الثورة السورية وربع الساعة الأخير   
الخميس 1432/9/13 هـ - الموافق 11/8/2011 م (آخر تحديث) الساعة 15:26 (مكة المكرمة)، 12:26 (غرينتش)
غازي دحمان

 
أراد النظام الأمني السوري -من خلال استباحته لحماة ودير الزور- توجيه رسالة إلى باقي المدن السورية الثائرة، وتلك التي تتحضر للثورة، مفادها أن قمعه لا يعرف حدوداً، وأنه مستعد للسير في المغامرة إلى أقصاها، وعلى الشارع أن يتلمس رأسه ويحسب ألف حساب لأي تعبير احتجاجي قد يخطر على البال، وذلك بعد أن أخذت التعبيرات الاحتجاجية تنوعات عدة عبرت عنها قطاعات مختلفة من فئات الشعب.
 
وكانت أكثر تعبيراتها وضوحاً الوقفات الاحتجاجية المساندة للثورة من قبل الفنانين والمحامين والأطباء وسواهم من نخب المجتمع السوري التي شجعها زخم حراك حماة ودير الزور وبقية المدن الثائرة بقوة.

وبالفعل، وصلت رسالة النظام إلى الشعب السوري، ويمكن القول إنه جرى فهمها تماماً، ولكن ليس بالصيغة التي أرادها النظام، فقد ثبت أن الثورة السورية استطاعت، وعلى مدار ستة أشهر من عمر الثورة، التكيف مع كل أنماط التعاطي الأمني والسلطوي، بل إنها باتت تستطيع تقدير هذه الأنماط ورسم الإستراتيجيات المكافئة والمعطلة لفعاليتها، وقد بدا ذلك واضحاً من خلال قدرة الثورة على ترميم المستوى القيادي فيها، رغم تعرضه لضربات أمنية قاسية في مسار الثورة أدت إلى اعتقال وقتل الكثير من الناشطين.
 
غير أن دينامية الحراك كان لها دور فاعل في عملية الرفد الدائمة، الأمر الذي أنقذ الثورة من الوقوع في حالة الفوضى والتشتت التي أرادها النظام لها، لتصل الثورة بعد ذلك إلى ربع ساعتها الأخير وتتجهز لهذه اللحظة بثلاثة معطيات مهمة.
 
"
جرى تفكيك بنية الخوف لبنة بعد أخرى، فكان كل موت يبعث حياة جديدة في عروق الثورة، وصارت كل حالة اعتقال ترفد الثورة بأحرار جدد
"
لعل أهم أرصدة الثورة السورية، وأكثر أسلحتها فاعلية هو القدرة على مواجهة القمع بالإصرار على متابعة الثورة والوصول إلى الغايات المرجوة، وقد كان واضحاً أن النظام -على مدار الستة أشهر الماضية- عمد إلى استخدام كافة أسلحته الفتاكة، ولم يوفر شكلاً من أشكال القمع، أيا تكن طبيعته العنفية والأخلاقية، ولم يزد ذلك الثورة إلا إصراراً، حتى تحولت الثورة إلى حلقة مفرغة، تتغذى بصورة مستمرة من دورانها.
 
وفي الطريق إلى هذه المرحلة، جرى تفكيك بنية الخوف لبنة بعد أخرى، فكان كل موت يبعث حياة جديدة في عروق الثورة، وصارت كل حالة اعتقال ترفد الثورة بأحرار جدد، وبات التعذيب -بمقدار ما يزيد شجن الثورة- يغذي أشواقها للحرية والخلاص.

وخلاصات ذلك، أن الثورة بلورت عناصر فعلها على الأرض، خصم صعب وعنيد هو عبارة عن جيل من الشباب، لم يأخذ فرصته الكافية في التدجين في معسكر النظام، كما تربى خفية على قيم غير تلك التي يفرضها أو يتيحها النظام، ومشكلة هذا الأخير مع هذه الطبعة الجديدة من السوريين تتمثل في كون سقف مطالبهم أكبر بكثير من قدرات النظام على الالتفاف عليها.
 
فلا عدة النظام الإيديولوجية (الوحدة والحرية والاشتراكية) -التي باتت في نظر هذا الجيل أقل حتى من شعارات فارغة- تستطيع ضبطه في إطار السياقات التقليدية للنظام (شبيبة الثورة وحزب البعث)، ولا إعلامه المتخلف قادر على جذبه وقولبته مواطناً صالحاً في مملكة الخوف والصمت.
 
وبالتالي تبدو كل محاولات النظام للالتفاف على هذا الجيل بائسة وتدعو حتى للشفقة، حيث لا تعنيهم كثيراً قوانين أحزاب مدورة ولا قوانين إعلام مدبجة، ولا يهمهم أي وجيه ستوصله القوانين الانتخابية المفصلة إلى مجلس الشعب، إنهم يريدون صناعة مستقبلهم بأيديهم هم، وهذه الإرادة والرغبة لا يوفرها نظام بات مستقبله وراءه.
 
شكلت دمشق صراعاً مريراً بين الثورة والسلطة، لما تمثله من رمزية وكتلة سكانية كبيرة، وكان كل من الطرفين يسعى لضمها إلى طرفه، بالنسبة للثورة فإن كل الحراك بدون دمشق كان سيبقى مجرد حركات احتجاجية ذات طابع محلي في أحسن الأحوال، وبالنسبة للنظام، فإن بقاء دمشق خارج إطار الثورة يوفر له هوامش حركة ومناورة سياسية وأمنية معتبرة.
 
وقد ساعدت الطبيعة العمرانية والواقع الديمغرافي اللامتماسك للعاصمة في تأخير الحراك، لكن ذلك لم يكن يعني بأي حال من الأحوال أن الدمشقيين كانوا خارج الحراك، كما أراد النظام أن يوهم الداخل والخارج بذلك، فمن يعرف تفاصيل الواقع الدمشقي يدرك أن سكان المدينة الأصليون نتيجة كبر حجم العائلات ومنع البناء في مناطق دمشق القديمة، باتوا يتوزعون في الضواحي القريبة مثل داريا وكفرسوسة ودوما وسقبا والقابون والحجر الأسود والمعضمية والقدم والتل...، وسواها من المناطق المسماة إداريا ريف دمشق، مما يعني أنهم جزء أساسي في الحراك الحاصل في هذه المناطق.

غير أن قوى الثورة أدركت منذ البداية أن للمكان أهميته ورمزيته ولا بد من انخراط الأحياء التقليدية لدمشق في الثورة، وذلك إسهاماً في إضعاف النظام ودحض روايته حول العصابات المسلحة، فدمشق التي تقع تحت العين الدبلوماسية لوجود السفارات ووكالات الأنباء (حتى وإن كانت عاطلة عن العمل)، قادرة على إعطاء الصورة الحقيقية عن الثورة.
 
"
أصبحت منطقة الميدان منارة الثورة والثوار في دمشق، كما انخرط سكانها، الشوام العتق، وأهل باب الحارة في الثورة، وصارت كل مساجد المنطقة شريكة في رفد الثورة بالمتظاهرين
"
وبالفعل جرت محاولات إدخال دمشق في الثورة من خلال جامع الرفاعي، قبل أن يدرك النشطاء، صعوبة الأمر -إن لم تكن استحالته- لوقوع الجامع في منطقة أمنية حساسة تتركز فيها كل أفرع أجهزة الأمن، ولقربها من ساحة الأمويين، المنطقة التي أرادتها الثورة ميداناً يشبه ميدان التحرير في مصر، فجرى الانتقال إلى منطقة  الميدان وجامع الحسن فيها الذي يخطب في جمعه الشيخ راجح كريم شيخ قراء بلاد الشام.

وهكذا أصبحت منطقة الميدان منارة الثورة والثوار في دمشق، كما انخرط سكانها، الشوام العتق، وأهل باب الحارة في الثورة، وصارت كل مساجد المنطقة على كثرتها شريكة في رفد الثورة يومياً بمئات وآلاف المتظاهرين.
 
كما أن تنسيقية حي الميدان باتت من أكثر التنسيقيات تنظيماً وفاعلية، واستطاعت -رغم كل ما ووجهت به من قمع- أن تجذر الثورة وتنقلها إلى المناطق القريبة، حي الشاغور التاريخي، ومن يعرف تفاصيل الواقع الجغرافي لدمشق سيكتشف أن الميدان يشكل النصف الجنوبي للمدينة، وتحيط به -بل وتغذيه- أحياء نهر عيشة والحجر الأسود والقدم والزاهرة والحقلة والتضامن، وهي مناطق أعلنت انضمامها للثورة باكراً.

بالتزامن مع ذلك، كان الجزء الغربي لدمشق -الذي يتكون من القوس الممتد من القابون إلى برزة حتى ركن الدين- يتفاعل مع الثورة بقوة ويطور حراكه بطريقة أربكت القوى الأمنية كثيراً، بل ويجري إيصال الثورة إلى أكثر أحياء دمشق حساسية وخاصة حيي أبو رمانة والمزة، حيث توجد كافة البعثات الدبلوماسية ومكاتب الشركات الكبرى.
 
مثلت حلب التحدي الأكبر للثورة ونشطائها، وقد بدا -لوقت طويل- أن المدينة تستعصي على الانخراط في الثورة، ودفع هذا الأمر بالكثير من المراقبين الخارجيين إلى إعطاء تفسيرات تربط هذه الظاهرة بوقائع اقتصادية وجهوية معينة، ولكن واقع حلب كان يختلف عن ذلك.
 
وكانت المدينة تعيش حالة من الغليان، خاصة بعد اندلاع الثورة في إدلب التي يشكل أهلها ثلث سكان حلب، غير أن الأوضاع في حلب تختلف بالفعل عن غيرها في سوريا.
 
فالمدينة -وبعد تجربة الإخوان المسلمين التي انطلقت منها قبل حماة في بداية ثمانينيات القرن الماضي- تعرضت لهجمة شرسة من النظام عمل خلالها على تفتيت البنية الاجتماعية، ومحاولة إفساد المنظومة القيمية والأخلاقية للمدينة وخاصة البعد الديني منها، عبر فرضه لأنواع من الأئمة والمفتين الموالين.
 
كما عمل النظام على تعميم الفساد في المستوى الاقتصادي والتجاري بما له من أهمية في حلب، وأوجد مراكز قوة اقتصادية ذات طابع مافيوي تابعة له، وهي المراكز التي تنتج من يسمون "شبيحة حلب" الذين يقفون في وجه الثورة، هذا فضلاً عن الكثافة الأمنية الهائلة التي خص بها النظام مدينة حلب.
"
تثبت الشواهد أن حلب جاهدت للتخلص من إرث النظام وعقابيله، وبدأت الحركة التوثيقية للثورة تسجل العديد من النقاط التي تلتحق بشكل يومي بفعاليات الحراك الشعبي
"

وتثبت الشواهد أن حلب جاهدت للتخلص من إرث النظام وعقابيله، وبدأت الحركة التوثيقية للثورة تسجل العديد من النقاط التي تلتحق بشكل يومي بفعاليات الحراك الشعبي المنتعش في شهر رمضان، وباتت مناطق سيف الدولة والجميلية والأعظمية والسبيل والباب وغيرها من أحياء حلب بؤرا ثائرة ومتفجرة في وجه النظام.
 
كما أن تنسيقيات حلب بدأت تنظيم عملها بشكل لافت من خلال قدرتها على مواجهة آلة القمع الجهنمية وتشتيت قدراتها، وتنظيم الحركة الاحتجاجية بأقل قدر من الخسائر.
 
ربع الساعة الأخير من الثورة السورية بدأ، كل ما في الأرض السورية بات متجهزاً لهذا الحدث، لكن انتبهوا! إذ لا يعني ذلك أن الانتصارات ستتحقق بطريقة درامية، ثمة فصل من العنف يتحضر له النظام ربما تفوق تكاليفه ما حدث حتى اللحظة في سوريا على ضخامته، لكن الثورة في النهاية لن تنحر نفسها ليحيا المستبد.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة