خلافة البشير.. هيمنة العسكر وتطلعات المدنيين   
الاثنين 16/11/1433 هـ - الموافق 1/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 16:51 (مكة المكرمة)، 13:51 (غرينتش)
ياسر محجوب الحسين

 


دواعي ترجّل البشير
الشخصيات المرشحة للخلافة
نافع علي نافع
المجموعة العسكرية
لماذا وزير الدفاع؟

بعد 23 عاماً قضاها الرئيس السوداني "عمر البشير" في السلطة، يحتدم اليوم الجدل في الخرطوم حول خلافته.. ما يصعّب مهمة اختيار الخلف، طول المدة التي قضاها الرئيس "البشير" كأطول فترة قضاها رئيس سوداني على سُدة الحكم منذ استقلال البلاد في العام 1956.

وهناك مجموعة من الشخصيات المؤهلة المتنافسة، بينهم شخصيات عسكرية وأخرى مدنية, ومن المؤمل أن ينتخب المؤتمر العام لحزبه (المؤتمر الوطني الحاكم) رئيساً جديداً للحزب يترشّح في انتخابات الرئاسة القادمة مع نهاية ولايته بعد ثلاث سنوات حيث تجري في صيف العام 2015.

الجدل الذي ربما يرقى إلى حالة من الصراع داخل حزب المؤتمر الوطني الحاكم، يدور بين تيارين؛ تيار يرى ضرورة التغيير، بيد أن التيار الآخر يحاول تجنبه. يبدو أن الجدل المثار بسبب فيروس عدم المؤسسية التي تمهد لانتقال سلس للزعامة بين الأجيال، وقد أصاب هذا الفيروس من قبل جميع الأحزاب السياسية في السودان، وحزب المؤتمر الوطني برئاسة "البشير" ليس استثناءً.

اليوم لا يعرف الناس من سيخلف "الصادق المهدي" رئيس حزب الأمة القومي والذي مضت على رئاسته للحزب مدة تجاوزت الأربعين عاماً، وكذلك الحال بالنسبة لمن يخلف "محمد عثمان الميرغني" رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي والذي قضى مدة مماثلة لمدة "الصادق المهدي"، كما ظل "محمد إبراهيم نقد" زعيما للحزب الشيوعي السوداني مدة مماثلة حتى وفاته قبل أشهر قليلة.

دواعي ترجّل البشير
رغم ارتفاع أصوات أصحاب المصالح المرتبطة ببقاء الرئيس "البشير" في السلطة إلا أن كثيراً من الدواعي والشواهد تصب في اتجاه التغيير, أهم ذلك عدم رغبة الرئيس "البشير" نفسه في الاستمرار في الحكم، وقد كرر ذلك في مناسبات مختلفة مما حدا بدعاة التغيير أن يطرحوا رغبتهم علناً ودون مواربة.

من أهم دواعي ترجل الرئيس "البشير" أن وصوله للحكم جاء عبر انقلاب عسكري، وهذه الوسيلة رسخت النظرة إليه كحاكم عسكري ولم تتغير رغم انتخابه

كذلك المناخ الدولي والإقليمي وثوارت الربيع العربي تدفع عددا من راسمي الإستراتيجيات داخل حزب المؤتمر الوطني لطرح التغيير باعتباره محوراً مهماً في خطط مواجهة الأزمات التي تواجهها البلاد، وأن التغيير يمثل فرصة لالتقاط الأنفاس باعتبار أن ذلك التغيير يجعل الفرصة مواتية أمام الدول التي ظلت مناوئة لسياسة "البشير" لفتح صفحة جديدة مع السودان خاصة الولايات المتحدة الأميركية والمجموعة الأوروبية.

كذلك من أهم دواعي ترجل الرئيس "البشير" أن وصوله للحكم جاء عبر انقلاب عسكري في يونيو/حزيران من العام 1989، وهذه الوسيلة رسخت النظرة إليه كحاكم عسكري ولم تتغير هذه النظرة رغم انتخابه عبر الاقتراع المباشر كرئيس مدني في أبريل/نيسان من العام 2010، وقد جاء ذلك بعد خلعه بزته العسكرية حسب شرط قانون الانتخابات.. والانطباع الدولي الذي ما زال سائداً، هو أن "البشير" انقلب على حكومة منتخبة وهي حكومة رئيس الوزراء الأسبق "الصادق المهدي".

الشخصيات المرشحة للخلافة
أكثر من ست شخصيات دار الجدل حولها باعتبارها مؤهلة لخلافة الرئيس "البشير"، منها شخصيتان عسكريتان وهما من بقي متنفذاً ومقرباً من "البشير" من مجموعة الضباط الذين نفذوا انقلاب يونيو/حزيران 1989.

أما الأربع شخصيات المتبقية فهم مدنيون منهم اثنان من الجيل الثاني وهم الأقرب لفئة الشباب، لكننا سنقصر الحديث على أربعة اثنين من العسكريين واثنين من المدنيين.. وهناك معايير جامعة للمرشحين جعلتهم مثار الجدل، بيد أن لكل منهم مزايا تفضيلية.

يعتبر "علي عثمان محمد طه" النائب الأول للرئيس "البشير" الأقرب لخلافة "البشير" من بين المجموعة المدنية، وهو الأمين العام الحالي للحركة الإسلامية السودانية الذي يعتبر حزب المؤتمر الوطني الحاكم جناحها السياسي، وهو نائب "البشير" في رئاسة هذا الحزب.

عند وفاة النائب الأول للرئيس الفريق أول "الزبير محمد صالح" في حادث سقوط طائرة في العام 1998، وجد "البشير" في "علي عثمان" الرجل المناسب للقيام بمهمة النائب الأول. وعند اختلاف الرئيس "البشير" مع "حسن الترابي" في العام 1999 -فيما عرف بالمفاصلة- انحاز "علي عثمان" للرئيس "البشير" وأصبح رمزاً للقيادة الحركية للإسلاميين الذين انحازوا لجانب "البشير".

وكان نجم الرجل قد بزغ منذ أن انتخب رئيساً لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم عام 1967. وقد ظهرت مواهبه السياسية منذ أن ابتُعث وعمره 30 عاما إلى بريطانيا في العام 1977 للقاء القيادي الاتحادي البارز المرحوم "الشريف حسين الهندي"، زعيم الجبهة الوطنية المعارضة لحكم الرئيس الأسبق "جعفر نميري"، لينقل وجهة نظر جبهة الميثاق الإسلامي حول عملية المصالحة الجارية حينذاك مع نظام "نميري".

يعتبر علي عثمان طه الأقرب لخلافة البشير من بين المجموعة المدنية، وهو الأمين العام الحالي للحركة الإسلامية السودانية، وهو نائب البشير في رئاسة حزب المؤتمر (الجناح السياسي للحركة)

كذلك استفاد "علي عثمان" كثيراً من تقديمه المبكر للقيادة، تحديداً منذ العام 1986 عندما أصبح نائباً للأمين العام للجبهة الإسلامية القومية التي كان يقود أمانتها العامة الدكتور "حسن الترابي"، وكذلك قيادته للمعارضة البرلمانية في مواجهة "الصادق المهدي".

ولعل أبرز المحطات السياسية للرجل ترأسه مفاوضات السلام بين شمال وجنوب السودان حيث أفضت إلى توقيع اتفاق السلام الشامل في التاسع من يناير/كانون الثاني 2005. دور الرجل في إنجاح الاتفاقية أكسبه احتراماً دولياً وإقليمياً. وكنتيجة لاستحقاقات هذه الاتفاقية أدى "علي عثمان" القسم نائباً ثانياً لرئيس الجمهورية مفسحاً المجال لقائد تمرد الحركة الشعبية في الجنوب "جون قرنق" ليكون نائبا أول ممثلا للحركة التي وقعت مع الحكومة الاتفاقية. نشير هنا إلى أن أستاذه وشيخه "حسن الترابي" وصفه عندما سئل عن ترشيحه للرئاسة بأنه (حريص وحذِر، بينما الشخص الأول يحتاج أن يقترح على الناس ويعبّر عن القرارات).

نافع علي نافع
المرشح الآخر ضمن المجموعة المدنية هو الدكتور "نافع علي نافع" مساعد رئيس الجمهورية ويتقاسم مع "علي عثمان" نيابة "البشير" في رئاسة حزب المؤتمر الوطني الحاكم إلا أنه يعتبر القائد الفعلي للتنظيم، ويتمتع بمقدرات تنظيمية وسياسية عالية، وعرف بالجرأة والجسارة والوضوح، وهو شديد و(قاس) في التعاطي مع معارضيه وخصومه من الأحزاب الأخرى.

و"نافع" كذلك انحاز إلى "البشير" في تلك المفاصلة الشهيرة. ولعب "نافع" دوراً كبيراً في تقوية الجناح المنحاز إلى "البشير".. شدة وغلظة "نافع" في مقارعة الخصوم يحسبها له أنصاره، ويرونه بهما الأقدر على قيادة البلاد التي تواجه تحديات جساما.

ويقول كاتب صحفي إن حتى معارضيه الذين يرفضون حدته وغلظته فإنهم كثيراً ما يتجاوزون ذلك بما يعرفون عنه من مصداقية والتزام بما يقول ويقطع على نفسه.

السيرة الذاتية للدكتور "نافع" تقول إنه تخرج في جامعة الخرطوم كلية الزراعة، ثم ابتعث منها لنيل درجة الدكتوراه في علم الوراثة من جامعة كاليفورنيا التي عاد منها عام 1980 ليعمل أستاذا في جامعة الخرطوم.

وكان "نافع" عضواً في تيار الحركة الإسلامية بجامعة الخرطوم لكنه لم يكن يُعرف عنه أنه قائد طلابي حينها.. عين الرجل مديراً لجهاز الأمن العام مع قيام نظام (الإنقاذ) لخلفيته الدقيقة في المعلومات ورصدها، ثم مديرا لجهاز الأمن الخارجي برتبة لواء قبل أن يعفى من منصبه في العام 1995.

عين وزيرا للزراعة والغابات، ثم مستشارا لرئيس الجمهورية للسلام، ثم وزيرا لديوان الحكم الاتحادي، قبل أن يصبح مؤخرا مساعدا لرئيس الجمهورية ونائبا لرئيس حزب المؤتمر الوطني.

عندما سئل "الترابي" عن ترشيح "نافع" قال: (قلبه أبيض من لسانه، لكنه لا يستطيع أن ينشر دعوته ويمد شعبية حزبه. كما اعتبره غير سياسي، ودخل إلى الحركة الإسلامية لمهام أمنية، مضيفاً أن إدارة السياسة تستند إلى حجج وحيثيات ومبادرات ولربما لا يبلغ هذا المقام).

المجموعة العسكرية
أما مجموعة العسكريين فتضم كلاً من الفريق أول "عبد الرحيم محمد حسين" وزير الدفاع والفريق أول "بكري حسن صالح" وزير رئاسة الجمهورية.. المؤشرات تقول إن هذه المجموعة سيكون لها الحظ الأوفر وهي التي تسيطر على عقل وفكر الرئيس "البشير"، وهو بحكم انتمائه العسكري يقترب كثيراً في مزاجه العام منهم.

ما يميز الفريق أول "بكري" أنه ضابط أصيل خريج الكلية الحربية، وهؤلاء لهم مكان خاص وتصنيف نوعي داخل المؤسسة العسكرية. وهو رجل قليل الكلام، وقد أثبت كفاءة عالية في موقعه الحالي وزيراً لرئاسة الجمهورية، ورغم عسكريته لكن من يعملون معه يؤكدون لين جانبه مما مكنه من تنمية علاقات وصلات متميزة داخلياً وخارجياً.

وقيل إنه عندما دخل مجموعة من الإسلاميين الذين خطوا مذكرة العشرة التي سبقت المفاصلة على "بكري"، وكان وقتها برتبة العميد، يطلبون منه ترتيب لقاء مع "البشير" بوصفه وزيرا للرئاسة، وعندما قرأ نص المذكرة (الانقلابية) لم يتردد في التوقيع عليها وأصبح واحداً من العشرة الموقعين وكان من أوائل الذين ساندوا "البشير" في مواجهة "الترابي".

بكري ظل قريبا من البشير منذ عهد العمل في الجيش. كل من "بكري" و"البشير" انتسبا لسلاح المظلات، لهذا قد يصبح الفريق أول "بكري" الأقرب للرئاسة بمواصفات الرئيس "البشير".

لكن ما هي مواصفات الرئيس "البشير"؟.. صراع "البشير" مع المحكمة الجنائية الدولية منذ مذكرة التوقيف في يوليو/تموز 2008 يجعله يبحث عن رجل ثقة يترك له مقاليد الأمر في القصر الرئاسي ولا يقدم على التضحية به مستقبلا تحت أي ظرف ولا مقابل أي ثمن، ومثل هذه الثقة قد لا تتوفر في المدنيين أمثال "علي عثمان" و"نافع علي نافع".

العسكريون أوفياء لزملائهم في المهنة. المشير "عبد الرحمن سوار الذهب" الذي استلم السلطة من الرئيس جعفر نميري في أبريل/نيسان 1985 إثر ثورة شعبية لم يكن حريصا على محاكمته، كذلك المشير محمد حسين طنطاوي في مصر جعل الرئيس حسني مبارك بعيداً عن الإذلال, هذه الميزة التفضيلية لا تتوفر إلا في رجلين هما الفريق أول "عبد الرحيم" والفريق أول "بكري"، كلاهما خيار مفضل للرئيس "البشير".

المقارنة بين "عبد الرحيم" و"بكري" تصب في صالح الأول الذي يحتفظ بعلاقات خاصة جداً بالرئيس البشير، فضلا عن أنه مثل "البشير" مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية

لماذا وزير الدفاع؟
والمقارنة بين "عبد الرحيم" و"بكري" تصب في صالح الأول الذي يحتفظ بعلاقات خاصة جداً بالرئيس "البشير"، فضلا عن أنه مثل "البشير" أصدرت المحكمة الجنائية الدولية، في حقه في فبراير/شباط الماضي مذكرة اعتقال.

كان "عبد الرحيم" ناشطاً في اتحاد الطلاب ومتحدثاً باسمهم في كثير من المناسبات، هذه الصفات القيادية المبكرة جعلته يتدرج حتى وصل إلى القيادة العليا.. وكان مصنفاً على أنه كادر إسلامي منذ نهاية الستينيات وتحديداً العام 1967.

وقد درس بالمعهد الفني (جامعة السودان حالياً) ثم بعث إلى روسيا ودرس الهندسة الميكانيكية في مجال الطائرات وصار مهندساً بسلاح الطيران، وعمل بعدها بمعهد القوات الجوية السودانية.

والرجل اجتماعي من الطراز الأول، فدائماً ما تجده في المناسبات الاجتماعية مشاركاً. ويصف نفسه بأنه جندي شديد الإخلاص لنظام (الإنقاذ) ومشروعها، وجاء هذا الوصف في خطاب استقالته من وزارة الداخلية منتصف يونيو/حزيران 2005.

قاوم الرئيس "البشير" كل الانتقادات التي وجهت للفريق "عبد الرحيم" بشدة ولم يأخذ بها والتي رافقت مسيرة الرجل في العمل التنفيذي، سواء وزيراً للداخلية أو وزيراً لرئاسة الجمهورية أو في موقعه الحالي وزيراً للدفاع.

آخر الانتقادات كانت بسبب احتلال الجيش الشعبي لمنطقة هجليج النفطية التي تنتج وحدها أكثر من 50% من نفط السودان في أبريل/نيسان الماضي، ورغم إعلان "عبد الرحيم" استعادة جيشه السيطرة على هجليج إلا أن ذلك لم يعفه من سهام اللوم والتقصير, ولكن مع تصادم هذه المطالبات برأي "البشير" في الرجل والذي لا يتزحزح عنه, خفتت حدة المطالبة بإقالته واستقر الرأي على طلب المحاسبة فقط وحتى هذه مشكوك فيها.

ويشير البعض إلى أن إمساك الرجل حالياً بملف التفاوض مع دولة جنوب السودان يدخل في إطار تحضير الرجل للمهمة القادمة، فالرئاسة (70%) منها مكون خارجي، بينما المكون الداخلي فقط (30%).

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة