إسقاطات خليجية على قمة بغداد   
الجمعة 1433/4/23 هـ - الموافق 16/3/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:02 (مكة المكرمة)، 11:02 (غرينتش)
فارس الخطاب

 

يراقب العراقيون استعدادات حكومتهم الحثيثة لاستكمال متطلبات استضافة القمة العربية الدورية في عاصمتهم بغداد، ولعل المراقب للوضع العراقي يعلم أن أغلب العراقيين غير مكترثين بالقمة لأسباب عديدة، منها تشكيكهم في انعقادها ببغداد أصلا، ومنها اعتقادهم أن مستوى التمثيل العربي سيكون بأدنى الدرجات التي مرت على القمم العربية السابقة، والأغلب هو عدم ثقتهم بالحكومة التي ستمثل بلادهم في القمة.

قمة بغداد تعتبر غريبة في تاريخ القمم العربية الدورية منها أو الطارئة، سواء في موضوع التمثيل الرسمي لها، أو في شروط الحضور والمشاركة فيها من الأصل

العراقيون أيضا يربطون بشدة بين انعقاد القمة ونجاحها تبعا لحجم التمثيل الخليجي فيها أو الحضور إليها من عدمه، وبما أن وزير خارجية المملكة العربية السعودية سعود الفيصل قد حسم -في مؤتمره الصحفي الذي عقده بالرياض في الرابع من مارس/آذار الجاري، عقب اختتام المجلس الوزاري لدول مجلس التعاون الخليجي- موضوع حضور دول المجلس للقمة من خلال تعبيره عن "حرص خليجي" على المشاركة في القمة، فإنه ربط مستوى التمثيل بتهيئة ما وصفها بـ"الظروف الملائمة".

الظروف الملائمة -بحسب ما ذكره الفيصل في مؤتمره الصحفي- تركزت على أربعة محاور، أولها تبديد حالة الاستياء من مواقف أطراف قريبة من الحكومة العراقية تقوم بالتدخل في شؤون مملكة البحرين ودولة الكويت، ثم انفتاح حكومة بغداد على بحث القمة للأساليب التي تمنع تدخل إيران في الشؤون الداخلية لدول الخليج، ثم الموقف من سوريا كحضور للقمة أو كموافقة على تطبيق قرارات الجامعة العربية بحقها، وأخيرا إتمام مشروع المصالحة الوطنية في العراق قبل موعد القمة والتوصل إلى نتائج ملموسة في هذا الشأن.

لم تكن تصريحات الفيصل مفاجئة للحكومة العراقية، فقد سبق تلك التصريحات السعودية موقف رسمي إماراتي سلمه وزير خارجيتها عبد الله بن زايد -خلال زيارته الأخيرة لبغداد- إلى رئيس وزراء العراق نوري المالكي، وكانت رسالة الإمارات تقول إن حضورها للقمة مشروط بالتصويت على سحب شرعية الأسد ودعم المعارضة السورية بقرارات من القمة، إضافة إلى قضايا تتعلق بالنشاط السياسي والتعبوي لبعض القوى السياسية الطائفية العراقية في أحداث البحرين والكويت ودول خليجية أخرى من بينها الإمارات.

نحن إذن أمام حالة ربما تعتبر غريبة في تاريخ القمم العربية الدورية منها أو الطارئة، سواء في موضوع التمثيل الرسمي لها أو في شروط الحضور والمشاركة فيها من الأصل، كل هذا بسبب وجود هاجس عربي مشترك حول ضعف الحكومة العراقية وعدم بلوغها مرحلة القدرة على اتخاذ القرار والالتزام به، ثم بسبب رئيسي معلوم للجميع يتعلق بعلاقة القوى السياسية النافذة والحاكمة في العراق بإيران، وهذا كله سبب فلتانا أمنيا غامضا جدا في جميع أنحاء العراق باستثناء إقليم كردستان العراق.

ورغم الحاجة الكبيرة جدا لعقد القمة العربية نتيجة ما عصف بالوطن العربي من أحداث وتغييرات سياسية وحكومية هائلة، وبقاء مخاطر التغيير قائمة في أكثر من قطر عربي، وحاجة هذا كله إلى قرارات قيادية حكيمة تجمع الأمة على توجهات تقيها شر الفتن والانقلابات غير المحسوبة، رغم ذلك كله، ورغم وجود العديد من التوصيات الاقتصادية والتربوية والاجتماعية المنجزة منذ سنتين وتنتظر إقرار القمة العربية لها، نجد أن إشكالية قمة بغداد تتفوق على ذلك كله، وإن بدا أن دول الخليج العربي تحديدا وصلت إلى قناعة مهمة وخطيرة.

الخليجيون لا يريدون أن يكونوا سببا في إرباك دورية انعقاد القمم العربية, لذا سيحضرون بالحد الأدنى، وقد يكون هذا الأدنى بمستوى السفراء

هذه القناعة تأخذ وجهين، الأول، استغلال استماتة المالكي على عقد القمة في بغداد كاستحقاق دوري ظنا منه أنها ستجّير لصالحه، ومن خلال هذه الاستماتة سيوافق المالكي على كل الشروط الخليجية التي ستطرح علنا أو ضمنا. وثانيها، الانتهاء من موضوع قمة بغداد إلى أجل غير مسمى، لآنهم نجحوا في العام الماضي في تأجيل عقدها بالعاصمة العراقية وسيكون لزاما أن تعقد هذا العام، وحتى لا يكونوا سببا في إرباك دورية انعقاد القمم العربية، ويتجاوزوا بغداد كمكان لانعقادها لفترة طويلة نسبيا من الزمن. هذه القناعة الخليجية تم اتخاذ القرار اللازم لها وهو التمثيل بالحد الأدنى، وقد يكون هذا الأدنى بمستوى السفراء لبعض الدول الخليجية لغرض التوقيع على التوصيات ليس إلا..!

ورغم الإسقاطات السياسية الخليجية على قمة بغداد، تبقى قضية أخرى تشكل عائقا عمليا في موضوع نجاح هذه الدول في إصدار قرارات تتماشى ونهجها السياسي والتعبوي الحالي، هذه القضية ترتبط بدعوة بغداد لكل من الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، ورئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان، لحضور القمة باعتبار بلديهما دولتين إقليميتين فاعلتين في الشأن العربي سياسيا واقتصاديا.

ولم يكن هناك ضير من مثل هذه الدعوات عندما عقدت قمم سياسية واقتصادية في دول الخليج العربي مثل دولة الكويت ودولة قطر والإمارات العربية المتحدة، لوجود حكومات ثابتة وراسخة في هذه الدول يمكن لها التعامل بشفافية ورؤية مع جميع الدول، دون أن يؤثر حضورها على استقلالية القرار السياسي فيها، أما مع وجود حكومة عراقية ومليشيات وقوى سياسية وتنظيمات طائفية تتعامل جميعها مع إيران كحليف إستراتيجي ووحيد في المنطقة، فهنا نقع في دائرة المحظور.

ولا تعد لاجتماعات القادة العرب أي خصوصية خاصة بالنسبة لدول الخليج، وهاجسها الدائم هو من التدخل الإيراني السلبي في شؤونها، وهذا التصور ليس من واقع افتراضي، بل هو حقيقة تعلمها أجهزة الأمن في دول الخليج العربي، ويعلمها وزراء خارجية وداخلية هذه الدول، وأذكر أنني أجريت لقاء صحفيا مطولا مع مستشار الأمن القومي العراقي في عام 2005 موفق الربيعي -خلال زيارة له للعاصمة الإماراتية أبو ظبي- وكان من أبرز ما قاله في هذا اللقاء "إيران حليفنا الإستراتيجي"!

إن العراق بلد مهم ومحوري في الإقليم وفي الشرق الوسط بشكل عام، لكن عدم وجود حكومات حقيقية تقوده منذ ما يناهز عشر سنوات، جعل التعامل معه -وخاصة بالنسبة لدول الخليج- صعبا جدا، وتصوروا أن بلدا مهما مثل العراق ما زال حتى هذه اللحظة عاجزا عن تحديد من يرأس وفده لاجتماعات أي قمة، وما زال الشد والجذب بين الرئيس العراقي جلال الطالباني ورئيس الوزراء نوري المالكي حول رئاسة القمة، يمثل شكلا صارخا من أشكال ضعف البناء السياسي للدولة العراقية، فكيف يمكن لدولة يختلف فيها رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية كل حين على قضايا بروتوكولية، أن تحقق لدول الخليج شروط تمثيلها في القمة التي قررت حضورها بكل الظروف؟

الخطر كل الخطر هو أن يتوهم قادة الخليج للحظة واحدة أنهم يمكن أن يغيروا ولاءات حكومة العراق الحالية والكثير من القوى العاملة في العملية السياسية تجاه إيران

إن القمة التي ينام ويصحو نوري المالكي على حلم انعقادها برئاسته في بغداد -ظنا منه أنها ستكون طوق نجاة له ولحكومته، وأنها ستعيد العراق بقيادته إلى وضعه الإقليمي الطبيعي- ربما ستكون نقمة كبيرة عليه عندما يتضح في اليومين الأخيرين لموعد انعقادها مستوى التمثيل العربي فيها، ومستوى صلاحيات من سيمثل فيها الدول العربية التي يعوّل المالكي كثيرا على استحصال ما عجز عن استحصاله منها طيلة أكثر من سبع سنوات من حكم العراق.

وهناك موضوع الأمن، فرغم تصريح وزير خارجية المملكة العربية السعودية بعدم أهميته فإن المالكي وضيوفه سيجدون حرجا كبيرا في تقبل فكرة الاجتماع في بلد لا يكاد يمر يوم فيه دون حوادث أمنية جسيمة، وهو بلا وزير للداخلية أو الدفاع! إضافة طبعا إلى حرج المالكي من الموافقة على قرارات تخص الوضع السوري والرئيس بشار الأسد شخصيا بوجود الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، الذي تعمل حكومته وكافة أجهزتها على دعم وبقاء حكم الأسد في الشام.

الخطر كل الخطر أن يتوهم قادة الخليج للحظة واحدة أنهم يمكن أن يغيروا ولاءات حكومة العراق الحالية والكثير من القوى العاملة في العملية السياسية تجاه إيران، وهو ما يستدعي دقة الموقف الخليجي وصعوبته تجاه شعب العراق بكل طوائفه وقومياته وأديانه من جهة، وبين عزل النظام "المُتأيْرن" (التابع لإيران) في بغداد دون مقاطعة القمة التي ستعقد تحت رعايته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة