وصية "حكيم أفريقيا" للسودانيين   
الخميس 10/8/1431 هـ - الموافق 22/7/2010 م (آخر تحديث) الساعة 14:34 (مكة المكرمة)، 11:34 (غرينتش)
عبد الله علي إبراهيم

 

لم تخيب الصفوة السياسية ظني في أنها ستتجهم في وجه كلمة ثابو إمبيكي، الرئيس السابق لجنوب أفريقيا ورئيس لجنة الحكماء الأفريقيين القائمة على المسألة السودانية، الأخيرة في اجتماع المؤتمر الوطني والحركة الشعبية في إثيوبيا يوم 10 يوليو/تموز 2010. وهو الاجتماع الذي انعقد لمناقشة ما بعد استفتاء 2011: المسائل والترتيبات.

ففي كلمة إمبيكي "شعر" عن حمية أفريقية أو فحولة جف نبعها عند صفوتنا السياسية بسبب الإرهاق السياسي المتطاول مما سنعود إليه قريباً. لقد وقف "نثر" المعارضة المرهقة الغليظ دون أن تهش لهذا الشعر وتتذوقه.

"
إذا وقع الانفصال فلن يكون الجنوبيون والشماليون جيرة عاديين, ولكنهم سيكونون جيراناً لهم تاريخ أجيال من ورائهم: أناساً درسوا جنباً إلى جنب في مدارج الجامعة، وتزاملوا في الخدمة في مؤسسات واحدة، ورقصوا للحن واحد
"
قال إمبيكي يحض شريكيْ الحكم في السودان، المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، وغيرهم على أن يعطوا التاريخ فرصة قبل أن يفترق الشمال عن الجنوب بعد الاستفتاء في يناير/كانون الثاني 2011. وبينما تستسهل صفوتنا الانفصال، أو تستسلم له، قال إمبيكي إنه لن يكون سهلاً. فالسودان الجنوبي ظل وثيق الرابطة بكيان الأمة السودانية وظل شعب الجنوب غارقاً حتى شوشته في بناء الإرث القومي السوداني الجامع. ومتى وقع الانفصال فلن يكون الجنوبيون والشماليون جيرة عاديين. ولكنهم سيكونون جيراناً لهم تاريخ أجيال من ورائهم: أناساً درسوا جنباً إلى جنب في مدارج الجامعة، وتزاملوا في الخدمة في مؤسسات واحدة، ورقصوا للحن واحد. وبلغ إمبيكي ذؤابة الشعر بقوله: إذا صوت الجنوبيون للانفصال فإنهم لن يغيروا بذلك لا حقائق الجغرافيا ولا اتجاه مسيل النيل.

واستغربت أن ينفر السيد الصادق المهدي، زعيم حزب الأمة القومي وإمام الأنصار، رب البلاغة والمتهم بالتخفي من ورائها، من هذا الحمية البليغة. فأكثر ما استفزه في عبارة إمبيكي شاعريتها. فدمغه بالانطلاق من الطريق السريالي في تحليل المشكلة السودانية وممارسة "الدروشة" السياسية والدبلوماسية.

حال إرهاق المعارضة السياسي دون أن تشرق نفسها للفحولة الأفريقية وتفاؤلها في كلمة إمبيكي. وقد أذاع إليكس دي وال، المشغول بالشأن السوداني، هذا المفهوم عن رهق صفوة النادي السياسي السوداني في كلمة نشرها في العام الماضي. فقد سمع من أحد قادة المجتمع المدني بالفاشر قوله: "نحن تعبنا. وقد استكفينا مما بنا. فقادة المجتمع السوداني المدني والسياسيون مرهقون بغير لبس". وأضاف دي وال أن الرئيس البشير عليه سيماء الإرهاق، وقادة المعارضة شاخوا، وحتى طاقة السيد الصادق المهدي الأسطورية تتبخر. وبقي د. خليل إبراهيم وحده في دارفور على شيء من الحيوية والدينامية، ولكن طاقته تصب في خانة الدمار الثوري بدلاً عن بناء البدائل. وأعطى عبد الواحد المحامي معنى مبتكراً "للثورية المغيظة" من فرط غيابه عن أي تفاوض ذي مغزى. أما جنوب السودان، الذي على مرمى حجر من الاستقلال، فتجده قد خلا من كل الشغف الذي يتوقعه المرء في بلد في العد التنازلي ليوم تحرره الوطني.

وعلائم هذا الإرهاق قائمة بحسب دي وال في خلو الساحة السياسية من أي فكرة جديدة ملهمة. فقد جرب السودان كل الأفكار الكبيرة القديمة يميناً ويساراً وهامشاً فتهاوت. وسدت خرائبها الطريق نحو أفكار ملهمة جديدة. فالصفوة السياسية مساقة من أذنها بالحادثات التي لا تملك لها دفعا. فلا الحكومة ترى الضوء في نهاية النفق ولا المعارضة. فالمؤتمر الوطني لا يفعل بزمام السلطة الذي بيده غير العض بالنواجذ عليها. واستسلمت أحزاب المعارضة للوضع الراهن تدعو للتحول الديمقراطي والتغيير بغير حمية، وبقناعة أقل مما كان في الماضي.

وشاعرية إمبيكي ليست دروشة. إنها رؤى ثوري أفريقي وعزائمه ترك التظلم من ورائه ليلم شعث الأفارقة برأفة وقوة. وهي -في قول أحدهم- من الشعر العظيم الذي "يرحل بنا إلى فضاء آخر، ويجعلنا نعيش رعب عالمنا للمرة الثانية، وأهم من ذلك كله، فهو يعيننا على تخيل مجتمع جديد حقاً".

وليس صاحبنا إمبيكي بشاعر أو مجنون مع ذلك. فهو رجل سياسة من الطراز الأول. ولد للنضال وهي في الإنجليزية مثل أن تقول إن فلاناً ولد لأب ما. بل إن والده، العضو الأصيل في المؤتمر الوطني الأفريقي، قال عنه بعد عودته من المنفى الطويل: "تذكروا أن ثابو لم يعد ابني، إنه رفيقي". فإمبيكي دبلوماسي المؤتمر الأفريقي الأول. ولم ير حرجاً مع ثوريته الدقيقة أن يساوم في الحق حين دنت قطوف نضال السود وباء البيض بالخسران.

وكان في مساومته -كما في دبلوماسيته- جريئاً مبدعاً. ووصفه مؤرخ بأنه -وهو خريج جامعة سكس الإنجليزية الذي انطبع بسيماء النبيل الإنجليزي- كان ممن ارتاح لهم البيض وأمنوا جنابهم الرطب. وقال من فرط ثقته بنفسه وبـ"حتمية التاريخ" لمفاوض أبيض، إنه إذا تنازع تياران بين السود حول كيف ننهي الفصل العنصري، فهو متأكد أن التيار السلمي هو الذي ستكون له الغلبة. فـ"المحادثات دائماً أفضل من القتل".

انبذرت حبة تلك المساومة التاريخية في جنوب أفريقيا في لقاء جرى بين أوليفر تامبا، زعيم الحزب الوطني الأفريقي بالمنفى، ووفد رجال أعمال بيض في زامبيا في سبتمبر/أيلول 1985، عام ذروة تصاعدِ نضال السود ضد النظام العنصري. وكانت طبقة رجال الأعمال أول من اشتم أن نظام الفصل العنصري قد استنفد أغراضه، وأن على جماعتهم أن يقبلوا بهذه الحقيقة صاغرين. ثم تتالت اللقاءات بين وفود رأسماليين وناشطين بيض بقادة المؤتمر الوطني بالمنفى. وكان إمبيكي نجم هذه اللقاءات بل الأصل فيها. فهو الذي حمل تامبو، أباه الروحي في السياسة، ليقبل بذلك اللقاء أول مرة بعد ممانعة متشائمة من نتائجه. وكان قد علم أن دولة السود قد "نضجت ولن يعطيها الطير".

وانبنت دبلوماسية وشاعرية إمبيكي على بناء الوحدات الأفريقية الكبرى. بل إنه "ذاب" شعراً حين قدم الجلسة البرلمانية تدشين دستور جنوب أفريقيا الموحدة في 1996. فشمل برقته السياسية البيض كأعضاء أصل في جنوب أفريقيا الجديدة. وقال: "أنا مصنوع من المهاجرين الذين تركوا أوروبا ليجدوا مثوى جديداً على أرضنا القديمة. فهم مهما فعلوا جزء منا". وهو يعرف عن كثب السقوف الواطئة لأصحاب الوحدات الأصاغر. وأن الشعر والعزيمة هما ترياق الخمول العرقي والإثني. فقد كان عضوا في مفاوضات الأحزاب في جنوب أفريقيا حتى كتابة دستورها وقيام الانتخابات. وهي مفاوضات حفتها الأجندة الإثنية والعرقية وضرجتها بالدم. فالبيض وشعب الزولو تحالفوا ليكون لهم حكمهم الذاتي والثقافي للحيلولة دون قيام جنوب أفريقيا الموحدة. وأراد الثوريون في حزبه أن ينفذ برنامج "ميثاق الحرية" (1955) الذي دعا للتأميم والإصلاح الزراعي ليعوضوا السود عن حرمانهم الطويل. وخرج من هذه المفاوضات العصيبة الساخنة ببلد موحد لا ينظر للتاريخ بغضب يفسد عليه حاضره ومستقبله.

"
لم يكن إمبيكي في لجنة حكماء أفريقيا المكلفة بمسألة السودان اعتباطاً. فقد سبقت له أدوار في شقاقات أفريقية شتى, وكانت زمبابوي هي جوهرة خبرته في رتق الفتق الأفريقي عن طريق الدبلوماسية الهادئة
"
ولم يكن إمبيكي في لجنة حكماء أفريقيا المكلفة بمسألة السودان اعتباطاً. فقد سبقت له أدوار في شقاقات أفريقية شتى: في بروندي، الكونغو الديمقراطية، ساحل العاج. وكانت زيمبابوي هي جوهرة خبرته في رتق الفتق الأفريقي عن طريق الدبلوماسية الهادئة. وهي خطة استنكرها في أطوارها المختلفة جماعة من بلده وفي الغرب. وعدوا مواصلته التفاوض مع الطاغية موغابي المزور الدموي حالة من "الضمير الذي لا يؤرق" وأن التغيير في زيمبابوي لن يكون بفضله بل رغماً عنه. وصبر على من يستصعب الهوات ويردمها بالعجلة والدم. قال لهم إن دور الوسطاء المفصلي أن يعينوا الزيمبابويين ليجد واحدهم الآخر. فقال إنه كان من السهل أن ننأى بأنفسنا عن خصومة زيمبابوي ونصرخ ونهتف في وجه من نتهمه بالظلم والعدوان. وسيهتفون في وجهنا من الجهة الأخرى، وستكون تلك نهاية الحكاية. وليس ذلك ما يرغب فيه داعية مثله للنهضة الأفريقية وشعارها "مشاكل أفريقيا للأفريقيين". وفي سبتمبر/أيلول 2008 توصلت الأطراف إلى اتفاقية صلح أسلم الرئيس موغابي بمقتضاها تصريف الدولة اليومي لرئيس وزراء من المعارضين، مع العفو عن فعائل المحاربين السابقين من عصبة موغابي الذين قتلوا المعارضين قتلا.

ولن نعيد هنا الوحدات الكبيرة التي انشغل بها إمبيكي كرئيس لجنوب أفريقيا. فقد كان من وراء تكوين النيباد لتكون أداة تطوير أفريقي اقتصادي واجتماعي بأدوار متداخلة لدول القارة. وكان وراء الإيبسا للحوار الهندي البرازيلي الأفريقي، وأنعش حركة عدم الانحياز، ووقف على تحول منظمة الوحدة الأفريقية إلى الاتحاد الأفريقي.

لقد أصمت الصفوة السياسية عن "شعر" إمبيكي من فرط شظف خيالها وعزيمتها. وأحسن من عبر عن هذا الإرهاق حيال مسألة الجنوب في أيامنا الراهنة هو الأستاذ محمد إبراهيم نقد، زعيم الحزب الشيوعي بطريقته المباشرة. فقد قال قبل أيام في منبر الصحافة الذي يرتبه السيد الصادق المهدي إننا فشلنا في جعل الوحدة جاذبة. وما أظنه عنى المؤتمر الوطني ودولته التي تلقي عليها الحركة الشعبية وغيرها باللائمة في تزهيد الجنوبيين في الوحدة. وأحسبه، باستخدام ضمير الجمع، عنى أيضاً الشماليين من دعاة التغيير من أمثاله. بل والجنوبيين كذلك. فهو كمن يقول إننا فشلنا في اليسار أيضاً، وعبر أكثر من نصف قرن من الاستقلال، في كسب صفوة الجنوب إلى التآخي مع الشمال. فالجنوب، إذا لم تصدق نيته في الوحدة، سيجد دائماً من الشماليين، من السفهاء منهم، من يحملهم وزر الانفصال.

ما يعتقل المعارضة دون "الشعر" في الوطن هو أنها أضحت أسيرة صيغ راتبة مثل أن المؤتمر الوطني مذنب حتى "تثبت إدانته". فمعارضتها للمؤتمر الوطني تأتي في المكان الأول، وكل القضايا مثل تلك التي في خطر الجنوب والانفصال "في المكان الثاني". وهذه عاهة قديمة في معارضي النظم العسكرية كلما تعلق الأمر بالجنوب. فاتفاقية أديس أبابا، التي وقعها الرئيس النميري مع حركة القوميين الجنوبيين المسلحة في 1972، وحقنت الدماء لعشر سنوات طوال، كانت عندهم "مؤامرة مخابرات أميركية كنسية" في نظر اليسار أو كيد "للعروبة والإسلام" من جهة الأحزاب التقليدية والإسلامية. ومع ارتباط مأزق الجنوب بالحكم في الشمال في ديمقراطيته وشموليته، إلا أن هناك أوقاتا ينبغي فيها إدارة المعارضة بأفق أرحب.

ومثال على صيغ المعارضة، احتجاج أحزاب المعارضة حالياً على تغييبها عن مفاوضات ما بعد الاستفتاء. ولكن تغييبها مما نص عليه اتفاق الشريكين في إثيوبيا. فالحديث في الاستفتاء ومترتباته حسب ذلك الاتفاق حق حصري للمؤتمر الوطني والحركة الشعبية. فالمفاوضات ستدار بواسطتهما وبقيادتهما وبلجان معلومة عضويتها مناصفة بينهما. وبلغا في التفصيل الغاية حين نصا على تناوب المؤتمر والحركة رئاسة كل لجنة على حدة. ولما يذكر الشريكان إشراك المعارضة، وفعلا ذلك بعمومية ماكرة تـُركت بها صورته ليقرراها على راحتهما.

ولم يجف حبر هذا الاتفاق حتى خرجت الحركة الشعبية بحيلتها المعلومة وهي تحميل المؤتمر الوطني وزر إقصاء المعارضة. فصرح السيد أتيم قرنق، القيادي في الحركة الشعبية، بضرورة مشاركة الأحزاب. فمنها، في قوله، جماعات تاريخية تنضح حكمة لا مناص منها في مثل هذه المناقشات. ورد استبعاد الأحزاب إلى المؤتمر الوطني.. دائماً وأبداً.

"
أضحت المعارضة أسيرة صيغ راتبة مثل أن المؤتمر الوطني مذنب حتى "تثبت إدانته", فمعارضتها للمؤتمر الوطني تأتي في المكان الأول، وكل القضايا مثل تلك التي في خطر الجنوب والانفصال "في المكان الثاني"
"
ولوح بكرت التحول الديمقراطي الحبيب إلى أذن المعارضين. فأعاد المصطلح على أسماعهم قائلاً إن استبعادهم ربما كان بسبب "عدم رغبة الوطني في تنفيذ التحول الديمقراطي وانتهاج خط الديمقراطية". ولم يطرف لقرنق طارف وهو عارف بأن الشريكين تواضعا على قصر مسألة الاستفتاء عليهما، وأن يشركا الأحزاب "متى تيسر" وفي وقت غير معلوم. وربما سئم نقد من فرط تكرار لوم الحركة للمؤتمر الوطني على مسألة هي ضالعة فيها، فقال إن على الحركة أن تعيد النظر في تعاملها مع تحالف المعارضة "وما تجيبونا تاني لتكتيك سياسي".

من أشعر ما سمعت مؤخراً قول د. عوض حاج علي يسأل: "ما الجاذب في الانفصال؟"، وهذه مادة سؤال إمبيكي نفسه. فكأنه يسأل قادة الجنوب إن كانوا سيهجرون بلداً على العواهن وهو البلد الذي ربما كان أفضل من سواه بصراعهم الفذ لأكثر من نصف قرن لتحقيق مواطنتهم الكريمة. وتحققت. وترافق مع إذاعة كلمة إمبيكي نشر د. الواثق كمير، عضو مجلس تحرير الحركة الشعبية، كلمة في الصحف نعى فيها قطاع الشمال. وكان من السباقين في إنشائه على عزيمة الوحدة. والقطاع ربما يعيش أصيل عمره بعد أن قرر "قطاع الجنوب" المتنفذ الانفصال بغير تفويض مؤسسي من الحركة الشعبية.

وهذه من الأعراض الباكرة للجيرة غير العادية التي قال إمبيكي إنها ستكون بين شمال السودان وجنوبه متى انفصلا. فكلمة الواثق هي بكاء عند أطلال الوحدة التي سيهدمها الانفصال. وهي وحدة حلمت بها أجيال منا قال عنهم إمبيكي إنهم "درسوا جنباً إلى جنب في مدارج الجامعة، وتزاملوا في الخدمة في مؤسسات واحدة، ورقصوا للحن واحد".

لن تغيروا حقائق الجغرافيا أو التاريخ بالانفصال. ولا اتجاه مسيل النيل. وهذه بداية المفاوض المجرب "الشاعر" في مساعدة السودانيين ليجد أحدهما الآخر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة