الوزاني.. والتوقيت اللبناني   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ إلياس حنّا*

لماذا هذه الضجّة حول استغلال لبنان حقّه الطبيعي من مياه نهر الوزاني؟ ولماذا هذا التحرّك الأميركي المفاجئ لتسوية المسألة في الوقت الذي تركت فيه الإدارات الأميركية السابقة إسرائيل تستعمل جبروتها العسكري لتزرع الموت والدمار على الأرض اللبنانيّة؟ لماذا اختار لبنان هذا التوقيت لبدء مشروعه؟ لماذا هذا الاهتمام الأميركي المستمر بأمن إسرائيل المائي؟ كيف ترى إسرائيل نفسها في المنطقة، وكيف ترى وتُقيّم التهديدات التي تتناولها؟


كان العرب دائما متخلّفين عن ركب الموجات الجديدة، الأمر الذي أدّى بهم إلى هذا الوضع الحالي الذي يمكن أن يطلق عليه: " لا حرب ولا سلم"
اعتادت إسرائيل أن يكون لديها عقيدة أمنية متطوّرة وليّنة تتناسب مع تبدّل المخاطر على كيانها، وهي فعلا قد حقّقت خرقا في كل المجالات العسكريّة، التقليديّة منها وغير التقليديّة. ومع كلّ تبدّل في التركيبة الجيواستراتيجيّة في المنطقة كانت إسرائيل السبّاقة في مجال الابتكار لتكون الدولة الرائدة لمرحلة ما بعد التغيير.

في هذا الوضع كان العرب دائما متخلّفين عن ركب الموجات الجديدة، الأمر الذي أدّى بهم إلى هذا الوضع الحالي الذي يمكن أن يطلق عليه " لا حرب ولا سلم".. حتى أن القلق الأكبر ينبع من عدم وضوح الرؤية البعيدة المدى. فإذا ما استُثمر العرب في الحرب فقد يكون المردود سلبيا جدا في ظل الهيمنة الأميركية. وإذا استثمروا في وضع اللاحرب أو الحرب المنخفضة الحدّة، فيبدو أيضا أن النتيجة بارزة فيما أدى إليه وضع الانتفاضة ووضع الرئيس ياسر عرفات.

خاضت إسرائيل كل حروبها على الحدود مع جيرانها، فبعد طرد الفلسطينيين من الداخل أرادت إسرائيل أن تبعدهم أكثر فأكثر عن حدودها، فهم كانوا يقومون بعمليات خاصة ضدّ المستوطنات، وكانت إسرائيل تردّ بعمليات انتقاميّة على الدول المحيطة بها. كان هذا الوضع يؤدّي غالبا إلى حروب تقليديّة عديدة. شكّل موضوع الماء عنصرا مهما من الإستراتيجيّة الحربيّة الإسرائيليّة، حتى إن قرار التقسيم رقم 181 كان قد أخذ بعين الاعتبار موضع الماء. شكّلت أيضا حرب الأيام الستة مناسبة تاريخيّة لإسرائيل كي تستولي على المزيد من مصادر المياه العربيّة، فسيطرت على الآبار الجوفيّة في الداخل الفلسطيني الموجودة في الضفّة، وقطاع غزّة، كما سيطرت على مصادر المياه التي تغذّي بحيرة طبريّا والمتمثّلة بـ دان، والحاصباني (الوزاني) وبانياس والجولان. اجتاحت إسرائيل لبنان عام 82، فسيطرت على المياه التي كانت تحت سيطرتها ونهبتها دون وجه حقّ، حتى إنها راحت تبيع للبنانيين ماءهم.


اعتادت إسرائيل أن يكون لديها عقيدة أمنية متطوّرة وليّنة تتناسب مع تبدّل المخاطر على كيانها، وهي فعلا قد حقّقت خرقا في كل المجالات العسكريّة التقليديّة منها وغير التقليديّة. ومع كلّ تبدّل في التركيبة الجيواستراتيجيّة كانت إسرائيل السبّاقة في مجال الابتكار لتكون الدولة الرائدة لمرحلة ما بعد التغيير

لماذا هذه الضجّة حول الوزاني؟
رغم أهمية نهر الوزاني لبحيرة طبريا (كارتفاع نسبة الملوحة، وانخفاض مستوى البحيرة 2 سم سنويا)، ورغم تفرّد لبنان في مشروعه، فإن كل الأمر لا يشكّل سببا للذهاب إلى الحرب، خاصة وأن لبنان لا يخالف القوانين الدوليّة، لا في التنفيذ ولا في الحصّة المخصّصة له. مع العلم أن التكنولوجيا الحديثة أصبحت قادرة على تأمين الحلول لمشاكل المياه عبر التحلية. وتبلغ كلفة تحلية المتر المكعب من المياه حوالي الستين سنتا أميركيا، وتقدّر أيضا الكلفة السنوية لتحلية المياه اللازمة لإسرائيل حوالي 400 مليون دولار و300 مليون دون الفلسطينيّين. فهل هذا مبلغ كبير على دولة ذات دخل قومي يبلغ نحو 110 مليارات دولار؟ هذا عدا عن إمكانية استيراد المياه من الحليف الإقليمي تركيّا. إذا لماذا هذه الضجّة؟

ينبع هذا الأمر من نظرة إسرائيل إلى نفسها، إلى محيطها، وكيف تدرك حسيّا المخاطر عليها ( Perception- Misperception)، وكيف ترى الطريقة الفُضلى لتحقيق أهدافها. فماذا عن كل ذلك؟

منذ عام 1973 ونتائج حرب أكتوبر/تشرين الأول تآكل الردع الإسرائيلي بشكل مروع، فهي لم تعد الدولة التي لا تقهر، وجيشها هو جيش عادي يمكن تحقيق النصر عليه خاصة إذا اختار العرب الإستراتيجيّة والتوقيت المناسبين. في عام 1982 اجتاحت إسرائيل لبنان، وخرجت منه في عام 2000 وهي تجرّ ذيلها وراءها. فهي لم تحقّق أي مكسب سياسي من دخولها العسكري، حتى إنها لم تحقّق أي مكسب سياسي مباشر من أية حرب خاضتها ضدّ العرب. وهي وعت أيضا وبعد التجارب القاتلة أن للقوّة حدودا لا يمكن تجاوزها، فالتجاوز قد يعطي مفعولا عكسيّا.

سبّبت الانتفاضات -خاصة انتفاضة الأقصى- مزيدا من التآكل للردع الإسرائيلي، فكان انتخاب شارون. أراد شارون استرداد الصورة الردعيّة للقوّة الإسرائيلية، فاستفاد من 11 سبتمبر/ أيلول للقضاء على السلطة الفلسطينيّة عبر استعمال أقصى درجات العنف، وهو مستمر في استغلال نجاحه بطريقة عاموديّة حتى وصلت إلى مشروع نفي رئيس السلطة.

أتى المشروع اللبناني للاستفادة من مياه الوزاني وشارون في قمّة مرحلة استرداد صورته الردعيّة.. فهل سيسمح بذلك؟ بالطبع كلا، حتى ولو عن طريق حملة دبلوماسيّة. فهو يعتبر أن كل تراجع في هذا الموضوع قد يُشكّل سابقة لدول أخرى، وقد يعكس قبوله للأمر ويُفسّر على أنه ضعف إسرائيلي، وذلك كما فُسّر الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000 على أنه انهيار لصورة الجيش الإسرائيلي، فكانت المقاومة اللبنانيّة مثالا يُحتذى من قبل انتفاضة الأقصى، وبات العرب يعتبرون أن إسرائيل لا تفهم إلا لغّة القوّة. وهذا ما يريد شارون تغييره.

تعتبر إسرائيل نفسها الدولة الأقوى في المنطقة، وتمتدّ مناطق نفوذها من فلسطين وحتى الهند.. وهذا ما عبّر عنه شارون من وقت بعيد عندما حدّد الدوائر الثلاث حيث المخاطر على إسرائيل:

  • الدائرة الأولى تتمثّل في دول المحيط.
  • الدائرة الثانية تتمثّل في العمق العربي (العراق والسعوديّة وحاليا إيران).
  • أما الدائرة الثالثة فهي تمتد حتى باكستان والهند (خاصة بعد القنبلة النوويّة الإسلامية في باكستان).


اقترح بيريز في كتابه "الشرق الأوسط الجديد" أن تكون المعامل والمصانع موجودة على الحدود المشتركة مع العرب، فهو يعتقد أن هذا الوضع قد يبعد الدول من الذهاب إلى الحرب، فالحروب تبدأ على الحدود، ولا يمكن لأية دولة أن تذهب إلى الحرب لتدمّر اقتصادها
وتعتبر إسرائيل أيضا أنه يمكنها التدخّل عسكريا في أيّة دائرة إذا اعتقدت أن مصالحها مهدّدة.. وهي فعلا ضربت المفاعل العراقي عام 1981 رغم التنديد العالمي، وها هي الآن تهدّد العراق بالنووي إذا ما قصفها في الحرب الأميركية المزمع خوضها، هذا عدا ضربها لبنان مرات عدّة وتهديد سوريا.

لذلك يرى شارون أنه إذا امتدّت منطقة نفوذ إسرائيل إلى هذا الحدّ فكيف للبنان أن يقوم بمشروعه وهو على عشرة أمتار من الحدود مع إسرائيل؟ على الأقل كان على لبنان فتح باب الحوار معه فيما خصّ الماء فيكون بذلك حقّق هدفا جديدا، الأمر الذي قد ينسحب على ما يدور في مزارع شبعا. عند تخطيطه الإستراتيجي يضع شارون نصب عينيه السيناريو الأسوأ. ما المقصود بذلك؟

إن أكثر ما يقلق شارون هو الأبعاد التالية: الجغرافيا والطبوغرافيا ومن ثم الديمغرافيا. وعند تخطيطه يأخذ بعين الاعتبار هذه الأبعاد. فهو يريد الجولان لأنه بُعد جغرافي إستراتيجي حيوي إذا تكرّرت حرب أكتوبر/تشرين الأول (السيناريو الأسوأ)، وعلى هذا الأساس يتم التخطيط ويندرج الخطاب السياسي.

كما يريد شارون زرع المستوطنات الإسرائيلية ذات المهمة الأمنية في مراكز طبوغرافية إستراتيجيّة في كل من الضفة والقطاع. وأيضا يريد تطويق المدن الفلسطينيّة الكبرى بطرق فرعيّة وعزلها عن بعضها البعض.. ويساعد هذا الوضع خلال السيناريو الأسوأ الجيش الإسرائيلي للسيطرة على الداخل وعلى إيصال الجنود إلى حدود الجبهة الشرقيّة للمشاركة في القتال.

وقد أحيت الحكومة الإسرائيلية مؤخرا المكتب الديمغرافي والذي كان قد أنشئ عقب حرب الأيام الستة، ويدلّ هذا الأمر على القلق الرسمي الإسرائيلي من المشكلة الديمغرافية، فما هي علاقة الوزاني بالديمغرافيا؟

اقترح شمعون بيريز في كتابه "الشرق الأوسط الجديد" أن تكون المعامل والمصانع موجودة على الحدود المشتركة مع العرب، فهو يعتقد أن هذا الوضع قد يبعد الدول من الذهاب إلى الحرب. فالحروب تبدأ على الحدود، ولا يمكن لأية دولة أن تذهب إلى الحرب لتدمّر اقتصادها. لكن بيريز وشارون لم يقترحا أبدا أن تكون الحدود المشتركة مكتظّة بالسكان المعادين، فحروب إسرائيل كما ذكرنا سابقا كانت على الحدود لإبعاد هؤلاء السكان وخلق مناطق عازلة. هكذا كانت سيناء، وكان جنوب لبنان، وكان ولا يزال الجولان.

فلو سلّمنا جدلا بنجاح المشروع اللبناني على نهر الوزاني، فما علاقته بالديمغرافيا؟

إن تأمين المياه لأهالي الجنوب قد يعني الثبات في الأرض، والثبات في الأرض قد يعني المزيد من الولادات، وقد يعني المزيد من التنمية والمزيد من طلب المياه، الأمر الذي قد يُشكلّ هاجسا أمنيّا مستقبليّاً خاصة إذا غاب السلام العادل والشامل عن الأفق. فالكثافة السكّانيّة تعني المزيد من المشاكل على الحدود، والكثافة قد تعني المزيد من العمران، والمزيد من العمران قد يعني تأمين الملاذ للمقاومة مستقبلا، والعمران قد يُشكلّ عائقا أمام أهمية هجوم برّي إسرائيلي، وقد يقلّل من التفوّق النوعي الإسرائيلي في المجال التكنولوجي الحربي.. كل هذا من ضمن النظرة واستباق السيناريو الأسوأ.

ماذا عن التوقيت اللبناني؟
في ظلّ موازين القوى القائمة يشكّل لبنان الحلقة الأضعف، لكن الحق إلى جانبه.. هل هذا يكفي؟ بالطبع كلا، إذ يقال "الحق دون قوة تحميه هو عجز، والقوّة العاتية دون حقّ مشروع هي طغيان". إذا لماذا وكيف أقدم لبنان على هذا التحدّي؟

عبر مسح المنطقة إستراتيجيّا يمكننا أن نلاحظ الأمور التالية:

  1. تقريبا انتهت أميركا من حربها المعلنة على أفغانستان.
  2. تحضّر أميركا الأجواء العالميّة والإقليمية لضرب العراق.
  3. تواجه أميركا صعوبات كبيرة في تأليف تحالف إقليمي ضد العراق.
  4. تمانع أغلب الدول العربية من استعمال أراضيها نقطة انطلاق لضرب العراق.
  5. لا تريد أميركا أن تظهر الحرب على العراق وكأنها حرب على الإسلام، خاصة وأن الحملة الأولى بعد 11 سبتمبر/ أيلول كانت ضد بلد إسلامي (أفغانستان).
  6. يلوم العرب أميركا على كل ما جرى ضد السلطة الفلسطينيّة.
  7. تريد أميركا أن تبقى إسرائيل خارج الحرب على العراق.
  8. تسعى أميركا إلى تامين استقرار كامل في المنطقة تحضيرا للحرب على بغداد، فكل توتر في المنطقة خاصة بين العرب وإسرائيل يعتبر لصالح العراق وقد يؤخّر الحملة.
  9. حقّق شارون نصرا كبيرا على عرفات، وهو قيد استغلال نصره هذا.

في ظل هذا الوضع يبدو أن أميركا تريد الاستقرار، وهي لا تريد حربا بين لبنان وإسرائيل قد تشمل سوريا، وإذا ما دخلت سوريا فقد يدخل العراق والعديد من الدول العربية، وهذا ما لا ترغب به أميركا.. إذا الضغط الحالي هو على شارون لضبط النفس، وإذا ما صعّد فسوف يظهر وكأنه يجهض الجهود الأميركية على العراق، وهو لا يرغب بذلك، خاصة وأن سبب التوتر هو موضوع بسيط من ضمن شبكة الأهداف الكبرى المعقدة في المنطقة. فموضوع الماء ليس موضوعا يتعلق بالإرهاب والقاعدة كي يتحرّر شارون من القيود.

كما أن ذكرى الانسحاب المخزي من جنوب لبنان لا تزال ماثلة في الذاكرة الجماعيّة الإسرائيليّة، هذا عدا استعداد المقاومة أكثر من السابق، وذلك على صعيدي الانتشار والتسلّح، فلدى المقاومة الآن صواريخ بعيدة المدى، وهي أصبحت أقرب إلى الحدود مع إسرائيل، وتعتبر هذه الأمور من الأمور الرادعة.. من هنا كان التوقيت اللبناني مثاليا لبدء المشروع المائي.

سر الاهتمام الأميركي
بعد العدوان الثلاثي على مصر وتدخل أميركا إلى جانب مصر، تحوّلت أميركا لتكون عرّابة إسرائيل بعد أن كان الخوف على المنطقة من اشتراكيّة بن غوريون. وإلى جانب الدعمين السياسي والعسكري، كانت الولايات المتحدة مهتمة دائما بالأمن المائي الإسرائيلي. ومن منا لا يتذكّر مشروع جونستون 1955؟


إن تأمين المياه لأهالي الجنوب قد يعني الثبات في الأرض، وهذا يعني المزيد من الولادات والتنمية والمزيد من طلب المياه، الأمر الذي قد يُشكلّ هاجسا أمنيّا مستقبليّاً خاصة إذا غاب السلام العادل والشامل عن الأفق
وكذلك بعد عقد مؤتمر مدريد عام 1991 انبثقت عنه خمس لجان، إحداها تهتم بالماء وتترأسها الولايات المتحدة.. ويبدو أن الهدف من هذه اللجنة هو عزل موضوع الماء عن الصراع السياسي. لذلك تسعى أميركا إلى خلق مشاريع متعدّدة بين المتنازعين، كالتحلية، وإعادة تكرير المياه المبتذلة، وإنشاء بنك للمعلومات عن المياه في المنطقة.. إلخ. كل ذلك بهدف ربط هذه الدول بمشاريع تنمويّة مشتركة قد تسهم في خفض حدّة الصراع، فالهدف الأميركي هو ربط الكل من ضمن شبكة (Networking) بهدف إبعاد شبح الحرب، وهي حاليّا أرسلت مبعوثا للهدف نفسه.

في الختام يبقى السؤال الأساسي عن شكل مرحلة ما بعد ضرب العراق، فهل ستُطلق يد شارون في المنطقة لتزرع فيها الدمار والدم؟ من هنا ينبغي التحضير للسيناريو الأسوأ، ليس على الصعيد اللبناني فقط، بل العربي بالإجمال.

_______________
*كاتب وباحث لبناني، عميد ركن متقاعد، عميد شؤون الطلاب في جامعة سيدة اللويزة لبنان.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة