الديمقراطية.. منظومة قيم أم نظام حكم؟   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم/ نبيل شبيب

- الخلاف على القيم
- تعدد القيم ومخاطر انحرافها
- التشكيك في نظام الحكم الإسلامي

رغم أن العلمانية بمختلف تياراتها وأحزابها لم تعرف في البلدان العربية والإسلامية عموما إلا أنظمة حكم استبدادية، مازال فريق من دعاتها يمكن اعتباره "علمانيا أصوليا"، يلصق تهمة "الاستبداد" بالإسلاميين، ويزعم أنهم مهما قالوا فلن يكونوا ديمقراطيين أبدا، فهم يخادعون، وإن وصلوا إلى السلطة سيمارسون الاستبداد قطعا.

ومنطقيا تبدو هذه المقولات فجة لا تحتاج إلى بحث وبيان، وإلا بدأت المزايدات وقيل إنّ التجربة العملية -الأقوى دلالة- تضع العلمانيين في قفص الاتهام، والحجة ثابتة على الأقل على من مارس الاستبداد منهم بصورة مباشرة، ليس في تجربة واحدة أو اثنتين أو ثلاث، بل في جميع حالات وصولهم إلى السلطة، في جميع البلدان العربية والإسلامية، وعلى امتداد عدة أجيال متعاقبة.

وفي حالة القبول بقول مفكرين علمانيين إن أصحاب السلطة المستبدين لم ينطلقوا من "العلمانية الحقة" يفترض إذن الإقرار بضعف الاستشهاد بأقوال ما (وليس ممارسات عبر سلطة الدولة) صادرة عن "إسلاميين" يمكن القول أيضا إنهم لم ينطلقوا من "الإسلام الحق"، لا سيما أن نسبة عالية من الإسلاميين أصبحوا يدعون إلى الديمقراطية من منطلق أنها نظام للحكم، فيه الكثير مما يتفق مع الشورى فلا يوجد تعارض "جذري" بينه وبين الإسلام.

لقد تجدد الحديث عن هذه الإشكالية في الوقت الحاضر، مع تجدد الحديث عن نشر الديمقراطية في البلدان العربية والإسلامية، بغض النظر عن خواء قول من ينادي بذلك من منطلق فرض الهيمنة الصهيونية الأميركية، مقابل من يتحدث عن الإصلاح باتجاه ديمقراطي.

ولكن سواء في الجولات الفكرية والإعلامية القديمة أيام "العهد الذهبي" للقومية والاشتراكية، أم في الجولات الحالية الساخنة في ظل مرحلة متقدمة من مساعي هيمنة "إمبراطورية أميركية عالمية" يبقى ثابتا أن طرح موضوع "الديمقراطية" وعلاقتها بالإسلام على وجه التحديد، كان وما يزال موضع "تمويه" ربما غير مقصود في بعض الأحيان، ولكنه متعمد في أغلب الأحوال.

الخلاف على القيم

نقطة الخلاف الحقيقي هي في ميدان القيم وليس في نظام الحكم
إن الأنظمة الغربية التي يستشهد بها كلما دار الحديث عن الديمقراطية تقوم حياة وحكما على منظومة القيم الغربية ونظام الحكم الديمقراطي معا، وهنا يجب تثبيت أمرين اثنين:

1- "منظومة القيم" في الغرب مختلفة اختلافا كبيرا في الجذور والتفاصيل نظريا وتطبيقيا عن "منظومة القيم" في الإسلام.

2- تطبيقات "نظام الحكم" في الغرب وفق النهج الديمقراطي، قريبة للغاية من "نظام الحكم" الذي يدعو إليه الإسلام، وإن اختلفت الضوابط الضرورية كي لا يشذ الواقع بعيدا عن النظرية كما هو الحال في الغرب حاليا.

إن نقطة الخلاف الحقيقي هي في ميدان القيم وليس في نظام الحكم، فعندما يرفض مفكر إسلامي قديما أو حديثا "الديمقراطية الغربية" فهو يرفض "منظومة القيم" القائمة عليها واللاصقة بها في الغرب، ولا يرفض فصل السلطات، فهو مما قرره الإسلام، ولا محاسبة السلطة، ولا استقلال القضاء وسيادة القانون، ولا الرجوع المنظم إلى إرادة الشعب، فجميع ذلك مما قرره الإسلام.. ولا يرفض أسلوبا فنيا تنفيذيا للتعبير عن إرادة الغالبية، في استفتاء أو انتخاب وفق ضوابط قانونية مشروعة، ففي الهياكل التنظيمية والتسميات فسحة كبيرة تركها الإسلام، وكونها كذلك يعني أن عدم تحديدها جزء من تشريع الإسلام.

وبالمقابل عندما يعود مفكر علماني إلى "الديمقراطية الغربية" حقيقة أو ادعاء، قديما أو حديثا، فقد كان ولا يزال يدعو -للأسف- إلى ما هو أبعد من "نظام أو نهج للحكم"، فالمطلوب عنده هو الأخذ بمنظومة القيم الغربية، على صعيد الفرد وتربيته، والأسرة وموقعها الاجتماعي، والأخلاق وإخضاعها للأغراض المادية، وغير ذلك مما لا يمكن القبول به إسلاميا.

وليس الإسلاميون أو المجتمع الإسلامي في هذا الرفض "متنطعين"، أم هل نتصور أهل الغرب على استعداد للقبول بأخذ القيم الإسلامية وتطبيقها -دون التخلي عن النظام الديمقراطي نفسه- بدلا مما يعتبرونه قيمهم هم.

وإن الخلط الكبير، قصدا أو دون قصد، بين تنظيم شؤون الحكم بمعنى الطريقة الأفضل لتحقيق الغرض منه ومنظومة القيم، هو الذي يحول كل حوار إلى ما يوصف بحوار الطرشان بعيدا عن جوهر الحوار.

تعدد القيم ومخاطر انحرافها

منظومة القيم المصنوعة صنعا في الغرب جعلت دولة ديمقراطية كأميركا تهيمن إقليميا ثم عالميا حتى باتت تفرض هيمنتها فرضا بكل وسيلة عسكرية وغير عسكرية دون أي اعتبارات إنسانية أو قانونية دولية
الغربيون يستشهدون في دعوتهم لنظام الحكم الديمقراطي إلى أنه النظام الوحيد الذي وجد التطبيق بصورة أفضل من سواه -كما يقولون- في مجتمعات مختلفة، ويعني الاختلاف هنا وجود فروق ما على صعيد القيم بين تلك المجتمعات. وهذا مما يبين مجانبةَ الصواب عند من يريد أن يفرض على المسلمين بالذات النظام الديمقراطي ومنظومة القيم الغربية معا.

فالاختلاف المشار إليه دليل على قابلية الفصل بين القيم والنظام، ويعززه الواقع بمزيد من الأدلة، فليس ما يسري من القيم في الولايات المتحدة الأميركية كالذي يسري في اليابان، رغم وجوه التشابه في بعض أساليب الحياة اليومية، أو في الهند التي يصفونها بأكبر ديمقراطيات العالم باعتبار عدد السكان، أو حتى في دول متحالفة سياسيا متقاربة جغرافيا، مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا.. هذا ناهيك عن الاختلاف القائم أيضا في هياكل الأنظمة القائمة باسم الديمقراطية.

ومن وجوه الخطر أن منظومة القيم في الغرب باتت -مع تطور الفكر الغربي- منظومة "تُصنع صنعا" ولا تقوم على ثوابت، فما كان صالحا بالأمس بات طالحا اليوم، والعكس صحيح، وقد يتبدل وضعه غدا، وذاك ما يفسر مثلا النقلة النوعية الكبيرة على صعيد موقع الأسرة والعلاقات الجنسية في العلاقات الاجتماعية، الذي أدى في هذه الأثناء إلى عواقب واسعة النطاق، إذا قورن الوضع قبل جيل أو جيلين مع ما أصبحت عليه الأوضاع الاجتماعية في الغرب حاليا.

إن الاطلاع المباشر على المجتمع الغربي في واقعه وعبر تقارير أهله عن أنفسهم يفرض عدم الاكتفاء بالإعراب عن إيجابيات نظامه الديمقراطي دون رفض نقل منظومة القيم عنه إلى المجتمعات العربية والإسلامية، وهذا ما يُنتظر من المفكر العلماني، سواء كان من المسلمين أم غير المسلمين.

لقد أصبح الإنسان في الغرب معرضا لأضرار انفلات منظومة القيم، رغم النظام الديمقراطي وسيادة القضاء والقانون، كما بات خطر انهيارها يهدد حصيلة إنجازات مسيرة التقدم البشري علميا وتقنيا وماديا.

منظومة القيم هي التي أدت إلى تفكك الاسرة فأدت في الوقت نفسه -كما تقول الدراسات الغربية نفسها وصفا للمرض دون علاج أسبابه- إلى انتشار الموبقات الكبرى، بدءا بالمخدرات وانتهاء بالاعتداء الجنسي على الأطفال والناشئة، فضلا عن التمييز بين فئات المجتمع تمييزا خانقا تتحدث عنه أرقام الفقر والبطالة والجوع والتشرد وغيره.

ولا يقولن قائل إن من الموبقات الاجتماعية تلك ما هو منتشر في البلدان العربية والإسلامية أيضا ويخفيها غياب الإحصاءات الدقيقة، فمعظم ما انتشر إنما نشأ واستفحل بعد تغييب الإسلام، وليس تحت تأثير توجيهه للحياة والحكم، فهو أيضا من نتائج التغريب القسري عبر العقود الماضية.

ومنظومة القيم المصنوعة صنعا في الغرب هي التي أعطت السيادة للمال والمصالح المادية، بصورة بات يشكو منها مفكرو الغرب أنفسهم، عندما يتحدثون مثلا عن مفعول المال والمصالح في انتخابات ديمقراطية أميركية أو أوروبية، وعن خلل اقتصادي معيشي حافل بالمظالم، فضلا عن أن إعطاء السيادة للقوة المالية وسواها جعل دولة "ديمقراطية" كالولايات المتحدة الأميركية تتحرك باتجاه الهيمنة إقليميا ثم عالميا، حتى باتت تعمل الآن على فرض هيمنتها فرضا بكل وسيلة عسكرية وغير عسكرية، دون مراعاة أي اعتبارات إنسانية أو قانونية دولية.

التشكيك في نظام الحكم الإسلامي

وجد استقلال القضاء وسيادة القانون طريقه إلى نظام الحكم الإسلامي على صعيد النصوص القرآنية والنبوية والتطبيقات العملية الملزمة للمسلمين منذ العهد النبوي إلى ما بعد عهد الراشدين
جميع ذلك يستدعي من المفكر المنصف أن يقول إننا إذا دعونا إلى نظام حكم ديمقراطي، يجب أن نفصل بينه وبين منظومة القيم الغربية، وسرعان ما نجد آنذاك أرضية مشتركة له إن كان علمانيا مع المفكر الإسلامي الذي بات يدعو إلى الديمقراطية -أو الشورى حرصا على المصطلح الإسلامي وميزاته الخاصة بأبعاده اللغوية التاريخية الحضارية ومضمونه- وهو إنما يدعو بذلك إلى نظام سياسي، يقبل به أو بأسسه الرئيسية الإسلام نفسه، شريطة التمسك بمنظومة القيم الإسلامية على صعيد التعامل مع الإنسان الفرد ومع المجتمع.

إن نظام الشورى -مهما اختلف في بعض تفاصيلها إلزاما أو إعلاما وفي أي الميادين تكون وكيف تطبق وشكلها في القضايا التخصصية والعامة- يبقى في جوهره ومع مبادئ العدالة والمساواة أو التكافؤ وغيرها، نظاما يضمن بالضوابط الإسلامية الثابتة، ما بات يعرف حديثا بمبدأ الفصل بين السلطات، التنفيذية والتشريعية والقضائية، جنبا إلى جنب مع وصول قاعدة "محاسبة الحاكم" أي محاسبة السلطة التنفيذية، منذ العهد الإسلامي الأول، إلى مستوى قل وجود شبيه له حتى اليوم في الأنظمة الديمقراطية الغربية.

وإن استقلال القضاء وسيادة القانون وبالتالي فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية والتشريعية، لم يجد طريقه إلى نظام الحكم الإسلامي على صعيد النصوص القرآنية والنبوية فحسب، بل وجد طريقه أيضا على صعيد التطبيقات العملية الملزمة للمسلمين، منذ العهد النبوي إلى ما بعد عهد الراشدين.

ويمكن قول مثل ذلك أو زيادة عن حقوق الفرد وحرياته، وموقع المرأة في المجتمع، والعلاقات مع الدول الأخرى، وآداب السلم والحرب، وغير ذلك مما يتردد ذكره كثيرا تحت عنوان "الديمقراطية" إنما لا يراد الإقرار بوجوده وتكامله في إطار الحكم الإسلامي من جانب العلمانيين الرافضين له.

ويعود بعض الأصوليين العلمانيين إلى التشكيك في نظام الحكم الإسلامي ومحاولة إثبات تناقضه مع "الديمقراطية" من حيث الأصل وليس من حيث بعض التفاصيل، إلى استشهاداتهم بانحرافات يرصدونها من التاريخ الإسلامي في مراحله سابقة، وبعضهم يستشهد بحالتي إيران والسودان المعاصرتين.

وبغض النظر عن الحاجة إلى تقويم كل حدث بعينه تقويما علميا منهجيا قويما، يبقى الاستشهاد فاسدا ابتداء، فأخطاء أي جهة تقاس ويحكم عليها بالإسلام الذي تنسب نفسها له، وليس من المنهجية العلمية كما عرفها واضعوها من المسلمين في العصر الحضاري الإسلامي، وعرفها الغربيون في نهضتهم الحديثة، أن يستند الباحث إلى "الانحرافات" للتدليل على عدم سلامة الأصل الذي انحرفت بعض التطبيقات عنه، ولا يزعم باحث منهجي مثلا أن كل ما صنع ويصنع باسم الديمقراطية هو من الديمقراطية فعلا.

من يصنع ذلك في حالة "الحكم بالإسلام" عليه إذن رفض "الحكم بالديمقراطية" أيضا، لأن "جمهورية بلغاريا الشعبية الديمقراطية" كانت تحمل هذا العنوان ويحكمها حزب شيوعي حكما استبداديا، ويسري ذلك على ألمانيا الشرقية وبولندا وسواها من البلدان الشيوعية سابقا، كما يسري على بلدان عربية وإسلامية تزعم الديمقراطية لنفسها، وتحكمها العلمانية المستبدة، استبدادا ظاهرا للعيان، فلم لا يستشهد بتلك "الانحرافات" للقول بعدم صلاحية الديمقراطية والعلمانية إذن؟

المعضلة تكمن في "التعامل" مع إشكالية الإسلام والديمقراطية وليس في حقيقة كل منهما. وعند تثبيت منهج موضوعي منصف للتعامل مع هذه الإشكالية، يميز في "المقارنات" بين عناصر منظومة القيم ونظام الحكم والأصول الملزمة في كل نظام، والفسحة التي يتركها للآخر وحقوقه وحرياته. آنذاك يمكن أن نخطو خطوة جادة في اتجاه حوار متوازن، قد يحقق الفائدة ويجنب بلادنا المزيد من أسباب النزاع والانهيار والضياع، ولا ينبغي الانتظار، فلا حضيض بعد الحضيض الذي وصلنا إليه.
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة