أزمة "حلف" الشرق الأوسط في غزة   
الأربعاء 1435/10/4 هـ - الموافق 30/7/2014 م (آخر تحديث) الساعة 13:14 (مكة المكرمة)، 10:14 (غرينتش)
نبيل الفولي



إنجازات ضد الربيع
تأثير المقاومة
المبادرة المصرإسرائيلية
دور محوري

لم يعد خافيا حجم التنسيق الدولي والإقليمي الذي أدار عملية الانقلاب على المسار الديمقراطي والاتجاه الجديد الذي سارت فيه الدولة المصرية بعد ثورة يناير، فقد تعاونت -كما يعلم كل من له عقل يميز به- أطراف عربية ودولية في إنجاز الانقلاب واستمراره إلى الآن.

إنجازات ضد الربيع
وخطورة هذا التنسيق تكمن في أن الحلف الذي كان يرعى ثبات الأوضاع في منطقة ما يسمى بالشرق الأوسط وبقاءها على ما هي عليه، باعتبارها بديلا عن مرحلة الاستعمار، أو حلا بديلا للاستعمار الصريح، هذا الحلف الذي كان يعمل في خفاء منذ عقود، صار عمله الآن علنيا أو شبيها بالعلن، وإن كان الغبار المعلوماتي والدعائي الكثير الذي تثيره آلته الإعلامية الجبارة يسهم في تزوير الوقائع وقلب الحقائق، وتقديم وجبات دسمة من اللعب بالعقول والهوية.

وتتمثل أهم إنجازات هذا الحلف في مواجهاته مع الربيع العربي، ومنع تحول أقطاره إلى الديمقراطية، وهو ما تترجم عنه تدخلاته الكثيرة في مصر وليبيا واليمن وسوريا، وحتى تونس.

وقد نعتبر هذا السلوك السياسي ترجمة للخوف من انتقال عدوى الربيع إلى الأقطار المشاركة في هذا الحلف العربي الدولي كما يتردد كثيرا، إلا أن رؤية أوسع في ضوء ما جرى في المنطقة منذ إعادة ترتيبها في أعقاب الحرب العالمية الثانية وحلول نفوذ الأميركيين بدلا من البريطانيين والفرنسيين وإلى مرحلة التطورات الأخيرة، تقول بأن ما يجري هو حركة جماعية من أطراف حلف الشرق الأوسط لإبقاء الأوضاع كما هي والحيلولة دون تغيير في المنطقة يقلب الموازين.

لا شك أن مفاجآت المقاومة الفلسطينية الضخمة قد خلطت الأوراق وعقَّدت الخيوط، ليس في تل أبيب وحدها، ولكن حتى في القاهرة وسائر العواصم العربية المناوئة للربيع العربي ولكل صور التغيير النوعي الذي يمكن أن يقع في المنطقة

وقد أثبت تطور الأحداث أن ترتيب الأولويات للأعضاء العرب في هذا الحلف يقدم بصراحة تامة المصالح المشتركة لأعضائه على المصالح والمواثيق والاتفاقات العربية، ومن هنا يتقدم التوافق والتعاون مع الولايات المتحدة وإسرائيل على التوافق والتعاون مع الشقيقات العربيات عند تعارض المواقف، كما نشهد في مصر وسوريا والعراق بصورة لا تخفى على عاقل.

والإشكالية الجديدة التي تواجه هذا الحلف تثبت هذه الرؤية بجلاء وبصورة مخزية للعرب كذلك، فمعركة القصف العنيف التي تشنها إسرائيل على غزة ما هي إلا معركة بين غزة، أو فلسطين المصغرة بمدنها ومخيماتها التي تحوي لاجئين من أكثر أنحاء الأرض المحتلة، وبين أعضاء حلف الشرق الأوسط الذي شكلته الأحداث وتطوراتها، وليس القرارات والإرادات السياسية الواعية.

تأثير المقاومة
ولا شك أن مفاجآت المقاومة الفلسطينية الضخمة، ما بين صواريخ لا تستثني شيئا تقريبا من مدن إسرائيل، وطائرات بدائية تعمل بدون طيار لكنها نواة لخطر كبير على المشروع الصهيوني في فلسطين برمته، وأعمال اقتحام نوعية من البحر والأنفاق والحدود البرية، وغير ذلك، لا شك أن هذه المفاجآت قد خلطت الأوراق وعقَّدت الخيوط، ليس في تل أبيب وحدها، ولكن حتى في القاهرة وسائر العواصم العربية المناوئة للربيع العربي ولكل صور التغيير النوعي الذي يمكن أن يقع في المنطقة.

ولكن، أي تغيير نوعي يمكن أن تحدثه المقاومة الفلسطينية في المنطقة؟ وبعبارة أدق: بماذا يمكن أن تزعج المقاومة الفلسطينية الأعضاءَ العرب في الحلف المذكور؟

ويبدو أن الإجابة تنطلق من الربيع العربي ومستجداته كذلك، فعلى الرغم من أن الربيع يعيش أزمة حادة الآن، فإنه ما زال فتيا يواجه أزمته بشجاعة، ويحاول أن يستدرك أخطاءه ببسالة، وانتصار المقاومة في غزة -مع الفروق الضخمة في القوة العسكرية والمادية بين طرفي المواجهة - يمكن أن يثبّت حالة الفعل الشعبي بكل أنواعه باعتباره أساس صناعة المعادلات السياسية داخل أقطار المنطقة، بمعنى أن صناعة الواقع العام في هذه الدول لن تكون حكرا على الحكام وحدهم، بل ستكون الشعوب هي الصانع الرئيس له.

من هنا وجب في نظر حلف الشرق الأوسط أن تنهزم المقاومة "الشعبية" بكل صورها، خاصة أن المصالحة الفلسطينية الأخيرة سحبت من حركة حماس حتى صفة "الحكومة المقالة"، فصارت فقط فصيلا شعبيا يتولى الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني إلى جانب فصائل أخرى تصر على تحرير الأرض وإنهاء الاحتلال.

ولا شك أن الطبيعة الإسلامية لفصائل المقاومة الفلسطينية مع الطبيعة الإسلامية لأغلب الطلائع الثورية التي قام عليها الربيع العربي، تمثل جانبا حاضرا في ذهن صانعي السياسة في دول الحلف، فيبدو لهم أن هذا التوافق بين المقاومة والثورات أشبه بالاتفاق الضمني على مشروع واحد بديل عن الوضع القائم، تتولى فيه جماعات ما يسمى بالإسلام السياسي إدارة المنطقة.

صارت المقاومة الفلسطينية هدفا مشتركا لتل أبيب وصديقاتها العربيات والإقليميات والدوليات في الحلف المشار إليه، خاصة أن المرحلة التي قطعتها المقاومة الفلسطينية تشي بأن الحصار المميت المفروض عليها لم يمنعها من تطوير نفسها

إذن صارت المقاومة الفلسطينية هدفا مشتركا لتل أبيب وصديقاتها العربيات والإقليميات والدوليات في الحلف المشار إليه، خاصة أن المرحلة التي قطعتها المقاومة الفلسطينية تشي بأن الحصار المميت المفروض عليها لم يمنعها من تطوير نفسها، واستغلال جميع الفرص المتاحة لها للسير في الطريق الصاعد، وعدم الاكتفاء بالاحتفاظ بقوتها في جو الأزمة الخانق.

المبادرة المصرإسرائيلية
وطبيعة الأمور تجعلنا نفترض أن الطلعات الجوية للجيش الإسرائيلي وكثافة الاجتماعات التي تعقدها الحكومة الإسرائيلية المصغرة تحت الأرض وفوقها، لا تغطي تماما على الاجتماعات والمشاورات التي تعقد هنا أو هناك بين طرف عربي أو آخر وبين مسؤولين إسرائيليين.

لا أشير بهذا فحسب إلى زيارة رئيس المخابرات المصري لتل أبيب التي أعلن فيها استعداد أطراف عربية معروفة دعمَ الحملة الإسرائيلية، ولكن حتى ما تسربه وسائل الإعلام من وقت إلى آخر حول اجتماعات تصب في نفس الاتجاه، ومنها اجتماع إسرائيلي إماراتي بين وزيري الخارجية سربت أخباره كالعادة وسائل الإعلام الإسرائيلية.

ولا نريد أن نخوض جدلا حول صحة هذه الأخبار وما دار فيها أو عدم صحتها، فأكثر ما يعنينا هو ما يطفو على السطح من سلوك سياسي، وقد ترجمت عن بعضه المبادرة التي خرجت من "القاهرة الجديدة/ القديمة" ولم تهتم بشيء إلا إخراج إسرائيل من المأزق الذي أوقعتها فيه عنجهية صانع السياسة الإسرائيلية، وذلك بالتركيز على إيقاف الطرفين "جميع الأعمال العدائية"، وإهمال مسائل مفصلية تتعلق بالضرر الذي أنتجته الغارات الإسرائيلية، والعذاب الذي يعانيه مئات الآلاف من سكان القطاع وسط الحصار المشدد المفروض عليهم منذ سنين.

ومع أن بعض قادة حماس وحركة الجهاد سارعوا برفض المبادرة المصرية عقب الإعلان عنها، إلا أن حماس خرجت ببعض التصريحات التي تقول بأننا ندرس بنودها. وهذا الموقف الأخير لا يعني بالتأكيد تردد الحركة في قبول المبادرة أو رفضها، لأن قبولها إن لم يكن انتحارا فهو تضييع لفرصة ذهبية لتحقيق مكتسبات مهمة للمقاومة والشعب الفلسطيني في غزة والضفة على السواء.

ولا يبدو لهذا التأني في رد حماس على المبادرة سبب معقول سوى محاولة التفاوض مع حكام القاهرة لإدخال تعديل على بعض بنود المبادرة وإضافة أخرى في صالح الفلسطينيين، تجنبا لاستفزاز القاهرة أولا، وتعديلا لموقفها من القضية الفلسطينية بعد أن جنح كثيرا في اتجاهات لا تعبر عن أي انتماء إلى هوية مصر الأصيلة.

بعد عجز الآلة العسكرية الإسرائيلية عن حسم الموقف ضد المقاومة، فإن الوجوه تتجه نحو القاهرة، ولا يظهر ذلك فقط من خلال الدعم الدولي للمبادرة المصرية، بل حتى من خلال احتمالات الإقدام على حماقة من نوع توريط الجيش المصري في غزة
ونفهم من رفض حماس الغاضب للمبادرة المصرية فيما بعد أن رد القاهرة عليها في ظل الانقلاب العسكري كان سلبيا، وربما مذلا بحيث لا يمكن أن تقبله حماس.

دور محوري
وأهم ما يدل عليه هذا التجاذب والتنافر في المواقف بين الأطراف المختلفة هو أن دور مصر في مجمل قضايا المنطقة، وفي القضية الفلسطينية خاصة لا يمكن إلغاؤه أو تقزيمه دائما، بيد أنه قابل للعمل في كل الاتجاهات أيضا، أي في صالح هذا الطرف أو ذاك حسب القابع في القاهرة، وهو أمر تدركه حماس جيدا، فكما يمكن أن تكون القاهرة رقما مهما لإنصاف الشعب الفلسطيني، يمكنها كذلك أن تكون عبئا مخيفا عليها.

ويدرك هذا الأمر أيضا أعضاء تحالف الشرق الأوسط، ومن هنا، وبعد عجز الآلة العسكرية الإسرائيلية عن حسم الموقف ضد المقاومة، فإن الوجوه تتجه كليا نحو القاهرة باعتبار أنها تملك المفتاح السحري لخروجهم من الأزمة، ولا يظهر ذلك فقط من خلال الدعم الدولي للمبادرة المصرية، بل حتى من خلال احتمالات الإقدام على حماقة من نوع توريط الجيش المصري في غزة، أو فتح جبهة للإسرائيليين مع المقاومة من جهة رفح المصرية.

وقد يساعد على توقع شيء كهذا قصفُ الإعلام المصري المكثف للفلسطينيين ومقاومتهم هذه الأيام ما تجاوز كل منطق، ويجري وفق خطة تشبه خطة تشويه الإخوان المسلمين ونظامهم الحاكم قبل الانقلاب على الرئيس محمد مرسي، وبالألسنة والأقلام والصحف والقنوات الفضائية نفسها ما يؤكد أنه ليس مجرد تصرفات فردية أو عشوائية.

ومع أن أمرا كهذا -قياسا على السلوك السياسي العام للانقلاب المصري- ليس مستبعدا، إلا أنه يحمل مخاطر ضخمة للدولة المصرية والسلطة الحاكمة نفسها، فقطاع غزة المكدس بالسكان يمثل بمئات آلافه صدَفة صُلبة للمقاومة التي لا تملك أن تقابل أي جيش غاز إلا بحرب عصابات لا يمكن أن تكسبها الجيوش النظامية كسبا حاسما.

كما أن السخط الشعبي المصري والعربي المتوقع، واعتماد الانقلاب على الجيش أساسا في ردع المعارضين والحفاظ على السلطة الجديدة في مصر، قد تؤدي كلها إلى نتائج تفوق ما ولدته أوضاع الجيش المصري في حرب 1948، خاصة أن مصر تعيش بطبيعتها حراكا ثوريا يسعى إلى استعادة الشرعية التي اختطفها انقلاب الجنرالات وحلفائهم.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة