الدولة الدينية المزعومة   
الجمعة 1433/7/26 هـ - الموافق 15/6/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:31 (مكة المكرمة)، 12:31 (غرينتش)

 

إحدى الافتراءات الكبرى على المشروع الإسلامي إثارة موضوع الخيار بين ما يسمى بالدولة المدنية والدولة الدينية وهو نوع من التلفيق لا يليق بمن يطرحه.

بداية فليس هناك في العلوم السياسية بمرجعيات مختلفة لعلوم الاجتماع ما يسمى بالدولة المدنية " Civil State " هناك دولة ديمقراطية مثلاً، وأخرى فاشية أو نازية أو شيوعية، أو دكتاتورية, ولكن ليس هناك ما يسمى بالدولة المدنية، وكلمة مدني ربما تعني في علم الاجتماع الغربي غير عسكري، أو أهلي بمعنى غير حكومي ومن ثم فإن وصف الدولة المدنية هو وصف غير علمي أولاً ونوع من الدجل ثانياً.

المقارنة والخيار بين الدولة المدنية المزعومة، والدولة الدينية المزعومة كلام غير علمي وفقاً لعلم الاجتماع الغربي ذاته

المقارنة والخيار بين الدولة المدنية المزعومة، والدولة الدينية المزعومة كلام غير علمي وفقاً لعلم الاجتماع الغربي ذاته.

ولكي نفهم مسألة الدولة الدينية -التي تعني في علم الاجتماع الغربي دولة ثيوقراطية أو حكم رجال الدين وبالتحديد الإكليروس- فإنه ينبغي بداية أن نقرر أن تطبيق مفهوم معين ظهر في سياق حضاري وصيرورة اجتماعية معينة أمر غير علمي، بل إن من بديهيات علم الاجتماع ذاته أي علم اجتماعي -علم الاجتماع الغربي مثلاً أو الأوروبي- لا يمكن تطبيق مفاهيم على بيئة تاريخية واجتماعية وحضارية أخرى. ومن ثم فإن تطبيق مفاهيم ومصطلحات علم الاجتماع الأوروبي على المجتمعات غير الأوروبية -التي لها صيرورة تاريخية واجتماعية وثقافية مغايرة- يؤدي إلى أخطاء منهجية كبرى.

مثلاً فإن كلمة أصولي أو يميني أو يساري أو علماني... إلخ, لها مفهوم ودلالة مغايرة تماماً في أوروبا والغرب عنها في المجتمعات الإسلامية، فيمكن مثلاً أن تكون إسلاميا حتى النخاع وتريد وحدة إسلامية وتريد تطبيق شرع الله، ولكنك أيضاً انطلاقاً من أن الإسلام مع الحرية تماماً، ومع العدالة الاجتماعية أكثر من أي يساري. فهل يمكن توصيفك عندئذ بأنك يميني أو ليبرالي، أو يساري أو إسلامي... إلخ.

وهكذا فنحن بصدد ضرورة تحرير المصطلح انطلاقاً من قواعد علم الاجتماع العربي الإسلامي، فكلمة علماني مثلاً "Secularism" تعني في علم الاجتماع الأوروبي الشخص الذي لا ينتمي إلى الإكليروس الكنسي بمعنى أن يكون طبيبا أو مدرسا أو مهندسا أو عالما أو فلاحا، ومن ثم فإذا كنت مهندساً أو طبيباً أو فلاحاً أو عاملاً أو مدرساً, ومع ذلك أنت مع المشروع الإسلامي، فهل أنت علماني مثلاً؟

وكذا فإن ميثاق المدينة المنورة الذي نظم العلاقة بين المهاجرين المسلمين، والأنصار المسلمين، وأهل المدينة المشركين، واليهود في المدينة وحولها، كان بمقياس علم الاجتماع الأوروبي ميثاقا علمانيا مثلاً ولكن هذا لا يفسر المسألة بالكامل، بل قل هو ميثاق إسلامي، أو الإسلام يرفض الدولة الدينية أصلاً، لأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان القائد السياسي وليس الديني لأهل المدينة من مهاجرين وأنصار مسلمين، وأهل المدينة المشركين واليهود، وفقاً لمعاهدة تحقق الحقوق والواجبات.

الدولة الإسلامية هي دولة الاجتهاد البشري، وهي محاولة الوصول إلى مصالح البشر وليس المسلمين فقط، وهي دولة مسؤولة عن حرية كل إنسان في العالم مهما كانت عقيدته الدينية والثقافية

ومن ثم فإن مصطلح الدولة الدينية مصطلح غير صحيح أصلاً، وفقاً لقواعد علم الاجتماع العربي الإسلامي، والخليفة أبو بكر قال لقد وليت عليكم ولست بخيركم، فإذا أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. ولم يقل أنا ظل الله على الأرض مثلاً، وكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم جميعاً يختلفون.

إذن هو اجتهاد بشري ينبع من قواعد إسلامية عامة، وهذه القواعد الإسلامية ذاتها هي الضمان الحقيقي للبشرية لأنه إذا كان الشعب مصدر القيم مثلاً، ومن ثم فإن من حق الأغلبية مثلاً أن تحكم بنفي أو قتل الأقلية، ووفقاً لقواعد علم الاجتماع السياسي الأوروبي فإن ذلك ممكن نظرياً، فما الذي يحول دون ذلك، دون وجود قيم عليا غير بشرية؟ وقد حدث هذا بالفعل إبان حكم هتلر الذي صعد إلى السلطة بصندوق الانتخابات، فقد أباد عددا من اليهود والمسلمين، وفكر في قتل المسنين على أساس أنهم أفواه تأكل ولا تعمل.

الدولة الإسلامية مثلاً، دولة الاجتهاد البشري، ومحاولة الوصول إلى مصالح البشر وليس المسلمين فقط، دولة مسؤولة عن حرية كل إنسان في العالم مهما كانت عقيدته الدينية والثقافية، ومسؤولة عن منع الظلم الاقتصادي في العالم أيضاً، إن الإسلام دين للمسلمين ولكنه دعوة للتحرر للمسلمين وغير المسلمين، بلا إكراه ولا قهر.

وإذا كان العالم يبحث عن السعادة، العدل والحرية ومنع الظلم الاقتصادي ومنع العنصرية والتعصب، فإن ذلك يحتاج إلى نص نظري عالمي غير عنصري ولا يوجد إلا الإسلام في هذا الصدد، ثم تطبيق بشري كفء وصالح، وقابل للتداول، ويأتي وفق إرادة الناس، ولم تحدث فترات مضيئة في التاريخ البشري إلا في الحضارة الإسلامية سواء في عهد النبوة أو الخلافة الراشدة أو بعض مراحل التاريخ الحضاري الإسلامي، وصحيح أنه كانت هناك فترات إغراق كبرى أو صغرى، ولكنها بالمقارنة بالحضارة الغربية أفضل بكثير.

فالحضارة الغربية أفرزت الفاشية والنازية والشيوعية والاشتراكية الديمقراطية، والرأسمالية الديمقراطية، وإذا قلنا إن جرائم الفاشية والنازية لا تحتاج إلى إثبات فإن الاشتراكية الديمقراطية مثلاً، هي أكثر من نفذت مذابح في الجزائر إبان الاحتلال الفرنسي للجزائر، وصحيح أن جرائم فرنسا في الجزائر حدثت في ظل جميع أنواع الطيف السياسي الفرنسي، بمعنى أن الجمهوريين والملكيين، الاشتراكيين والرأسماليين الشيوعيين والثوريين الفرنسيين، كلهم شاركوا في مذابح فرنسا في الجزائر، ولكن الوتيرة كانت ترتفع في حالات الحكم الاشتراكي والشيوعي الفرنسي.

ويكفي أن تعرف أن فرنسا عندما أعلنت ضم الجزائر إلى فرنسا واعتبرتها جزءاً لا يتجزأ من فرنسا، فإن الشيوعيين الجزائريين مثلاً حاولوا الانضمام للحزب الشيوعي الفرنسي، فرفض الشيوعيون والفرنسيون ذلك وبرروا عدم قبولهم بأن الجزائريين لم يصلوا بعد إلى مستوى البشر.
 
استخدام مصطلح الدولة الدينية، للتخويف من الدولة الإسلامية -لا أقول الإخوانية أو السلفية- هو محاولة من الرأسماليين لاستمرار نهب العالم، لا أكثر ولا أقل
ويكفي أن نعرف مثلاً أن العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 قادته ثلاث حكومات اشتراكية حكومة حزب العمل الإسرائيلي، وحزب العمال الإنجليزي وحكومة الاشتراكيين في فرنسا.

أما بالنسبة للديمقراطية الرأسمالية، فإنها هي المسؤولة عن إبادة الهنود الحمر بعشرات الملايين، واسترقاق السود بعشرات الملايين، والنهب الرأسمالي للعالم، والاستعمار، وإنشاء دولة إسرائيل ودعمها، رغم كل ظلمها الواضح والمعلن على مرأى ومسمع من العالم لمدة سبعين عاماً حتى الآن، والذي ضرب نغازاكي وهيروشيما بالقنابل الذرية كانت دولة ديمقراطية.

ناهيك عن جرائم الدولة الديمقراطية التي لا تحصى، والحقيقة أنه لم يحدث في التاريخ الإنساني حتى الآن، أي دولة عادلة ولو لمدة يوم واحد إلا الدولة الإسلامية، وأتحدى من يثبت عكس ذلك وهكذا فإن استخدام مصطلح الدولة الدينية للتخويف من الدولة الإسلامية -لا أقول الإخوانية أو السلفية- هو محاولة من الرأسماليين لاستمرار نهب العالم، لا أكثر ولا أقل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة