تزمامارت.. هل انتهى عهد الإرهاب العربي؟   
الخميس 1430/5/19 هـ - الموافق 14/5/2009 م (آخر تحديث) الساعة 16:42 (مكة المكرمة)، 13:42 (غرينتش)
مهنا الحبيل


الراعي الدولي الشريك هل يُنقذ؟
ماذا عن المنظمات؟
النظام الرسمي هو المسؤول
ماذا عن غوانتانامو العربي؟
هل انتهى العهد أم تطور؟

الثورة الوجدانية التي عمّت الوطن العربي وهو يتابع شهادة أحمد المرزوقي السجين السياسي في مقبرة الأحياء تزمامارت في عهد عاهل المغرب الراحل الحسن الثاني عبر برنامج الجزيرة الناجح والفريد للإعلامي العربي أحمد منصور "شاهد على العصر" ليست صورة عابرة لخُلق وحشي إرهابي مرّ في لحظة زمنية ضمن مسلسل الدراما العربية الكامن في التاريخ أو الواقع، لكنه ملف ضخم لا يقف عند المشهد ولا التجربة ولا الضحية المغدورة من الراحلين أو الأحياء أو الفُطر، إنما هو موجود في أصل التاريخ العربي المعاصر وتشكّل الدولة الحديثة منذ تخطيط سايكس بيكو وصولاً إلى عهدنا المعاصر، عهد التزوير لبلدان الفلكلور الديمقراطي العبثي أو أوطان الحكم الشمولي.

إذاً الصدمة الشعورية لم تكن لأن الحدث غائب عن التاريخ العربي المعاصر في أقطار عديدة ولكنه كان بعثا من الركام إلى قصة الحقوق المهدرة في الوطن العربي الأسير من الداخل, نعم ربما أن الأجيال المعاصرة التي لم تشهد زمن الإجرام في حق الإنسان العربي المحمي بأصوات الرعب التحذيرية من أن الجدران في المنازل موظفة لدى أمن السلطان, ولذا فقد أصبحت على هذا العهد الذي يرصد الحالة الحقوقية للإنسان العربي ويتناقله على مساحة العالم وليس الوطن العربي فحسب.

ولربما قال قائل إن الحالة الحقوقية شهدت تحسنا في أحيان قليلة بسبب مراعاة بعض القلّة من الحكام حياءً من الناس ومن الله، ومن المؤكد أنهم ليسوا سواءً أيضا, ولكن السبب الأكبر هو خشية النظام الرسمي العربي آثار التسرب للداخل والخارج، ومع ذلك فهذه الخشية والنفاق الإعلامي تُخترق كثيرا حين تصعد المطالب الحقوقية الإصلاحية فيتحول النظام إلى جلاد يملأ السجون ويقطع الأرزاق والرقاب مطمئنا في نهاية الأمر إلى حمايته من الشريك الدولي الذي كان سابقا موسكو وواشنطن ثم انتهى إلى قطب واحد.

الراعي الدولي الشريك هل يُنقذ؟
"
قطب المشروع الدولي رغم أنه الأكثر ضجيجا عن الحقوق والحريات إلا أنه الأكثر دعما لأسوء مراحل التاريخ العربي السابقة والقائمة لقمع الإنسان ومواجهة الحريات بأبشع الوسائل
"
ومن هنا يعود البرنامج إلى نقطة مركزية في تاريخ الحقوق العربية المعاصرة كون أن الملك الحسن الثاني كان صديقا لكلا القوتين الاستعماريتين باريس وواشنطن، إضافة إلى ما باشره الراحل بنفسه من تطوع معلن إعلاميا ليكون جسر التطبيع مع الرئيس الإسرائيلي الحالي شمعون بيريز منذ أكثر من عقدين.

ولسنا هنا في معرض تحليل الوقائع السياسية وخطوط المشروع الدولي قديما مع النظام السياسي العربي، فهذه قصة طويلة, لكننا أردنا أن نقف عند مسار مهم وهو أن قطب المشروع الدولي رغم أنه الأكثر ضجيجا عن الحقوق والحريات، فإنه الأكثر دعما لأسوأ مراحل التاريخ العربي السابقة والقائمة لقمع الإنسان ومواجهة الحريات بأبشع الوسائل، والمتفطن في الحالة العربية سيجد أن كثيرا من الأنظمة القائمة الحليفة لواشنطن لها صدارة في حجم هذا القمع ويُبارك فعلها بل يُحذر في مراكز الدراسات للشريك الدولي من المساس بقدراتها لا لشيء إلاّ لأن النظام حين يقمع لا يحمي مصالحه الاستبدادية وحسب ولكن مصالح الهيمنة والاستعمار السياسي والاقتصادي الدولي.

ماذا عن المنظمات؟
وما ذكرناه من استغلال الحالة الإنسانية الحقوقية للوطن العربي من مؤسسات الإدارة الأميركية وتوزيع اهتماماتها بحسب تحرك بوصلة الزحف الدولي أو تطويق حالة التمرد السياسي لمؤسسة حاكمة أو قوى وطنية صاعدة وبالتالي الانجرار وراء هذه المشاريع يصبح جزءًا من تكريس قواعد اللعبة الانتهازية وتوزيع بطاقتها بين النظام وبين راعيه الدولي.

غير أن ذلك لا ينسحب على المنظمات التي تحتاج إلى تفصيل مهم, مع تسجيل قضية حيوية مهمة وهي أن حالات الضرورة القصوى من الانتهاك للأفراد لا تحتمل أي تردد في حينها لتتلقف أي يد عون تنقذ الضحية من النظام المستبد في قراره والإرهابي في وحشيته، لكن الإشكال حين تتحول بعض المنظمات غير المستقلة إلى برنامج عمل مساند للمشروع الأميركي أو الدولي، وتُستثمر شخصيات تطرح خطابا حقوقيا يروج لمشروع سياسي أو أخلاقي غربي, وحينها يتبين للمتابع أن الرصد والمتابعة الحقوقية ليس شاملا للحقوق والحريات السياسية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية, بل على العكس تُهمل هذه الشرائح الكبرى من المجتمع وتُنتخب للإعلام صور وأصوات تُعبّر عن الضمير الغربي ورؤيته للإنسان العربي أنه محاصر من منهجه الرسالي وقيمه الشرقية وأن الحالة الحقوقية التي تعتني بها المؤسسات الغربية وإعلامها هي حرية ممارسات هذا السلوك الغربي ورفض محاسبته على اختراقه قيم المجتمع, فيما يستتر وراء هذا الضجيج الإعلامي تزمامارت أخرى تتطابق أو تختلف لشرائح عديدة من أبناء الشعب غيّبتهم منظمات الحقوق وأهملهم الإعلام قاصدا.

النظام الرسمي هو المسؤول
"
هناك حالات من الأصوات الحقوقية تتحول إلى أدوات مباشرة للمشروع الاستعماري يستخدمها جسرا لغزو الأوطان لأطماع شخصية أو فئوية لكن ذلك لا يعفي يد النظام الباطشة
"
وهذا التعاطي مع تلك المنظمات الذي يتصايح عليها إعلام النظام الرسمي العربي رافعا عقيرته بالاستقلال والسيادة، وهو الذي ذبحها مرارا تحت أقدام الحليف الدولي، إنما المسؤول عنها هذا النظام ذاته الخانق لقوى الشعب وخطابه الحقوقي المستقل، الرافض للصوت الوطني المجرد لأنه لا يعنيه كنظام إلا الآخر الأجنبي.

نعم هناك حالات من الأصوات الحقوقية تتحول إلى أدوات مباشرة للمشروع الاستعماري يستخدمها جسرا لغزو الأوطان لأطماع شخصية أو فئوية، لكن ذلك لا يُعفي يد النظام الباطشة, ويبقى المعيار أن المضطر ما دام يتعامل مع حقوقيين مستقلين لا يخترقون وطنه من شخصيات ومنظمات توجد في المجتمع المدني الغربي لإنقاذ أهله وإخوانه فهو مبرر له تماما, مع إدراكه لاستقلال قضيته الوطنية وتحصينها مع نضاله الحقوقي الإنساني.

ماذا عن غوانتانامو العربي؟
وفي غمرة الضجيج للإعلام الغربي والأميركي خصوصا رغبتهم في التخلص من إرث جرائم عهدهم الإرهابي، ركّز المشهد على معتقل غوانتانامو دون التفصيل عن ماذا يعني للإنسانية وتاريخها المسؤول عن هذه الحقبة وكأنما الأمر ينتهي وتُطوى هولوكست العالم الإسلامي التي أدارها الغرب بوحشية بهذا الإغلاق.

ومن القضايا التي قفزت في ضجيج الإعلام مسؤولية واشنطن عن تحويل بعض المعتقلين للأنظمة العربية لكونها أكثر شجاعة في الإرهاب ضد المعتقل السياسي المتهم بالانضمام إلى هذه الجماعة أو تلك دون إثبات صريح بذلك فقط للحاجة اللوجستية لمشروع الإرهاب الدولي الذي قادته الولايات المتحدة بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001, لكن عشرات الآلاف من المعتقلين لنفس المهمة في داخل هذه البلدان العربية خلال هذا الموسم لم يُتطرق لهم ولم يُتحدث عنهم.. صمتٌ وعزلٌ عن العالم.. ورغم الإعلان عن قرار تفكيك غوانتانامو الأميركي فإن العربي لا يزال قائما.

هل انتهى العهد أم تطور؟
"
قد لا تكون الصورة مكررة تماما من مشهد تزمامارت لكنّها مطورة عنها والنتيجة واحدة والضحايا يتزايدون والجريمة الكبرى أن الإعلام العربي يُخفي تلك السجون والضحايا
"
وأمام تلك الملفات العديدة المُفجعة عن حالة الإنسان العربي الحقوقية, يبرز التساؤل الضخم الضروري ماذا ومن وراء القضبان في السجن العربي الكبير؟ ومن يدري قد لا تكون الصورة مكررة تماما من مشهد تزمامارت لكنّها مطورة عنها، والنتيجة واحدة والضحايا يتزايدون، والجريمة الكبرى أن الإعلام العربي يُخفي تلك السجون والضحايا ويتصايح على التدخل والسيادة وهو في خدمة سيد المشروع الأجنبي.

بارقة الأمل التي تحييها مثل تلك المسيرات الإعلامية هو زيادة الوعي الحقوقي المستقل وتشكّل ثقافته ومؤسساته ليعلم العرب أن أول طريق الإصلاح والحرية إعلان العدل القديم: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة