مستقبل الخليـج العربي   
الجمعة 1433/8/17 هـ - الموافق 6/7/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:15 (مكة المكرمة)، 11:15 (غرينتش)
خالد المعيني

تتخذ كل مرحلة من تاريخ الصراع في العلاقات الدولية طبيعة خاصة بها وذلك من خلال تبلور محاور إقليمية جديدة وأقطاب دولية صاعدة، ومنذ تأسيسه فإن النظام السياسي الدولي وتحديدا منذ مؤتمر ويستفاليا عام 1648، اتخذ أشكالا متعددة استنادا إلى نمط توزيع مصادر القوة بين وحداته الدولية، تراوحت ما بين نظام القطبية المتعدد الذي ساد قبل الحرب العالمية الأولى، أو نظام توازن القوى ما بين الحربين العالميتين، وأخيرا نظام القطبية الثنائية الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، ليستقر أخيرا على القطبية الأحادية الذي تربعت بموجبه الولايات المتحدة الأميركية على قمة هرم النظام السياسي الدولي بعد انهيار وتفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991.

ولكن من الواضح أن الساحة الدولية قد أصبحت أكثر اتساعا من أن تتحكم بها قوة واحدة ، لذا شهدت مكانة الولايات المتحدة وتحديدا منذ عقدين تراجعا ملحوظا نتيجة التكاليف الباهظة التي تحملتها في إدارة النظام الدولي منفردة . قابل الانكفاء الأميركي بروز محاور جديدة وأقطاب دولية جديدة لا تزال قيد التبلور ولم تفصح عن نفسها بشكل واضح.

موقع وأهمية الخليج في قوس الأزمات
تعد منطقة الشرق الأوسط وتحديدا المنطقة المحاذية لقوس الأزمات الممتد من (مضيق هرمز - الخليج العربي - العراق - سوريا - فلسطين - وينتهي بقناة السويس)، هذه المنطقة أصبحت منذ أكثر من نصف قرن ولا سيما بعد الحرب العالمية الثانية بؤرة للصراع الدولي المعاصر وممرا نموذجيا لاختبار القوة واستعراض العضلات سواء من قبل القوى الإقليمية الصاعدة أو من قبل تنافس وصراع الأقطاب الدولية الكبرى المتنافسة.

وفي خطابه أمام الكونغرس الأميركي في فبراير/شباط 1957 حيث قدم مشروعه الذي سمي فيما بعد باسمه قال الرئيس الأميركي الأسبق أيزنهاور: "من الأمور التي تؤكد أهمية الشرق الأوسط القصوى احتواؤه على ثلثي مصادر البترول المعروفة في العالم الآن، إن هذه المصادر البترولية لا تقل أهمية عن حلف الأطلنطي"، هكذا اكتسب ويكتسب هذا القوس الذي يمثل مركز الشرق الأوسط أهميته الجيوبوليتيكية من خلال طرفيه.

ففي الطرف الجنوبي حيث يتمركز تحت الأرض أكثر من 75% من مخزون العالم من النفط والغاز، الذي من شأن الاستحواذ عليه التحكم الفعلي بعصب الطاقة في القرن الحادي والعشرين وقطع الطريق على بقية الأقطاب المنافسة، في المقابل يكتسب الطرف الشمالي من القوس أهمية قصوى بالنسبة للقوى الدولية المتحكمة وذلك في الشق العسكري والأمني المتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي.

وما بين طرفي هذا القوس الاقتصادي والعسكري فإنه من المتوقع أن تتحول هذه المنطقة وعلى امتداد القرن الحادي والعشرين ولأسباب موضوعية إلى ما يشبه (القلب الأرضي الجديد) الذي تحدث عنه المفكر الإنجليزي الجيوبوليتيكي "ماكندر" صاحب نظرية القلب الأرضي The theory of heart Ground التي سادت نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين حيث عد منطقة "أورآسيا" بمثابة قلب العالم أو السويداء ومن يسيطر عليها يسيطر على جزيرة العالم ومن يسيطر على جزيرة العالم يتحكم بالعالم بأسره، ولكنه في حينها كان يتحدث وفق معطيات زمانه ومن الواضح جدا على ضوء تبدل توزيع القوة ومصادرها في القرن العشرين فإن هناك انتقالا قد حصل على القلب الأرضي ليستقر في "قوس الأزمات" فمن يسيطر عليه (ثروات وممرات) يسيطر على عصب الطاقة ومن يسيطر على عصب الطاقة يتحكم بالقرن الحادي والعشرين.

الفيتو المزدوج وملامح الاستقطاب الدولي
يشكل انفراد قوة واحدة مهيمنة على مقدرات النظام السياسي الدولي حالة نادرة في تاريخ العلاقات الدولية، لذلك نجد أن نظام القطبية الأحادية الذي ساد العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي لم يلبث أن تحول تدريجيا من نظام قطبية صلب يتسم بانضباط عال وخضوع معظم وحدات النظام للقطب المسيطر وهذا ما حصل لأكثر من عشرين سنة انصاعت خلالها معظم الدول ترغيبا أو ترهيبا لمشيئة الولايات المتحدة الأميركية دون نقاش وتحولت فيها منظمات الأمم المتحدة وتحديدا مجلس الأمن إلى ما يشبه مكاتب ملحقة بوزارة الخارجية الأميركية.

أدى تراجع دور الولايات المتحدة إلى اضطرارها تدريجيا للقبول بمشاركة قوى دولية أخرى في إدارة الملفات الدولية الساخنة، كملفات كوريا الشمالية وإيران وفلسطين، يطلق على هذا التحول التدريجي في الأدب السياسي، الانتقال من القطبية الأحادية الصلبة إلى القطبية الأحادية الهشة، حيث سمح هذا التحول لبعض القوى الدولية الرئيسية بالقدرة على اتخاذ مواقف أكثر استقلالية عن القرار الأميركي تراكمت لترسل إشارات واضحة عن بداية تشكل نواة لاستقطاب دولي جديد عبر عن نفسه بقوة مؤخرا في مجلس الأمن الدولي باعتباره مجسا واضحا للتعبير عن القوة في إطارها القانوني.

وجاءت الرسائل الأكثر وضوحا في سياق تبلور منحنى هذا الاستقطاب عندما شهد مجلس الأمن الدولي مؤخرا في موقف فريد استخدام دولتين رئيسيتين (الصين وروسيا) لحق النقض (فيتو مزدوج) وذلك بشأن الملف السوري بتاريخ 5 أكتوبر/تشرين الأول 2011، و5 فبراير/شباط 2012، الرسالة الأخرى جاءت متقاربة ولكن في الشق العسكري حيث جرت لأول مرة مناورات عسكرية صينية روسية في بحر الصين في 22 أبريل/نيسان 2012، يضاف لها بعض المواقف العسكرية الواضحة للأسطول الروسي في البحر المتوسط قرب الشواطئ السورية.

الخليج بين الفزاعة الإيرانية والمظلة الأميركية
يمكن حل جدلية العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران في المنطقة واحتمالات ضرب إيران من عدمها على النحو الآتي: إن طبيعة العلاقة في المرحلة الحالية بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران تقوم على قاعدة "التخادم المتبادل" بين المشروعين والمصالح الثابتة والمتحركة لكلا الطرفين، إيران تؤدي عن قصد أو بدون قصد وظيفة محورية في الإستراتيجية الأميركية حيث تفي بمتطلبات نظرية "صناعة العدو" في السياسة الخارجية الأميركية التي لا يمكن لها التحرك أو التقدم دون "عدو خارجي" وهذا يفسر عملية تضخيم التهديد الإيراني وشيطنته ليس فقط على مستوى المنطقة وإنما على مستوى أوروبا والعالم.

طبيعة العلاقة في المرحلة الحالية بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران تقوم على قاعدة "التخادم المتبادل" بين المشروعين والمصالح الثابتة والمتحركة لكلا الطرفين
إن من شأن عملية تصنيع وشيطنة إيران كمحور معاد في المنطقة أن يحقق للولايات المتحدة الأميركية الأهداف التالية:
أولا - استمرار استنزاف واستغلال دول الخليج من خلال تخويفها من الخطر الإيراني القادم والوشيك.
ثانيا - تنشيط عمليات بيع الأسلحة والعتاد وتوظيف الخبراء حيث وصفت بعض صفقات الأسلحة التي أبرمتها دول الخليج بأنها صفقة القرن حيث بلغت كلفة صفقة واحدة ما قيمته (67 مليار دولار) والهدف من وراء هذه الصفقات العملاقة توفير الموارد المالية لسد عجز ميزانية وزارة الدفاع الأميركية.

ثالثا - بعد سيطرة الشركات الأميركية على نفط العراق فإنها باتت من الناحية الفعلية تتحكم بما يقـارب 75% من إنتاج النفط العربي حيث تتولى إنتاجه وتسويقه إلى أوروبا واليابان وبقية دول العالم، الأمر الذي يمكن الولايات المتحدة من التحكم بنمو وتطور اقتصادات هذه الدول وابتزازها سياسيا واقتصاديا.

رابعا - ضمان بقاء القوات العسكرية الأميركية في منطقة الخليج العربي تحت ذريعة حماية دول المنطقة من الخطر الإيراني في حين يكمن الهدف الأساسي في ضمان تدفق البترول والغاز العربي الذي يشكل ثلثي احتياطيات وخزين الطاقة العالمي إلى الولايات المتحدة الأميركية والغرب.

خامسا - صرف النظر بعيدا وتناسي الخطر الإسرائيلي وتحييد القضية الفلسطينية وتسريع عملية التطبيع والسلام مع إسرائيل.

بالمقابل فإن إيران من جهتها تلعب مع الولايات المتحدة الأميركية لعبة "القط والفأر" فما بين الشد والإرخاء تحاول إيران تمرير إستراتيجيتها التوسعية بتحويل الخليج العربي إلى خليج فارسي تحيط به شعوب تؤمن بولاية الفقيه، فهي تساعد الولايات المتحدة في احتلال العراق وأفغانستان ولكنها في نفس الوقت لا تتورع عن تدريب وتمويل مليشيات موالية لها لإزعاج القوات والمصالح الأميركية.

صفوة ما سبق، فإنه يمكن القول إن مسارح العمليات في المنطقة مترابطة، وعلى دول الخليج العربي أن تدرس بعناية منضدة الرمل المعدة سلفا لهذه المنطقة، وأن تتصرف وفق مصالحها الإستراتيجية وليست مصالحها الضيقة، فالمقدمات الأولية لسياسة المحاور الإقليمية (إيران – تركيا – إسرائيل) وملامح الاستقطاب الدولي الجديد (الولايات المتحدة - أوروبا ، الصين - روسيا) تشير إلى إن الجميع منخرط في سباق محموم لاكتساب موطئ قدم جديدة وإعادة توزيع مناطق النفوذ والمجالات الحيوية واقتسام مصادر الطاقة بما لا يجعل القرن الحادي والعشرين قرنـا أميركيا خالصا.

من الضروري في هذه المرحلة الانتقال من الدفاع السلبي والمواقف الضيقة إلى استلام زمام المبادأة من خلال تفعيل عناصر القوة العربية الذاتية في إطار قوس الأزمات

ومن المحتمل أن تسفر نتائج ومخرجات هـذه الاستقطابات والتنافسات عن "سايكس- بيكو" جديد قد يتفاجأ فيه العرب بعد فوات الأوان كما جرى مطلع القرن الماضي على تقسيمات وخرائط جديدة على الأرض تفرض عليهم وفق سياسة الأمر الواقع، لذا ليس من المصلحة الانجرار والانخراط في سياسة المحاور الجديدة وتعزيز مواقع الدول الإقليمية على حساب المشروع العربي، بل من الضروري في هذه المرحلة الانتقال من الدفاع السلبي والمواقف الضيقة إلى استلام زمام المبادأة من خلال تفعيل عناصر القوة العربية الذاتية في إطار قوس الأزمات.

من جهة أخرى يمكن الاستفادة من فسحة المناورة المحدودة التي تتيحها التحولات الحالية في بنية النظام الدولي لتحصين عناصر القوة الذاتية العربية المتمثلة بدعم الوحدات الأساسية التي تشكل قلب قوس الأزمات (العراق - سوريا -  مصر) وتعزيز استقلالها وعروبتها ووحدتها الوطنية، وعدم الوقوع في فخ المساهمة في إضعافها وتفتيتها أو جعلها وتركها فريسة للاستقطابات الجديدة.

من جانب آخر فإنه بات من الضروري عدم التعويل على الهياكل المتهرئة الرسمية العربية التي أصبحت من التراث السياسي العربي والشروع فورا بوضع حجر أساس جديد لعقد سياسي رسمي عربي جديد يفتح الآفاق ويجدد الأمل في عروق الشباب العربي والاجيال القادمة ويعزز ثقتهم للسير قدما إلى المستقبل وخوض غمار القرن الحادي والعشرين بهوية حقيقية وطموح واضح أسوة بالأمم والشعوب الأخرى.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة