قرار الهدنة الفلسطينية.. أبعاد ونتائج   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

* بقلم/منير شفيق

اختلفت التحليلات السياسية في تقويم قرار الهدنة الذي اتخذته حماس والجهاد وكتائب الأقصى، فالبعض اعتبرها نتاج ضغوط عربية ودولية، وآخرون فسّروها بالحرص على الوحدة الوطنية الفلسطينية بعد أن همت حكومة محمود عباس بعد قمتي شرم الشيخ والعقبة بتنفيذ تفكيك فصائل المقاومة، ووصل الأمر برئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي يعالون إلى اعتبارها انتصاراً عسكرياً حققته الدولة العبرية.


إسرائيل ترى أن الهدنة توفر فرصة للفصائل الفلسطينية كي تعيد ترتيب صفوفها وتستعد لجولة جديدة، لذا فإنها تصر الآن على أنه لا جدوى من الهدنة إذا لم تفكك هذه الفصائل
ولكن هذه التفسيرات أو التحليلات غير كافية لقراءة أسباب القرار ومن ثم تقويمه، وإن كان التقويم في نهاية المطاف يحتاج إلى حكم التجربة بعد مضي فترة معقولة على تاريخ إعلانه.

فنظرية الضغوط العربية لو كانت دقيقة لاتخذ قرار الهدنة في لقاءات القاهرة بين فتح وحماس والجهاد وسائر فصائل المقاومة ومنظمة التحرير الفلسطينية، فمن المعروف أن مصر وضعت ثقلاً كبيراً لإقناع هذه الأطراف بأهمية اتخاذ قرار الهدنة في حينه إلا أن القرار لم يتخذ وإن بقي موضع تداول وحوار مستمرين.

أما نظرية الحرص على الوحدة الوطنية فهذه -مثل الضغوط العربية- وإن أخذت في الاعتبار لكنها غير كافية لاتخاذ قرار بهذه الخطورة، ومن قبل من كانوا يصرون دائما على ضرورة مواصلة المقاومة مهما كلف الثمن.

أما من جهة الخوف من تفكيك منظمات المقاومة فيبدو أنه لم يكن وارداً في نظر حماس والجهاد وكتائب الأقصى على الأقل بسبب القناعة بأن حكومة أبو مازن أضعف من أن تقدم على مثل هذه الخطوة لاسيما في ظروف الخلافات مع الرئيس الفلسطيني من دون موافقة أبو عمار عليها موافقة حقيقية جادة.

أما ادعاء يعالون بأن الهدنة تعد انتصاراً لجيش الدفاع فإن هذا الادعاء سرعان ما سحب من التداول، وطلب منه التوقف عن التصريحات لأن الموقف الإسرائيلي لا يرى انتصاره إلا إذا صفيت منظمات المقاومة ووقع الاحتراب الفلسطيني الفلسطيني من جهة، ومن جهة أخرى اعتبرت الهدنة فرصة لتعيد تلك المنظمات ترتيب صفوفها والتهيئة لجولة جديدة. ولهذا أصر على ضرورة تفكيكها وإلا فلا جدوى من الهدنة.

على أن قرار الهدنة إذا نظر إليه من حيث توقيته والدور الذي يلعبه أو مدى تأثيره في الوضع السياسي بمجمله، وبغض النظر عن مجموعة الأسباب والعوامل التي دفعت النقاشات الداخلية باتجاهه، فإنه يمكن اعتبار توقيته موفقاً جداً لأنه جاء في ظرف رجوع الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش إلى واشنطن من شرم الشيخ والعقبة وجولة خليجية سريعة ليجد في استقباله ضغطا من اللوبي الصهيوني وحشداً من الكونغرس ومن قادة التيار البروتستانتي الصهيوني الأميركي الجنوبي يطالبونه بعدم الضغط بأي شكل من الأشكال ومهما يكن بسيطاً على شارون. ومن ثم يجب أن تتماشى السياسة الأميركية والسياسة الإسرائيلية بلا هامش خلاف. وبالفعل انتقل بوش إلى التركيز على ضرورة تصفية منظمات المقاومة مع تشديد على حماس، وراح يضغط على الأوروبيين والدول العربية والسلطة الفلسطينية للسير في هذا الاتجاه. ويذكر أن الموقف الأوروبي كاد يتزعزع لولا الموقف الفرنسي وأن مواقف عدد من الدول العربية دخلت بين المطرقة والسندان.

في هذا الظرف بالذات، وفي هذا التوقيت، أُخذ قرار الهدنة ليعترض بخطوة هجومية -موضوعياً وعمليا- هجمة بوش، لاسيما من جهة تشجيع المواقف الأوروبية والعربية على رفض السير في خط بوش/شارون، فأصبح بيد تلك الدول حجة قوية لمواجهة الضغوط الأميركية والصهيونية. هذا وأدت خطوة الهدنة إلى تخفيف العبء عن حكومة محمود عباس، وأمكن توحيد الساحة ولو لفترة وجيزة حتى تمر العاصفة.

وبهذا يكون الدور الذي لعبه قرار الهدنة بسبب توقيته الموفق قد جاء بنتائج سريعة أقل ما يقال فيها أنها أربكت الهجمة الأميركية على أوروبا وروسيا والعرب والفلسطينيين، وتركت بين المفاوض الفلسطيني أوراقاً يضغط بها مثل قضية المعتقلين ووقف بناء الجدار الأمني والاستيطان. وقد عبر نبيل شعث وزير التخطيط والعلاقات الخارجية في حواره مع الأوروبيين عن هذه المحصلة حين قال "أليس من الجنون أن ندخل في حرب داخلية فلسطينية في وقت حققنا فيه هدنة وأصبحت الكرة في الملعب الآخر".


أثبتت الأحداث صوابية قرار الهدنة، ولعل أول مظاهر ذلك ارتياح الوضع الداخلي الفلسطيني واتجاه التصريحات العربية كلها ضد سياسات شارون، وانتقال أوروبا للعب دور أقوى في العملية السياسية
الذي يتابع الوضع الفلسطيني الداخلي بعد مضي شهر ونيف على قرار الهدنة ويرصد المناخ العربي العام إزاء ضغوط بوش لتحويل الصراع إلى معركة داخلية فلسطينية فلسطينية، وكذلك بالنسبة إلى المناخ العالمي، يجد أن الأحداث أثبتت صوابية قرار الهدنة المشروطة والمؤقتة. ولعل أول مظاهر ذلك ارتياح الوضع الداخلي الفلسطيني الفلسطيني، واتجاه التصريحات العربية كلها ضد سياسات شارون، وانتقال أوروبا للعب دور أقوى في العملية السياسية كما عبر عن ذلك لقاء محمود عباس لخافيير سولانا في فرنسا بعد عودته من واشنطن، وقد حمل حثاً للأوروبيين كي يتحركوا.

في هذه الأجواء تمت قمة شارون/بوش بعد لقاء محمود عباس لبوش في البيت الأبيض لأول مرة. وقيل أو سُرّب أن موقف بوش كان ضعيفاً حائراً أمام الموقف الفلسطيني سواء أكان من جهة مطالبته بتفكيك فصائل المقاومة أم من ناحية الجدار واستمرار بنائه وما يبتلعه من آلاف الدونمات الزراعية الفلسطينية بعد كل منعطف من منعطفاته. ولهذا ترك أبو مازن تقويم اللقاء إلى ما بعد قمة بوش/شارون. ويبدو أنه لمس مدى ضعف الرئيس الأميركي في مواجهة شارون واللوبيات الأميركية المؤيدة له داخل الإدارة وخارجها.

وبالفعل جاءت نتائج هذه القمة (بوش/شارون) لتسقط كل رهان عقد على جدية بوش في قمة شرم الشيخ أو بعد موقف كوندوليزا رايس من ضرورة وقف بناء الجدار، فإذا به "يتفهم" موقف شارون من مواصلة بناء الجدار "ويتفهم" موقفه في معالجة قضية المعتقلين والاستيطان. بل رهن إقامة الدولة الفلسطينية بالقضاء على منظمات المقاومة التي يسميها "الإرهاب"، وبهذا يكون الرهان على مرتهن للوبيات ولأصوات الناخبين اليهود وأموالهم في المعركة الرئاسية القادمة رهانا في غير مكانه دون جدال.

هذا التراجع -على تواضع النقاط التي تم التراجع عنها أصلاً- ضرب آخر مسمار في نعش خريطة الطريق بعد أن أصبحت خريطة شارون حين أدخلت الإدارة الأميركية الأربعة عشر شرطاً إسرائيلياً عليها، وبعد أن تحولت الأولوية المطلقة في الرعاية الأميركية للخريطة إلى تفكيك منظمات المقاومة، ومن ثم يكون الوضع السياسي في المنطقة دخل مرحلة جديدة بعد طي مرحلة قمتي شرم الشيخ والعقبة حتى لقاء بوش/شارون في 28 يوليو/تموز 2003. وهذا يفسر لماذا شهدت الأيام الأخيرة من شهر يوليو/تموز الفائت إعادة فتح ملفات أخرى بعد أن طويت لبعض الوقت مثل الملف الإيراني والملف السوري واللبناني وملف الديمقراطية عموماً. وما ينبغي استبعاد فتح ملف السعودية عن هذا التوجه عبر تقرير لجنة الكونغرس عن هجمات 11 سبتمبر/أيلول.

وهكذا بدلا من أن تكون المنطقة كما وعد متطرفو الإدارة الأميركية بعد احتلال العراق مقبلة على السلام والتغيير الديمقراطي والاستقرار والتنمية، إذا بها -وبسبب سياساتهم أنفسهم لاسيما إزاء الملف الفلسطيني- مقبلة على الفوضى والاضطراب والمزيد من سفك الدماء.
ــــــــــ
* كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة