بلجيكا في قائمة الإرهاب   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم: كمال الهلباوي*

في الأسواق كتابان باللغة الإنجليزية، يتناول فيهما الكاتبان مسألة واحدة مع التقديم والتأخير في العناوين. الكتاب الأول كتبه فواز جرجس Fawaz Gerges بعنوان: أميركا والإسلام السياسي- صراع حضارات أم صراع مصالح سنة 1999 America and political Islam: Clash of cultures or clash of interests مطبعة جامعة كامبردج.


الغرب وقع في مصيدتين هما: الاعتقاد بأن الخطر القائم بعد الشيوعية هو الإسلام السياسي وأن صراع الحضارات أمر حتمي، وهو ما وقع فيه صموئيل هانتنغتون رغم أنه استعار اللفظ أو التسمية من المستشرق برنارد لويس
والكتاب الثاني بعنوان: الإسلام السياسي والولايات المتحدة الأميركية: دراسة عن السياسة الأميركية تجاه الحركات الإسلامية في الشرق الأوسط Political Islam and the United States: A study of US policy towards Islamist Movements in the Middle East. مطبعة إثاكا- ريدنج 1999، وكتبه ماريا دو سيو بنتو(Maria Do Ceu Pinto )

ويرى الكاتبان أن الغرب وقع في مصيدتين هما: الاعتقاد بأن الخطر القائم بعد الشيوعية هو الإسلام السياسي الذي قدمته الحركات الإسلامية، وأن صراع الحضارات أمر حتمي، وهو ما وقع فيه صموئيل هانتنغتون رغم أنه استعار اللفظ أو التسمية من المستشرق
-برنارد لويس- المغالي في استشراقه وتعصبه. ويلخص الكاتبان نظريتيهما في أن في الغرب مدرستين. المدرسة الأولى هي مدرسة المواجهة
(Confrontationalists)، والمدرسة الثانية هي مدرسة المواءمة والاستيعاب Accommodationists .

ويرى أصحاب المدرسة الأولى أن الإسلام السياسي يتميز بالآتي:

  • سلطوي إملائي: لا مجال فيه للحوار ولا للأخذ والرد.
  • دين عنف: يقوم على العنف في حل المشكلات التي تصادفه وفي نظرته للآخرين.
  • ضد الديمقراطية: لا يتسق مع قيم الغرب ولا يتماشى معها.
  • ضد الغرب بالضرورة وضد أميركا وضد إسرائيل.

ويرى الكاتبان أن مصادر هذه النخبة متعددة من أهمها:

  • التأثر بالثقافة المنتشرة في أميركا: والتي بدأت تنظر إلى الإسلام السياسي باعتباره ثقافة معادية وأن المسلمين متعصبون دينيا، وليسوا أهلا للثقة، وهذا الزعم هو خرافة التفاعل الأوروبي مع الأسلام منذ عصر الصليبيين.
  • اللوبي الصهيوني الإسرائيلي والدوائر التي تدعم هذا التوجه: وهناك إشارات واضحة في الكتابين إلى أن إسرائيل استطاعت أن تخدم مصالحها الإستراتيجية والسياسية في فترة ما بعد الحرب الباردة بتصوير الإسلام على أنه الخطر الأيدلوجي القادم في أميركا.
  • الأنظمة المستغربة في العالم الإسلامي: التي لعبت دورا مهما في تشكيل التصور الأميركي عن الإسلام السياسي. وقد عملت بعض الأنظمة في العالم الإسلامي بإصرار على إقناع الإدارة الأميركية بخطورة التهديد الإسلامي الأصولي على الغرب وعلى أهمية الدور الذي يقومون به لمحاصرة هذا التهديد.

ويرى الكاتبان -على اختلاف بسيط في التقدير والتعبير- أن أصحاب مدرسة المواءمة والاستيعاب يرون أن التهديد الإسلامي هو خرافة وليس حقيقة، ويرون أن الإسلام:

  • دين تتسق قيمه مع الديمقراطية.
  • دين انفتاح وليس دين جمود ولا غموض.
  • أن الإسلام السياسي هو حصيلة ونتاج عوامل وظروف اجتماعية واقتصادية والمظالم السياسية التي خلفها الاستعمار وراءه.

كما يسأل أصحاب مدرسة المواءمة والاستيعاب الغرب عن مدى الالتزام الغربي نحو تشجيع الديمقراطية في العالم الإسلامي، ويخلصون في الدراسة إلى أن السياسات الغربية نحو الدول الإسلامية تتسم بالازدواجية في المقاييس والمعايير، كما يرى الكاتبان أن الحكام في أميركا يحاولون -من خلال هاتين المدرستين وهاتين النظريتين- إدارة شؤون البلاد.


أميركا حاولت في بعض الأحيان إجراء اختبارات في فتح حوارات مع الحركات الإسلامية، ولكنها تراجعت أمام معارضة شديدة من حكومات الدول الإسلامية التي خشيت على مستقبلها، وما قد يصيبها من تهميش
وقد قدم الكاتبان دراسات حالة من الجزائر ومصر وتركيا وإيران والسودان. ويؤكد الكاتبان أن أميركا حاولت في بعض الأحيان إجراء اختبارات في فتح حوارات مع الحركات الإسلامية في تلك الدول، ولكنها تراجعت أمام معارضة شديدة من حكومات تلك الدول التي خشيت على مستقبلها، وما قد يصيبها من تهميش. وأبرز محاولة هي تجربة الاشتراك في السلطة في تركيا التي أتيحت لحزب الرفاه برئاسة الزعيم الكبير نجم الدين أربكان ولمدة قصيرة، انقلب الجيش التركي خلالها على هذه التجربة مما اضطر أربكان إلى الاستقالة رغم سياساته البرغماتية، ورغم أنه تبنى في الغالب نفس السياسة التركية تجاه إسرائيل، وأعلن عن احترامه للتوجهات العلمانية.

ويرى الكاتبان أن أميركا قد وقفت موقفا عدائيا واضحا وعميقا من التجربة الإسلامية في كل من إيران والسودان، بل إنها قادت ضدهما حربا غير معلنة، وسعت بقوة إلى إلحاق الضرر بهاتين التجربتين، بل إن الإدارة الأميركية رصدت مبالغ سرية لخلع الحكومتين من السلطة وإثارة وزعزعة الأوضاع والاستقرار في البلاد.

ويرى الكاتب جرجس أن المصالح السياسية والإستراتيجية والاقتصادية، دون القيم الثقافية أو الحضارية هي التي تحدد في النهاية السياسات الأميركية نحو الإسلاميين.

ويعتقد صناع القرار في أميركا أن الإسلاميين إذا جاؤوا إلى الحكم والسلطة فإنهم -أي الإسلاميين- ملزمون بالآتي:

  • معارضة معاهدة السلام العربية الإسرائيلية.
  • زعزعة الحكومات الموالية للتغريب في العالم الإسلامي.
  • الوقوف ضد توريد النفط وتصديره للغرب.
  • محاولة الحصول على أسلحة الدمار الشامل مما يعرض أمن إسرائيل للخطر.
  • القضاء على الديمقراطية.
  • تعديل أجندات السياسة الخارجية


الواضح أن أميركا وصناع القرار فيها لا ينظرون نظرة ارتياح إلى أي تغيير حقيقي في العالم الإسلامي، وأنهم يحافظون على الأوضاع القائمة فيه، مهما حدث في العالم الإسلامي من تجاوزات ضد الحريات أو النهج الديمقراطي أو التعددية السياسية التي تتغنى بها أميركا
والواضح من كل ذلك تماما أن أميركا وصناع القرار فيها الذين تأثروا بمدرسة المواجهة لا ينظرون نظرة ارتياح إلى أي تغيير حقيقي في العالم الإسلامي، وأنهم يحافظون على الأوضاع القائمة فيه، مهما حدث في العالم الإسلامي من تجاوزات ضد الحريات أو النهج الديمقراطي أو التعددية السياسية التي تتغنى بها أميركا. إن الازدواجية والتناقضية في السياسة الأميركية تظهر تماما في العالم الإسلامي. ومن الأسف الشديد أن تسير الإدارات الأميركية وراء أصحاب مدرسة المواجهة وإثارة الصراع.

وقد تأثرت حديثا المدرسة اليمينية Rightists في أوروبا بموقف أصحاب المواجهة في أميركا، ويسعى أصحاب تلك المدرسة إلى السير في الاتجاه الأميركي المتشدد ذاته وخصوصا بعد أحداث 11 سبتمبر، مما ترك الجاليات الكبيرة من المهاجرين والأجانب في دهشة من أمرهم وهم يتساءلون إلى متى سيظل الترحيب بهم قائما؟ وقد استطاعت بعض تلك الأحزاب في أوروبا أن تكسب مزيدا من أصوات الناخبين في الانتخابات البرلمانية أو المجالس البلدية، بل إن واحدا من تلك الأحزاب في الدانمارك قام بدعاية انتخابية سخيفة على شكل ملصق رسمت به صورة فتاة صغيرة شقراء وكتب تحتها "عندما تحال هذه إلى الاستيداع ستكون الدانمارك بها أغلبية مسلمة".

وقد نقلت صحيفة دير شبيغل الألمانية عن رونالد شل Ronald Schill -الذي فاز في الانتخابات التي دارت بعد 11 سبتمبر في هانوفر وأصبح وزيرا للداخلية بالولاية، وهو من (حزب القانون والنظام)- قوله "أنه يريد أن يقدم الأفارقة السود تجار المخدرات والأتراك الذين يحملون السكاكين إلى العدالة".

كما نقلت صحيفة Politiken -أي السياسي-، عن عضو البرلمان الأوروبي هولندا/ موجنز كامر (Mogens Camre) قوله "لقد غزا المسلمون جميع دول العالم الغربي وهم يتحدثون إلينا بأدب شديد ولكنهم ينتظرون حتى يزداد عددهم ويقتلوننا جميعا". ولكن هذا التوجه اليميني المتشدد سرعان ما فشل في أوروبا، وعارضته بقية الأحزاب على الأقل من الناحية السياسية خوفا على مستقبلهم السياسي.

وفي الأيام الأخيرة تفردت بلجيكا بموقف سياسي عظيم عندما قاطعت إسرائيل لجرائمها العديدة التي تكررت في التاريخ الحديث دون رد حقيقي من أميركا راعية السلام وأوروبا التي تقود العالم حاليا، مما قد يعرض بلجيكا إلى أن تبوء بتهمة الإرهاب.


إن أوروبا اليوم تشهد حركة عودة حقيقية إلى الإنصاف رائدتها بلجيكا وكذلك المنصفون من أهل الغرب
إن أوروبا اليوم تشهد حركة عودة حقيقية إلى الإنصاف رائدتها بلجيكا وكذلك المنصفون من أهل الغرب وهم كثر فهم أعضاء كثيرون في مختلف البرلمانات الأوروبية، وتشهد أوروبا ذلك، لأنها عانت من الحروب من قبل، ولأنها خبرت العالم وخصوصا الإسلامي، وتدرك خرافة اتهام الإسلام والمسلمين بالإرهاب، ولأنها تخشى من ابتلاع الغول الأميركي لكل الموارد الجديدة لرفاهية المواطن الأميركي أولا وأخيرا، ولأن غالبية الأحزاب في أوروبا تخشى على مستقبلها السياسي أمام النازيين الجدد واليمينيين المتطرفين.

_______________
* باحث في الدراسات الإستراتيجية وعضو الرابطة الإسلامية في بريطانيا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة