسرى الذين لم يتجاوز عددهم قبل بدئها 1500 معتقل، لكن العمليات المستمرة والاجتياح الإسرائيلي لمدن الضفة الغربية وبعض مناطق قطاع غزة قد رفع العدد إلى مستوى عالٍ جداً لا سيما بعد عمليتي "السور الواقي" و"الطريق الحازم".

وتشير الإحصاءات المتوفرة -والتي لا يمكن تأكيد دقتها نظراً للاعتقالات اليومية وكذلك الإفراجات- تشير إلى أن عدد المعتقلين الآن في سجون العدو يتراوح ما بين ستة وسبعة آلاف أسير يتوزعون على مختلف السجون الصهيونية، ربما كان نصفهم موجودين في المعتقلات الجديدة الثلاثة (عوفر، كتيسعوت أو "أنصار" ومجدو) وفيها أكثر من ثلاثة آلاف معتقل، ويتوزع الباقون على المعتقلات الأخرى.


الأسرى لا يضيعون وقتهم أبداً، فهم في علم ونشاط دائم، وثمة بينهم من انتسب إلى الجامعة العبرية حيث يتاح لأصحاب الأحكام العالية أن ينتسبوا إلى الجامعة العبرية المفتوحة
الأسيرات النساء

حسب آخر الإحصاءات فإن هناك 40 أسيرة يقبعن في زنازين الاحتلال منهن ثماني أسيرات وضعن في عزل انفرادي. وتعاني السجينات الفلسطينيات في سجن "نفي ترتيسا" من أوضاع اعتقالية سيئة جداً بسبب احتجازهن مع سجينات جنائيات إسرائيليات متهمات بقضايا دعارة ومخدرات مما يعرضهن للمضايقات الشديدة، كما تقوم إدارة السجن بممارسة أبشع الانتهاكات بحقهن مثل مصادرة ملابسهن وأدواتهم وعزلهن في زنازين انفرادية وحرمانهن من الخروج إلى "الفورة" وهي فترة "النقاهة" داخل ساحة السجن، فضلاً عن حرمانهن من المواد الغذائية والكتب وأجهزة الراديو والتلفزيون. وقد تم نقل بعضهن إلى "سجن أبو كبير" وهو سجن جنائي غير مخصص للسجناء السياسيين والأمنيين.

.. والأطفال أسرى
أما الأطفال فلهم حكايتهم أيضاً حيث يقبع منهم حتى الآن في سجون العدو ما يقرب من 170 أسيراً، مع العلم بأن الأطفال الذين تعرضوا للاعتقال لمدد صغيرة يعدون بالآلاف، ويعد ذلك مخالفة صريحة لكل القوانين والشرائع الدولية الخاصة بالأطفال، تلك التي لا يلقي لها الاحتلال بالاً. ويتعرض الأطفال لمختلف أشكال الانتهاكات التي يتعرض لها إخوانهم الكبار في السجون، وهم موجودون في قسم خاص في سجن مجدو، وآخر في سجن تلموند.

.. ومن عدة جنسيات
إضافة إلى ذلك هناك بضع عشرات من الأسرى العرب أكثرهم من اللبنانيين والأردنيين إضافة إلى جنسيات أخرى، وهؤلاء موزعون على أكثر من سجن وبعضهم يدخل ضمن إطار الفصائل الفلسطينية أو لهم وضعهم الخاص مثل بعض الأسرى اللبنانيين وخاصة الشيخ عبد الكريم عبيد والشيخ مصطفى الديراني.

الانتهاكات التي يتعرض لها المعتقلون


هناك نوع من الفصل بين المعتقلين حسب انتمائهم التنظيمي رغم أن الصلة بينهم تحدث أثناء "الفورة" وعبر الاتصال بالطرق الخاصة، إضافة إلى تنسيق الأعمال واللجان الممثلة للمعتقلين أمام إدارات السجون التي تتعامل معهم كفصيل واحد حيناً وكفصائل أحياناً أخرى
هناك أشكال عديدة من الانتهاكات التي يتعرض لها المعتقلون في مختلف السجون الإسرائيلية وزنازين الاستخبارات العسكرية وإن تفاوتت حدتها بين سجن وآخر، سواء لجهة سياسة إدارة السجن أو -وهذا هو الأهم- لجهة السجن نفسه والإمكانات التي يوفرها كمبنى ومرافق. وفي الإجمال فإن أبرز الانتهاكات هي ما يلي:

التعذيب:
يعد التعذيب واحداً من أبرز انتهاكات حقوق الإنسان التي يتعرض لها المعتقلون لا سيما في الأسابيع الأولى للتحقيق معهم بعد الاعتقال والتي عادة ما تتم في زنازين دوائر الاستخبارات العسكرية الموزعة في طول البلاد وعرضها. يحدث ذلك رغم الإدانات المستمرة لهذا النوع من السلوك في انتزاع الاعترافات، ورغم قرار ما يسمى محكمة العدل العليا الإسرائيلية في عام 1999 الذي يحد من أساليب التعذيب. وتعتبر الدولة العبرية الوحيدة في العالم التي تجيز التعذيب وتصدق عليه بعد أن صدق "الكنيست" على تقرير لجنة "لانداو" والذي ينص في أحد مواده على "التركيز على أساليب الضغط النفسي في الأساس وليس الضغط الجسدي واستخدام الحيلة، وإذا فشلت هذه الأساليب فلا مانع من استخدام الضغط الجسدي بدرجة معقولة"، مع أن هذه "الدرجة المعقولة" لم تمنع استشهاد بعضهم أثناء التعذيب وخروج الكثير منهم بإعاقات دائمة.

أما أساليب التعذيب التي اشتهرت بها زنازين العدو ولا تزال مستمرة إلى الآن، بل ازدادت شراسة خلال انتفاضة الأقصى لا سيما مع نشطاء العمل العسكري والأجنحة المسلحة للفصائل، فهي على النحو التالي:

  • تغطية الوجه والرأس: حيث يتعرض الأسير لتغطية وجهه بكيس قذر مما يؤدي إلى تشويش الذهن وإعاقة التنفس.
  • الشبح: أي وقوف أو جلوس الأسير في أوضاع مؤلمة لفترة طويلة وغالباً ما يتم إجلاس الأسير على كرسي صغير لا تتجاوز قاعدته 25 سم × 25 سم وارتفاعه حوالي 30 سم وتقييد يديه إلى الخلف.
  • الحرمان من النوم: حيث يحرم الأسير من النوم لفترات طويلة.
  • الحبس في غرفة ضيقة: حيث يحبس الأسير في زنزانة ضيقة جداً يصعب فيها الجلوس أو الوقوف بشكل مريح.
  • الحرمان من الطعام: حيث يحرم الأسير من بعض الوجبات الغذائية إلا بالقدر الذي يبقيه حياً ولا يتم إعطاء الأسير الوقت الكافي لتناول الطعام.
  • الضرب المبرح: حيث يتعرض الأسير للصفع والركل والخنق والضرب على الأماكن الحساسة والحرق بأعقاب السجائر والتعرض للصدمات الكهربائية.
  • التعرض للموسيقى الصاخبة: حيث يتعرض الأسير للموسيقى الصاخبة التي تؤثر في الحواس.
  • التهديد بإحداث إصابات وعاهات: حيث يتم تهديد الأسير بأنه سوف يصاب بالعجز الجسدي والنفسي قبل مغادرة التحقيق.
  • الحط من كرامة الأسير: حيث يرغم الأسير على القيام بأمور من شأنها الحط من كرامته.
  • تهديد الأسير بالاغتصاب والاعتداء الجنسي عليه أو على زوجته وذويه.
  • اعتقال الأقارب من أجل الضغط على الأسير.
  • حبس الأسير مع مع مجموعة من العملاء الذين يعملون لحساب المخابرات الإسرائيلية.
  • أُسلوب الهز: حيث يقوم المحقق بالإمساك بالأسير وهزه بشكل منظم وبقوة وسرعة كبيرة من خلال مسك ملابسه بحيث يهتز العنق والصدر والكتفين الأمر الذي يؤدي إلى إصابة الأسير بحالة إغماء ناتجة عن ارتجاج في الدماغ.
  • عرض الأسير على ما يسمى بجهاز فحص الكذب.
  • تعريضه لموجات باردة شتاء وموجات حارة صيفاً أو كلاهما معاً.
  • حرمان الأسير من قضاء الحاجة.
  • إجبار الأسير على القيام بحركات رياضية صعبة ومؤلمة (وضع القرفصاء أو جلسة الضفدع لفترة طويلة، وفي حالات يضع المحقق الكرسي لضمان عدم تحرك السجين).

منع زيارة المحامين:
تعد هذه القضية انتهاكاً لحقوق الأسرى الفلسطينيين، وإن لم تكن واحدة من الانتهاكات المهمة في عرفهم رغم أهميتها بالنسبة للكثير من المعتقلين الإداريين الذين لا يعرفون تهمهم ولا متى سيخرجون، على اعتبار أن الاعتقال لمدة ثلاثة أشهر أو ستة أشهر قد يمدد لشهور أخرى من دون توقف.

الاعتقال الإداري:
يعد هذا النوع من الاعتقال كما أشير في السطور السابقة واحداً من أبشع الانتهاكات لحقوق الإنسان، وقد عرف على نحو لافت للنظر خلال الانتفاضة الأولى عام نهاية العام 1987، وازداد أيضاً إبان انتفاضة الأقصى، ويقوم هذا النوع من الاعتقال على احتجاز المتهمين ممن لا أدلة تدينهم لثلاثة أو ستة شهور مع إمكانية تجديدها لمرات عديدة من دون إبداء الأسباب.

انعدام الرعاية الصحية:

يعيش المعتقلون في زنازين العدو في أسوأ وضع من زاوية الرعاية الصحية، حيث تغيب المقومات الدنيا من هذه الرعاية، بل إن حبوب المسكن العادية هي الدواء المتاح لأسوأ أنواع الأمراض. وإذا تم نقل بعضهم إلى المستشفيات فإن الأمر يغدو أكثر سوءا. ولعل قصة المستشفى التابع لسجن الرملة يشكل المثال الأوضح على ذلك، فالمستشفى يعد أسوأ من المعتقلات، وهو يستخدم الأطباء والممرضين في الضغط على المعتقلين وانتزاع اعترافاتهم ومساومتهم وإسقاط بعضهم في العمالة أحياناً، وذلك عن طريق مساومتهم على أوضاعهم الصحية الحرجة.

العزل:
يشكل العزل واحداً من أسوأ الانتهاكات بحق الأسرى، فالسجن الجماعي أرحم ألف مرة من وضع السجين في غرفة باردة رطبة معزولة عن الكون بأسره يقضي كل حاجاته داخلها مما يؤدي إلى إصابته بأمراض وعاهات بعضها مزمن، فضلاً عن الوضع النفسي الذي يعيشه في مثل هذه الحال، وقد مضى على بعض المعتقلين الذين يوصفون بأنهم خطرين سنوات على هذا الحال.

الحرمان من زيارة الأهل:
هذه واحدة من الانتهاكات الأخرى لحقوق الأسرى، وتقوم على الحيلولة دون زيارة الأهل، وإذا حصل أن فازوا بإذن للزيارة عن طريق أحد المحامين فإن الإهانة التي يتعرضون لها تدفع السجين إلى مطالبتهم بعدم زيارته كي يجنبوا أنفسهم هذا العناء، مع أن الزيارة تبقى ضرورية من زاوية معرفة السجين بأحوال أهله وذويه وأبنائه (إذا كان متزوجاً).

السجون الإسرائيلية.. قبور وجامعات

هناك عدد كبير من السجون الإسرائيلية التي يقبع فيها الأسرى الفلسطينيون، لعل أشهرها هذه الأيام السجون الثلاثة التي أعيد ترميمها على عجل لاستيعاب الأعداد الكبيرة من المعتقلين إبان انتفاضة الأقصى لا سيما بعد عمليتي "السور الواقي" و"الطريق الحازم". والسجون الثلاث هي "عوفر" و"كتسيعوت" أو "أنصار 3" و"مجدو".

  • يؤوي سجن عوفر المقام على 400 دونم وكان أنشئ أيام الانتداب البريطاني حوالي 1400 سجين منهم حوالي ألف معتقل إداري، ويطلق عليه السجناء اسم "غوانتانامو" نظراً لسوء الأحوال فيه حيث يعيش في كل خيمة من خيامه 30 أسيراً يعانون من نقص الطعام والملابس (لا سيما الداخلية) وسوء الرعاية الصحية (لا سيما لعدد كبير من السجناء الجرحى) فضلاً عن انقطاع السجناء تماماً عن العالم الخارجي.
  • "كتسيعوت" حسب الاسم الصهيوني أو "أنصار 3" حسب الاسم الفلسطيني، هو السجن المقام في صحراء النقب، وهو ليس أحسن حالاً من "عوفر"، فهو حار جداً جداً في النهار وبارد جداً في الليل، وفيه حوالي 900 سجين منهم 240 سجيناً إدارياً، ويعاني هذا المعتقل من المشاكل ذاتها في سجن "عوفر"، إضافة إلى وجود الحشرات والزواحف، ووجود حمام واحد لكل عشرين معتقلاً في خيمة حقيرة. أما نقص الطعام فهو الأسوأ، ويكفي أن يمنح خمسة أشخاص وجبة إفطار مكونة من حبة طماطم وخيارتين وحبة فلفل أخضر.
  • وتنطبق هذه الأحوال أيضاً على سجن "مجدو" الذي أعيد افتتاحه مؤخراً أيضاً.
  • السجون المعروفة الأخرى هي:
    -
    سجن عسقلان، وهو أحد المراكز العسكرية المقامة منذ الانتداب البريطاني.
    -
    سجن كفاريونا، ويقع على بعد 12 كيلومتراً من مدينة طولكرم، ويسميه السجناء "قبريونا".
    - سجن بيت ليد، وهو أيضاً مركز عسكري أقيم منذ الانتداب البريطاني

    -
    سجن شطة، ويقع في غور بيسان حيث الحرارة المرتفعة جداً في الصيف.
    -
    سجن المسكوبية، وهو أسوأ السجون ويسمى "المسلخ" لأنه يستخدم في التحقيق والتعذيب.
    -
    سجن صرفند، وهو أيضاً معتقل للتحقيق والتعذيب وتشرف عليه المخابرات.
    -
    سجن بئر السبع، ويقع جنوب مدينة بئر السبع.
    -
    سجن الدامون، وكان مستودعاً للدخان أيام الانتداب البريطاني.
    -
    سجن نفحة الصحراوي، ويتخصص هذا السجن بالقادة من السجناء نظراً لكونه من أسوأ السجون، وفيه زنازين خاصة لعزل "القادة الخطرين"، ويسمى "عزل نفحة".
    -
    سجن تلموند، وفيه قسم للأحداث الذكور وآخر للأحداث الإناث.
    -
    سجن الرملة، وهو من أسوأ السجون وفيه قسم للعزل وللسجناء الكبار.

مواجهة داخل السجون

طوال عقود جاهد المعتقلون الفلسطينيون لمواجهة الجلاد الإسرائيلي عن طريق الإصرار على تحويل معتقلاته من مسالخ للإخضاع والإسقاط النفسي والجسدي إلى مدارس لتخريج المجاهدين والمناضلين المؤمنين بقضية شعبهم وعدالة نضاله، وكانت للمعتقلين على الدوام صولات وجولات مع إدارات السجون لتحسين شروط الحياة عن طريق الإضراب عن الطعام والاشتباك مع الحرس إلى غير ذلك من أدوات النضال في مواجهة الجلادين. وقد حقق الأسرى في نضالهم الكثير من المكاسب، وإن كان التراجع عنها هو سمة التعامل من طرف الاحتلال الذي لا يحترم عهداً ولا ميثاقا.

في المعتقلات الصهيونية هناك نوع من الفصل بين المعتقلين حسب انتمائهم التنظيمي على رغم أن الصلة بينهم تحدث أثناء "الفورة" وعبر الاتصالات بالطرق الخاصة، إضافة إلى تنسيق الأعمال واللجان الممثلة للمعتقلين أمام إدارات السجون التي تتعامل معهم كفصيل واحد حيناً وكفصائل أحياناً أخرى، بيد أنه يوجد في كل معتقل ممثل للأسرى يحاور الإدارة نيابة عنهم، وهناك لجان للقيادة والإشراف.

ولما كان المعتقلون من ذوي الأحكام المتفاوتة والتي تتراوح بين الشهور والمئات من السنوات إضافة إلى كونهم أصحاب خبرات وثقافات مختلفة، فإن استفادتهم من بعضهم البعض هي السمة العامة لمعيشتهم وإدارتهم لشؤونهم اليومية في مواجهة آلة الإذلال الصهيونية.

يرتب الأسرى حياتهم حسب فصيلهم وطبيعة التعبئة العقائدية والسياسية التي يعتمدها، فالإسلاميون من "حماس" والجهاد مثلاً والذين يشكلون أكثر من نصف الأسرى في المعتقلات هذه الأيام لهم طرقهم (كل على حدة) في التعامل مع الوقت بدءا بصلاة الفجر وقراءة القرآن والفورة والرياضة ودروس العلم وخاصة القرآن الذي له لجنة خاصة خرّجت عشرات الحفاظ في السجون المحتلة، ثم دورات أخرى في التاريخ والجغرافيا والسياسة واللغة العبرية واللغة الإنجليزية. بل إن لجانا من المعتقلين تقوم بترجمة كتب عبرية لها صلة بالنضال الفلسطيني وتضع هوامش عليها وتوزعها على المعتقلين لقراءتها. وهناك مكتبة في كل معتقل. وبالطبع فإن لحركة فتح طريقتها في إدارة العملية السياسية والتربوية التي تختلف عن فصائل اليسار التي يعد معتقلوها الأقل عدداً.

المهم أن الأسرى لا يضيعون وقتهم أبداً، فهم في علم ونشاط دائم، وثمة بينهم من انتسب إلى الجامعة العبرية حيث يتاح لأصحاب الأحكام العالية أن ينتسبوا إلى الجامعة العبرية المفتوحة.

هناك إصرار من جانب الأسرى بكل فصائلهم على الاستفادة الكاملة من الوقت في تحسين الوضع المعنوي للأفراد ومدهم بالعلوم والمعرفة التي تفيدهم داخل المعتقل لتعليم زملائهم الآخرين، كما تفيدهم بعد الإفراج. ويجاهد المعتقلون لتحسين شروط الحياة بكل الوسائل الممكنة، فقد نجحوا رغم إجراءات العدو المذهلة في تهريب أجهزة "الموبايل" إلى المعتقلات للاتصال بذويهم كلما سنحت الفرصة. وعلى رغم المداهمات الدائمة وسلب المقتنيات فإن الأسرى يجدون وسائلهم الخاصة في الحصول على الأجهزة والأشياء اللازمة لنشاطاتهم. أما الأغرب من ذلك فهو أن لبعضهم صلات ما بالعمل المقاوم في الخارج تدار بطريقة خاصة، وهو أمر اكتشفته الأجهزة الصهيونية أكثر من مرة.


هناك بضع عشرات من الأسرى العرب أكثرهم من اللبنانيين والأردنيين إضافة إلى جنسيات أخرى، وهؤلاء موزعون على أكثر من سجن وبعضهم يدخل ضمن إطار الفصائل الفلسطينية أو لهم وضعهم الخاص مثل بعض الأسرى اللبنانيين وخاصة الشيخ عبد الكريم عبيد والشيخ مصطفى الديراني
دور الخارج

لا شك في أن الأسرى يتطلعون إلى دور شعبهم وأمتهم في نصرتهم بمختلف الفعاليات الممكنة والمتاحة، سواء أمعنوية كانت بالمسيرات والأيام التضامنية أم عن طريق تنظيم لجان النصرة والدفاع كما هي مبادرة لجنة المتابعة لشؤون الأسرى في لجنة القوى الوطنية والإسلامية، ومبادرة اتحاد المحامين العرب بتشكيل لجنة للدفاع عن الأسرى، إلى غير ذلك من الفعاليات، وصولاً إلى الطموح بإيجاد وسائل نضالية عسكرية مثل الخطف ومبادلة الأسرى، وهذه لم تنجح طوال سنوات رغم أكثر من محاولة لحركة "حماس"، حيث لم يسجل على هذا الصعيد سوى نجاح واحد للجبهة الشعبية/ القيادة العامة عام 1985 بمبادلة جنديين كانا بحوزتها بحوالي ألف أسير في معتقلات العدو، وبالطبع فقد كان ذلك في ظروف مختلفة مع أن ذلك لا يعني أن الباب قد غدا مقفلاً.

وفي العموم فإن الأسرى لا يفقدون الأمل بتحقيق انتصار على الاحتلال يحملهم إلى الحرية، مع أنهم باعوا حريتهم ليحيا شعبهم، وهم يرفضون أن يتحولوا إلى عنصر ضغط عليه للتنازل عن حقوقه كما يصرحون دائماً.

في الأراضي المحتلة ما بين ستة وسبعة آلاف أسير يقبعون في زنازين العدو يدفعون ثمن إصرارهم على كرامة شعبهم وأمتهم.. هؤلاء يستحقون من هذا الشعب وهذه الأمة كل أشكال النصرة والدعم لهم ولذويهم عبر التبرعات، وعن طريق مواصلة الجهاد من أجل القضية التي باعوا أرواحهم وحرياتهم من أجل نصرتها.

_______________
*كاتب صحفي فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة