حاضر الهوية المسلمة الأميركية   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


بقلم/ علاء بيومي

- مصادر الضغوط على الهوية المسلمة الأميركية
- مراحل اندماج المسلمين الأميركيين
- تبعات أحداث سبتمبر/ أيلول 2001
- عوامل نمو الهوية المسلمة وانتشارها

التوترات التي تشهدها العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية والعالم الإسلامي خاصة منذ أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 زادت من الضغوط التي تتعرض لها هوية المسلمين الأميركيين، وهي الجماعة البشرية الأساسية التي تربط الطرفين وتمثل المختبر الأهم للحوار والتعايش بينهما.

مصادر الضغوط على الهوية المسلمة الأميركية
وقد أتت هذه الضغوط من مصدرين أساسيين: أولهما أقلية أميركية متشددة حاولت التشكيك في هوية المسلمين الأميركيين ووطنيتهم وتصويرهم على أنهم "طابور خامس" يعيش داخل أميركا يتحين الفرصة للانقضاض عليها، إذ نشر بول ويرتش ووليام ليند -وهما من قادة الجماعات الدينية الأميركية المحافظة- كتابا بعد أحداث سبتمبر/ أيلول بعنوان "لماذا يمثل الإسلام تهديدا لأميركا والغرب؟" يقولان فيه إنه "يجب تشجيع المسلمين الأميركيين على الرحيل.. إنهم طابور خامس في هذا البلد".

وروج لهذه الأفكار المتطرفة العديد من الكتاب اليمينيين المتشددين مثل الكاتبة الأميركية المتشددة آن كالتر، وبعض الكاتب المتطرفين في تأييدهم لإسرائيل كالكاتب دانيال بايبس.

على الطرف الآخر وقفت أقلية من المسلمين موقفا سلبيا متشددا من الهوية المسلمة الأميركية ومظاهر التعبير عنها، إلى حد معارضة بعض المسلمين لدعوة أطلقتها منظمات مسلمة أميركية في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي لإقامة صلاة الاستسقاء والدعاء بنزول المطر لمواجهة موجة حرائق غابات ضخمة اجتاحت جنوب ولاية كاليفورنيا في ذلك الحين وأتت على أكثر من نصف مليون هكتار و2400 منزل.


أصبح المسلمون الأميركيون بعد أحداث سبتمبر أكثر وعيا بقضاياهم الداخلية ورغبة في العمل للدفاع عن قضاياهم العامة بالتعاون مع أحلاف متنامية من جماعات الحريات المدنية والأقليات الأخرى
مراحل اندماج المسلمين الأميركيين
أما بالنسبة لأغلبية المسلمين الأميركيين فيرى الخبراء أن أحداث 11 سبتمبر/ أيلول والفترة السابقة لها زادت من ارتباطهم بالهوية المسلمة الأميركية ولم تضعفها، إذ
يرى د. زاهد بخاري مدير مشروع "المسلمون في الساحة العامة الأميركية" أن تلك الأحداث ساعدت المسلمين على الإسراع بعجلة اندماجهم في المجتمع الأميركي، وذلك في دراسة له بعنوان "تعريف المسلمين الأميركيين" صدرت عام 2003.

وقد بنى د. بخاري رؤيته السابقة على فكرة أن الجماعات الأميركية الجديدة تمر بمراحل خمس تساعدها على الاندماج بشكل إيجابي في المجتمع. ففي المرحلة الأولى تركز الجماعة الجديدة على بناء قوتها الاقتصادية ومؤسساتها الدينية الأساسية (كالمساجد)، وفي المرحلة الثانية تركز الجماعة على بناء مدارسها الخاصة لحماية قيمها وتوريثها للأجيال التالية.

وفي المرحلة الثالثة تعمل الأقلية النامية نسبيا على مساعدة بلادها الأصلية من خلال الأعمال الخيرية والتبرعات، وفي المرحلة الرابعة تركز على الدفاع عن قضاياها الجديدة في مجتمعها الجديد مثل حقوقها المدنية وصورتها ومصالحها المختلفة. وفي المرحلة الخامسة تنفتح تلك الأقلية على قضايا المجتمع الأميركي بشكل عام وتبدأ في الدفاع عنها ومحاولة المشاركة في فعاليات الحياة العامة الأميركية مثلها مثل أي جماعة أخرى، ويكون ذلك مؤشرا إيجابيا على نضج الجماعة الجديدة واندماجها.

ويقول د. بخاري إن أحداث سبتمبر/ أيلول سرّعت وتيرة تقدم المسلمين الأميركيين على المستويين الرابع والخامس من مستويات اندماجهم، إذ أصبح هؤلاء أكثر وعيا بقضاياهم الداخلية وعلى رأسها التهديدات التي تتعرض لها حقوقهم المدنية، كما أصبحوا أيضا راغبين -أكثر من أي وقت مضى- في العمل للدفاع عن قضاياهم بالساحة العامة الأميركية بالتعاون مع أحلاف متنامية من جماعات الحريات المدنية والأقليات الأخرى.

ولو حاولنا تأصيل الرؤية السابقة تاريخيا وفقا لما توصلت إليه الدراسات الخاصة بنمو المؤسسات المسلمة الأميركية -وعلى رأسها دراسة "المساجد في أميركا" التي أصدرها مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير) عام 2001- لوجدنا أن عقد السبعينيات كان البداية الحقيقية لاندماج المسلمين في المجتمع الأميركي إذ شهد تأسيس 25% من مساجد أميركا، بينما لم يتم تأسيس سوى 13% فقط منها قبل السبعينيات.

وشهد عقد الثمانينيات الزيادة الأكبر في عدد المساجد الأميركية إذ تم تأسيس 32% منها، وانخفضت النسبة قليلا في عقد التسعينيات لتصل إلى 30%، وهي بدون شك نسبة مرتفعة تعبر عن انطلاق المسلمين في مرحلة اندماجهم الأولى بالمجتمع الأميركي خاصة إذا علمنا أن انتشار المساجد أدى إلى دفع عجلة تأسيس المدارس المسلمة، إذ تشير دراسة "المساجد في أميركا" إلى أن 21% من تلك المساجد قامت بتأسيس مدارس دوام كامل ملحقة بها يدرس بها ما لا يقل عن 31 ألف تلميذ مسلم.

والواضح أن غالبية هذه المدارس قد تم تأسيسها خلال عقد الثمانينيات، إذ أشار إحصاء أجري عام 1994 من قبل د. إحسان باجبي الأستاذ بجامعة كنتاكي إلى أن 17% من المساجد المحصاة في تلك الفترة كان لديها مدارس دوام كلي تابعة لها، وذلك يعني أن فترة الثمانينيات شهدت دخول مسلمي أميركا مرحلة اندماجهم الثانية.

كما تعني الدراسات السابقة أن عجلة اندماج المسلمين بمجتمعهم رغم حداثة وجودهم بالولايات المتحدة مرت بسرعة ملحوظة. ويساعدنا ذلك على القول إن مسلمي أميركا دخلوا مرحلة العمل العام لخدمة قضاياهم بالمجتمع –وهي المرحلة الرابعة من مراحل اندماجهم- قبل أحداث سبتمبر/ أيلول بسنوات، خاصة إذا علمنا أن هؤلاء المسلمين أسسوا عددا من أهم منظماتهم السياسية والحقوقية وعلى رأسها كير ومجلس الشؤون العامة الإسلامية (MPAC) قبل منتصف التسعينيات.

وهذا لا يعني أن مسلمي أميركا انتهوا من مرحلة اندماجهم الرابعة فهم ما يزالون يسيرون فيها، وهي بدون شك مرحلة طويلة. وما يزالون يحاولون دعم مستويات اندماجهم الأولى في المجتمع الأميركي والدخول في مرحلة الاندماج الخامسة والأخيرة التي تحتاج إلى درجتي وعي ونشاط عاليتين.


أدت أحداث سبتمبر إلى تقسيم المسلمين الأميركيين إلى ثلاث فرق أساسية: الأولى دفعتها الظروف إلى ترك أميركا أو الانسحاب من الحياة العامة, والثانية ذابت في المجتمع, والثالثة تمسكت بهويتها الإسلامية
تبعات أحداث سبتمبر

أما بالنسبة لتأثير أحداث سبتمبر/ أيلول على هوية المسلمين الأميركيين، فالواضح أن ضغوطها على حقوق المسلمين وصورتهم أدت إلى تقسيم المسلمين الأميركيين لثلاث فرق أساسية، أولها أقلية دفعتها الضغوط لترك الولايات المتحدة أو الانسحاب من الحياة العامة الأميركية، كما تحركت أقلية أخرى في اتجاه عكسي للذوبان في المجتمع إلى درجة سعي البعض لتغيير أسمائهم الإسلامية أو التخلي عن التعبير عن ديانتهم في الأماكن العامة.

أما غالبية المسلمين الأميركيين فقد سعوا لتأكيد ارتباطهم بهويتهم المسلمة الأميركية بعد 11 سبتمبر/ أيلول، إذ توصل استطلاع لآراء مسلمي أميركا أجراه كير بمناسبة مرور عامين على الأحداث وأصدر نتائجه يوم الـ 10 من نفس الشهر العام الماضي إلى أن نصف المسلمين الأميركيين تقريبا زادوا من نشاطهم الاجتماعي (58%) والسياسي (45%)، وفي مجال الحوار بين أبناء الأديان المختلفة (52%) منذ تلك الأحداث.

كما ذكر 49% من المشاركين في الاستطلاع أنهم زادوا من تعبيرهم عن هويتهم الإسلامية في الحياة العامة الأميركية.

عوامل نمو الهوية المسلمة وانتشارها
نتائج الاستطلاع السابق التي تؤكد نمو الهوية المسلمة الأميركية بعد الأحداث، يمكن تفسيرها بأربعة عوامل رئيسية:

أولا- ذكر 70% من المشاركين في الاستطلاع أنهم يشعرون بالحرية في ممارسة دينهم بدون قيود، مما يعني أن هذه الأحداث التي أثرت بشكل ملحوظ على حقوق المسلمين لم تؤثر سلبا على مدى الحرية الدينية التي يتمتعون بها.

ثانيا- اقترن شعور المسلمين الأميركيين بالتأثير السلبي لأحداث سبتمبر على حرياتهم المدنية وصورتهم بشعور عام بوجود فرصة للعمل والتأثير والدفاع عن قضاياهم من خلال العمل المنظم الواعي، إذ ذكر 88% من المشاركين في الاستطلاع أنهم يعرفون مسلما واحدا على الأقل عانى من التمييز خلال العام الماضي، كما ذكر 86% منهم أنهم تلقوا مساندات إيجابية من قبل الشعب الأميركي خلال الفترة ذاتها.

وتشير الدراسات الخاصة بتبعات أحداث سبتمبر/ أيلول على حقوق المسلمين المدنية إلى تعرض أكثر من 2000 مسلم للتمييز في الأسابيع التالية للهجمات, كما تم إجبار عشرات الآلاف من الطلاب والمهاجرين المسلمين على المشاركة في مقابلات مع سلطات الهجرة أو مكتب التحقيقات الفيدرالي.

كما ارتفعت نسبة الأميركيين الذين ينظرون للإسلام نظرة عامة سلبية أواخر عام 2002 وخلال 2003 لتصل إلى 38% من الشعب الأميركي. وشهدت نسبة الأميركيين الذي يرون أن الإسلام يشجع العنف ازديادا مطردا إذ بلغت 34% في سبتمبر/ أيلول 2003 مقارنة بنسبة 23% في أكتوبر/ تشرين الأول 2002 و14% فقط في يناير/ كانون الثاني 2002.

في المقابل ركز تقرير أصدره كير في سبتمبر/ أيلول 2003 عن "خبرة مسلمي أميركا على الصعيدين السياسي والحقوقي بعد عامين على الأحداث" على الفرص التي تمخضت عنها أزمة الأحداث مثل زيادة شعور مسلمي أميركا بأهمية التنظيم السياسي والقانوني بشكل عام، وتأسيس عدد من المنظمات المسلمة الأميركية الجديدة المعنية بالشؤون العامة، ونشاط المنظمات المسلمة في العمل مع عدد متزايد من المنظمات المدنية الأميركية التي اهتمت بالدفاع عن قضايا مسلمي أميركا الداخلية والدولية.

ثالثا- الفترة السابقة لأحداث سبتمبر/ أيلول شهدت انتشارا واسعا للهوية المسلمة الأميركية، فقد أشارت دراسة "المساجد في أميركا" إلى أن المسلمين الأميركيين كانوا مقبلين في بداية القرن الحادي والعشرين إقبالا واضحا على الاندماج في المجتمع الأميركي، إذ توصلت الدراسة إلى أن 96% من قادة المسلمين الأميركيين يؤيدون مشاركة المسلمين في مؤسسات المجتمع العامة المختلفة، كما يؤيد 89% منهم المشاركة في العملية السياسية.


أعلنت الغالبية العظمى من المسلمين الأميركيين إدانتها للهجمات الإرهابية وتمسكها بالولايات المتحدة وطنا وبهويتها الإسلامية وسعيها لاستخدام القانون والدستور الأميركي للدفاع عن حقوقها
كما انتشرت في الفترة ذاتها صورة إيجابية للمسلم الأميركي لدى ذاته وفي المحيط الأميركي، إذ توصلت عدة دراسات إلى أن المسلمين الأميركيين يتميزون كأقلية بالعديد من الخصائص الإيجابية، مثل ارتفاع مستواهم التعليمي إذ تبلغ نسبة حاملي الشهادات الجامعية منهم 58%، كما تقل أعمار 74% منهم عن خمسين عاما، وتزيد دخول 50% منهم على 50 ألف دولار سنويا، ويعمل 42% منهم في وظائف مرموقة كالطب والوظائف الإدارية والجامعات.

رابعا- بقى لنا أن نشير إلى الدور الإيجابي الهام الذي يلعبه الجيل الراهن من القيادات والمؤسسات المسلمة الأميركية في تشجيع اندماج المسلمين الأميركيين الإيجابي في المجتمع خاصة منذ الأحداث، فقد أعلنت الغالبية العظمى منهم إدانتها وإدانة الإسلام للهجمات الإرهابية، وتمسكها بالولايات المتحدة كوطن لها وللأجيال المسلمة القادمة، وبهويتها الإسلامية، وسعيها لاستخدام القانون والدستور الأميركي للدفاع عن حقوقها وحرياتها وعن صورة دينها.

لقد شكلت الأفكار السابقة ركائز أساسية لاستجابة المسلمين الأميركيين للأزمة، وساعدتهم بدون شك على توجيه ردود أفعالهم في اتجاه التمسك بهويتهم والسعي لمزيد من الاندماج الإيجابي في المجتمع الأميركي -وليس العزلة أو الذوبان- كأفضل أسلوب لمواجهة تحديات عالم ما بعد سبتمبر/ أيلول 2001.
___________________________
مدير الشؤون العربية بمجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير)

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة