الأردن/ إيران.. المنطقة الرمادية هي "نقطة التوازن"   
الاثنين 1436/5/19 هـ - الموافق 9/3/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:53 (مكة المكرمة)، 14:53 (غرينتش)
محمد أبو رمان

عامان تقريباً يفصلان بين زيارة وزير الخارجية الإيراني السابق علي أكبر صالحي للأردن ولقائه بوزير الخارجية الأردني ناصر جودة والملك عبد الله الثاني، والزيارة الأخيرة (قبل أيام) لوزير الخارجية الأردني ناصر جودة لطهران ولقائه بوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف والرئيس الإيراني حسن روحاني، وتسليمه رسالة خطية من الملك عبد الله الثاني.

في زيارة الوزير الإيراني السابقة لعمّان وصفت الأجواء التي سادت المؤتمر الصحفي المشترك حينها والنقاشات بأنها ساخنة وغير ودية، وعكست التباين الكبير في وجهات النظر بين الطرفين، بينما في الزيارة الأخيرة تؤكد مصادر دبلوماسية عربية أن الهدف كان البحث عن "قواسم مشتركة" بين الدولتين في مواجهة التطرف والإرهاب، أو بعبارةٍ أكثر وضوحاً وصراحةً تنظيم الدولة الإسلامية.

(1)

فما الذي تغيّر خلال عامين ليجعل دلالات هذه الزيارة والانطباعات المنبثقة عنها مختلفة عن المرّة السابقة؟

الجواب بكلمة واحدة: تنظيم الدولة الإسلامية، الذي سيطر على الموصل في العام الماضي
 وتمدد ليأخذ مساحاتٍ واسعة في العراق وسورية، وهو ما قلب الأجندات والإستراتيجيات الدولية والإقليمية تجاه ما يحدث في العراق وسوريا على السواء، وأدى إلى تغيير حكومة المالكي ومجيء حيدر العبادي، وتحوّل الموقف مما يحدث في سوريا.

إذ أصبح الهدف الدولي والإقليمي المشترك هو التخلص من تنظيم داعش مقدماً على الإطاحة بنظام بشار الأسد، وربما أصبحت بعض الدول الغربية تفضل بقاء الأسد على سقوط النظام وانتشار حالة الفوضى وصعود القوى الإسلامية في سوريا.

التحول الدولي تزاوج مع تغيرات في السياسة العربية نفسها، عبر المقاربة التي تبنّاها النظام المحافظ العربي خلال حقبة الربيع العربي، وجرى خلالها تدوير الأولويات وإعادة تعريف مصادر التهديد لهذه الدول، فأصبحت تعتبر ما يسمى المحور التركي/الإخواني مصدراً مباشراً وأساسياً للتهديد، بينما تراجع القلق من النفوذ الإيراني إلى درجة ثانية.

خلال الفترة نفسها وفي النصف الثاني من العام الماضي 2014، بدأت محاولات تفاهم وحوار سعودية/إيرانية، تخللتها محاولة للتفاهم حول الوضع في العراق وسوريا والبحث عن "صفقة إقليمية"، قبل أن تؤدي الأحداث في اليمن إلى فرط هذه المحاولات، كما سيأتي لاحقاً.

التحولات الإستراتيجية الدولية والإقليمية نجم عنها الإعلان عن "الحرب العالمية على الإرهاب"، التي انخرطت فيها الولايات المتحدة الأميركية والدول العربية في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية.

بالرغم من شعور الأنظمة العربية المحافظة بقلقٍ شديد من مخاطر الصفقة المنتظرة ومما يجري على الأرض من تقارب إيراني/أميركي؛ فإن الشعور من خطر الإسلام السياسي -سواء بصيغته الديمقراطية السياسية أو المتطرفة- بقي هاجساً أكبر ومحركاً أول للسياسات الرسمية العربية خلال الشهور الماضية

لكن الجانب الآخر من هذه الحرب العالمية يتمثّل في العلاقات الأميركية/الإيرانية، التي شهدت تحولات كبيرة من تحت الطاولة، تُرجمت على أرض الواقع بصورة ملحوظة، ووشت بها رسالة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى مرشد الثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي.

فقد تضمنت الرسالة -بصورة غير مباشرة- الحديث عن صفقة إقليمية تعترف فيها الولايات المتحدة الأميركية بنفوذ إيران في المنطقة، مقابل تقديم طهران تنازلات مقنعة فيما يتعلق بالمفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني، التي من المتوقع أن تسفر عن نتائج واضحة في نهاية الشهر الحالي.

وإذا كان الحديث جاريا في الأروقة السياسية الغربية والعربية عن أبعاد الصفقة المفترضة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، فإنّ هذه الصفقة قائمة عملياً على أرض الواقع في العراق وسوريا، عبر التعاون غير المباشر لكن الفعّال بين واشنطن وطهران في مواجهة تنظيم داعش على الأرض، عبر الإقرار والاعتراف الأميركي بالدور الإيراني في الحرب البرية، وتراجع الولايات المتحدة والغرب عن الحديث عن المواجهة مع نظام الأسد، بل وتقديم ضمانات بألا يتم استهداف قواته عبر الطلعات الجوية لقوات التحالف.

التحوّل الأميركي بدا واضحاً في التغاضي عن الانقلاب الحوثي في اليمن، وعن المليشيات العسكرية التي تشكلت في كل من العراق وسوريا تحت إشراف الحرس الثوري الإيراني، وعن تنامي النفوذ الإيراني في هذه الدول بصورة واضحة.

وفي الأثناء وبالرغم من شعور الأنظمة العربية المحافظة بقلقٍ شديد من مخاطر الصفقة المنتظرة ومما يجري على الأرض من تقارب إيراني/أميركي؛ فإن الشعور من خطر الإسلام السياسي -سواء بصيغته الديمقراطية السياسية أو المتطرفة- بقي هاجساً أكبر ومحركاً أول للسياسات الرسمية العربية خلال الشهور الماضية.

وإن كانت بعض الأوساط العربية لم تُخف قلقها من تطور العلاقات الإيرانية/الأميركية، وأبدت ذلك لواشنطن في نقاشات غير معلنة، وفقاً لمصادر دبلوماسية عربية.

إلا أن ذلك بقي من دون أن تتم ترجمته عبر تحول عميق في السياسة العربية، بل بقيت الدعاية الإعلامية والسياسية العربية موجّهة خلال الفترة الماضية بأدواتها وأسلحتها الإعلامية والدبلوماسية ضد المحور التركي/القطري/الإخواني (المفترض).

كما عكفت على تحميل تركيا مسؤولية صعود داعش والمنظمات المتشددة في المنطقة، وجرى غض الطرف -في الخطاب الإعلامي والرسمي العربي، وبصورة واضحة- عن التطرف الآخر المقابل، أو عن الدور الإيراني في تأزيم الأوضاع بالبلاد العربية وجرها إلى حرب طائفية.

(2)

ضمن هذا الإطار من التحليل يمكن فهم الزيارة الأخيرة لناصر جودة إلى طهران، والبحث عن أرضية مشتركة بين الطرفين على قاعدة مكافحة الإرهاب ومواجهة تنظيم داعش، ومحاولة الخروج من شرنقة التهديد بحرب طائفية مرعبة في المنطقة العربية، ضمن أولاً الدخول على خط التقارب الأميركي/الإيراني الجديد، وثانياً المعادلة العربية الجديدة التي تتجاهل النفوذ الإيراني مقابل التركيز على "خطر الإسلام السياسي".

يمكن فهم الزيارة الأخيرة لناصر جودة إلى طهران في إطار البحث عن أرضية مشتركة بين الطرفين على قاعدة مكافحة الإرهاب ومواجهة تنظيم داعش، وانطلاقا من الدخول على خط التقارب الأميركي/الإيراني الجديد، والمعادلة العربية الجديدة التي تتجاهل النفوذ الإيراني مقابل التركيز على "خطر الإسلام السياسي"

وفي هذا الإطار، تبدو زيارة جودة محاولة اختراق عربية للمتاريس الموجودة في العلاقة مع إيران، وجسّ النبض واختبار النوايا مع هذه القوة الإقليمية الصاعدة، ويعزّز من هذا التوجه الإيجابي الجديد التطور في ديناميكية الصراع بين الأردن وتنظيم الدولة الإسلامية، بعد استشهاد الطيار الأردني معاذ الكساسبة بطريقة وحشية على يد التنظيم، ودخول الأردن في مواجهة مباشرة مع التنظيم.

لم يقف الأردن عند حدود الدخول في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية والمشاركة في الضربات الجوية، بل جرت إعادة هيكلة الدور الإقليمي الأردني عبر بوابة الحرب على الإرهاب، وأصبحت حتى السياسات الداخلية والخطاب الإعلامي الأردني محكومين بالدعاية السياسية والإعلامية ضد هذا التنظيم والتيار الذي يمثّله إقليمياً وعلى الساحة الداخلية الأردنية.

هنالك إذن مساحة مشتركة كبيرة -ضمن هذه القراءة- للمصالح الأردنية الإيرانية، ويمكن إضافة نقطتين مهمتين بالدرجة نفسها:

الأولى، أنّ الموقف الأردني يفترق منذ البداية عن الموقف العربي في قناعات الملك نفسه (وإن كانت السياسة الأردنية لم تخرج عن الموقف العربي عموماً) بأنّ الحل لا يكمن في إسقاط النظام السوري، بل في حلّ سياسي يعطي ضمانات للأطراف المختلفة، ويعطي روسيا دوراً رئيساً في ذلك، وتعززت هذه القناعة ضرورة بالتحولات الأخيرة في الأزمة الإقليمية.

فقد أعلن الملك في أكثر من مقابلة صحفية بوضوح أنّ الحل يكمن في الحوار بين المعارضة الوطنية والنظام والتوافق على المرحلة الانتقالية القادمة، مما يحدّ من درجة الخلاف الأردني تحديداً مع طهران فيما يتعلق بالموقف من النظام السوري.

الثانية، أنّ علاقة عمّان بالنظام العراقي الموالي لطهران تحسنت بصورة ملحوظة، حتى خلال مرحلة رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، لكنها اليوم تشهد تطوراً كبيراً مع حيدر العبادي على صعيد العلاقات الدبلوماسية والانفتاح المتبادل بين الطرفين.

(3)

مع الأخذ بعين الاعتبار للعوامل السابقة كافّة التي تدفع بالدولتين إلى البحث عن آفاق جديدة للعلاقات الدبلوماسية والتقارب على قاعدة القواسم المشتركة، إلاّ أنّ المخرجات المتوقعة من هذه الزيارة -وربما من الأيام القادمة- تبدو متواضعة، ولن تشهد طفرة أو تحولات إستراتيجية، بل ربما تعود إلى المربع الأول التقليدي من الشعور بالعداء والتوجس المتبادل، لماذا؟!

لأنّ هنالك محددات أساسية تحكم السياسة الخارجية الأردنية في مقدمتها العلاقة مع الدول العربية الحليفة وبدرجة رئيسة السعودية.

وإذا نظرنا إلى تطور الموقف السعودي الدبلوماسي فسنجد تحولاً يأخذ مساراً مختلفاً عن المعادلة السابقة التي حكمت مقاربة المعسكر المحافظ العربي، منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء في نهاية شهر سبتمبر/أيلول من العام الماضي، وبدرجة أكثر وضوحاً -وإن كانت أولية- منذ وفاة الملك السعودي السابق عبد الله بن عبد العزيز، وتسلّم الملك سلمان مقاليد الحكم في 23 يناير/كانون الثاني الماضي.

التحول في الموقف السعودي لا يزال في بداياته ولم يأخذ مداه بعد، ومن المتوقع أن يستغرق ذلك أشهراً عدة، لكن المؤشرات الأساسية عليه تتمثل في تشغيل خطّ الرياض/أنقرة، والحميمية التركية القطرية تجاه الملك السعودي الجديد، والرسائل السعودية التي تظهر عبر كتّاب مقربين من مراكز القرار هناك تشي بإعادة نظر في الموقف من تركيا، والتخلّي عما أسماه الكاتب خالد الدخيل بـ"عُقدة الإخوان" في ترسيم السياسة الخارجية، مع الإبقاء على دعم النظام المصري لكن ليس عبر "شيك مفتوح" كما كانت عليه الحال سابقاً.

علاقة عمّان بالنظام العراقي الموالي لطهران تحسنت بصورة ملحوظة، حتى خلال مرحلة رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، لكنها اليوم تشهد تطوراً كبيراً مع حيدر العبادي على صعيد العلاقات الدبلوماسية والانفتاح المتبادل بين الطرفين

المرحلة القادمة -في ظل هذه التطورات- من المتوقع أن تعود بالموقف السعودي مرّة أخرى إلى المعادلة التقليدية في التركيز على النفوذ الإيراني وليس الإسلام السياسي، مع الإبقاء على موضوع الحرب مع داعش بوصفها أولوية للسياسة السعودية، وربما سيكون ذلك أحد أهم "اختبارات" العلاقة الجديدة مع تركيا.

وجه الغرابة أو المفارقة في زيارة جودة لطهران اليوم مع الحديث عن الشراكة في الحرب على الإرهاب، فهذه الزيارة قد تكون متوافقة مع الإطار السابق أو المعادلة التي حكمت المعسكر الرسمي العربي خلال النصف الثاني من عام 2014.

لكنها قد تكون غير متماهية تماماً مع التقاط إعادة تقييم الموقف من قبل السلطات السعودية، وإن كانت متقاربة أكثر مع الرؤية الإماراتية التي لا تزال مصرة على تلك المعادلة، أي تقديم خطر الإسلام السياسي (= المواجهة مع تركيا والإخوان) على النفوذ الإيراني، مما يعني الاستمرار في دعم نظام السيسي بصورة مطلقة، بغض الطرف عن موقفه من النظام السوري، وهو محلّ خلاف أيضاً سعودي مصري، كما تكشف مصادر دبلوماسية عربية وتسريبات لكتّاب سعوديين مقربين من مراكز القرار.

يبدو الموقف الأردني متماهياً مع السياسة الخارجية الأميركية، وعربياً مع الموقف الإماراتي أكثر من التقاط الاستدارة السعودية الجارية حالياً، ومع ذلك فمن المستبعد أن يبتعد الأردن عن الموقف السعودي، إذا تجلّى الموقف السعودي الجديد -وهو السيناريو الأكثر توقعاً وفقاً لصيرورة التحولات الجارية- عن تقارب مع أنقرة وتراجع عن عُقدة الإخوان المسلمين، وربما لاحقاً العودة إلى الفصل بين الإسلام السياسي المعتدل والمتطرف وعدم جمعهما في سلّة واحدة، كما كانت عليه الحال في المعادلة السابقة.

أمّا المحدّد الثاني في العلاقات الأردنية/الإيرانية فيتمثّل في موقف إيران والنظام السوري والقوى المتحالفة معهما العدائي تجاه الأردن، وهو ما لا تخفيه التصريحات والمواقف الأخيرة التي تحمّل الأردن مسؤولية إخفاق النظام السوري في الجنوب، قبل أن يتسلم الأمر الحرس الثوري الإيراني في الأسابيع الأخيرة.

ومن المعروف أنّ العلاقة تاريخياً بين الأردن وإيران متوترة، ولن يشعر الأردنيون -في ظل الأزمة الطائفية الخانقة في المنطقة- بالأمن والاستقرار وراحة البال وهم يرون إيران تحقق انتصارات سياسية وعسكرية في الجوار، وتصبح على حدود الأردن!

وفي الخلاصة، ليس من المتوقع أن تؤدي زيارة جودة إلى تطور نوعي أو ملحوظ في الموقف الأردني، قبل أن تنكشف مخرجات العلاقة مع الولايات المتحدة أولاً، والتطورات في الموقف السعودي ثانياً، وفي ظل المصالح المتضاربة والمتناقضة (دولياً وإقليماً) التي تربط الأردن، فعلى الأغلب ستقف عمّان في المنطقة الرمادية تجاه إيران، بوصفها الأكثر توازناً في هذه التعقيدات!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة