القرار القطري وعهد التحدي الخليجي   
الثلاثاء 1434/8/17 هـ - الموافق 25/6/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:10 (مكة المكرمة)، 11:10 (غرينتش)
مهنا الحبيل

تزامنا مع ذكرى توليه السلطة في 27 يونيو/حزيران 1995 أُعلن أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني اليوم 25 يونيو/حزيران تنازله عن السلطة بقرار بل بإصرار منه على تحقيق هذا القرار في صحته وحياته لتحقيق انتقال سلمي للسلطة وتوافقي لولي العهد نجله الشيخ تميم بن حمد, ويأتي القرار في ذروة حصاد الشيخ حمد لعهد متفاعل وضخم سجّل بكل تأكيد ما سمي بالتأسيس الثاني للإمارة القطرية التي تأسست على يد الشيخ قاسم آل ثاني عام 1876.

فقد قفزت الإمارة في عهد الشيخ حمد إلى مدارات متقدمة في حضورها كمحور مؤثر وصانع للتغيير في مسارات إقليمية وعربية ودولية ارتبطت بخطة تصور شاملة لدى الأمير القطري الذي أُحيط عهده أيضا بمدارات تحد كبيرة واجهتها قطر من الأشقاء والأصدقاء بحسب التعبير الدارج للعلاقات الدبلوماسية والسياسية مع المحيط القريب والبعيد.

رغم كل مواسم الهجوم الإعلامية الشرسة والشكاوى والضغوط السياسية التي استهدفت الأمير حمد وعهده الجديد آنذاك، فإنه أثبت قوة عزيمه في تحقيق نقلة نوعية لقطر داخلياً وخارجيا

ورغم كل مواسم الهجوم الإعلامية الشرسة والشكاوى والضغوط السياسية التي استهدفت الأمير حمد وعهده الجديد، فإنّ ما برز بوضوح قوة عزيمته في تحقيق هذه النقلة لقطر داخلياً وخارجيا, وكثيراً ما شكك الإعلام الخصم في الدور القطري الجديد وفي إمكانية واستمرارية صعود مشروع الشيخ حمد، ووُجه بحملات إعلامية شرسة تطعن في قدراته وتسخر منها حتى استيقظ الوعي الشعبي في الوطن العربي على حقيقة أدركها المقربون من مفكرين أو مثقفين أو ساسة أن ما عاشته قطر كان سياسة رسمها الأمير بنفسه وقناعته مع وجود فريق عمل من أسرته والأسرة القطرية الكبيرة لكن كان فيها الأمير المحرك الأساسي.

وأضحى تنازله عن السلطة، الذي تحدث عنه سابقاً لضيوفه كقرار مركزي يتخذه في حياته، دليلاً حاسماً لكل ما جرى من رحلة مثيرة وتجديدية في حياته السياسية, وما يهم في هذا المسار أن الأمير تزايد لديه دافع التغيير بعد حركة الربيع العربي, وصرح بأن رسائل التغيير والطموح يجب أن يتفاعل معها الخليج العربي في مؤسسات الحكم مع بقاء العهد الوراثي لكن بتطوير دستوري وتجديدي, يغير برنامج نقل السلطات بالتنازل الطوعي لولاية العهد الدستورية وفق الدستور القطري إلى جيل شاب قادر على حمل رسالة القيادة السياسية للشعوب الخليجية بصورة أكبر من جيل الحكم السابق رغم أن الشيخ حمد يُعتبر الأصغر سناً بين حكام الخليج.

هذه القفزة التغييرية تأتي في ظل تاريخ متوتر أو دموي في بعض الأحيان في سجل أسر الحكم العديدة في الخليج العربي وربطها إما بصراع يُعزل فيه الحاكم وإما بوفاته وإما بتقدم في العمر ليعاني من أمراض أو تبعات إدارة السلطة لظروف السن, وبقاء أسئلة الخلافة في هذه الدولة وتلك محل جدل كبير ومواسم وإثارة وإشاعة, وإن كان ذلك كله كطبيعة للحكم في المنطقة الخليجية يأتي وفقاً لتوافقات الأسر الحاكمة دون أي دور للشعوب في ترجيح كفة مرشح أو تزكيته.

لكن المبادرة القطرية بتحقيق هذه النقلة في تسليم الحكم للشاب الشيخ تميم، وهو في قمة حيويته العمرية بعد أن تم تكليفه بمهام تدريبية وتأهيلية, تُجسد حالة جديدة مؤكدة في منطقة الخليج العربي تقدمت فيها قطر لتكسب خيار التحدي التجديدي لانتقال السلطات، وقد تُشجع دولاً أخرى على خطوات مقاربة للخطوة القطرية.

ورغم أن الشيخ حمد يُسلم السلطات في وقت مبكر من حصاد نتائج مشروعه، فإن هذا الاستباق سيساعد الأمير الجديد في الإفادة من هذا الرصيد الذي سيكون أرشيفا وواقعا مهماً له يساعده مع وجود أبيه في موقع المستشار، وهي حالة فريدة في تاريخ الخليج حيث سيُسمى الأمير الأب الشيخ حمد وسيُسمى الأمير الجد وهو الشيخ خليفة الحاكم الأسبق المحتضن حاليا في الدوحة لدى بنيه وأسرته، في حين سيحكم قطر أميرها الشاب الشيخ تميم ذو الثلاثة والثلاثين عاما, وهي صورة حيوية في الانتقال السلمي للسطلة ونقل الإمارة للأجيال في مرحلة معقدة من الظروف السياسية والإقليمية لمنطقة الخليج.

ولأن البعد المحلي دائماً يمثل ركيزة لعلاقة الحاكم والمحكوم فمن المفيد أن نسلط الضوء عليه كمؤشر للمرحلة السابقة, فالأمير يسلم السلطة ومستوى دخل الفرد ينافس عالمياً على المراكز الثلاثة الأولى، وحجم فرص العمل أو التوظيف للقطريين والقطريات يرتفع في استيعابه ومستواه المادي والتدريبي, وقد لاحظ المراقبون مؤخرا حركة الدفع للقطريين في سياق التطوير المعرفي والإداري، وبدأت قطر تحصد نتائج المدينة الجامعية التي تشاركت بها مع مؤسسات أكاديمية كبرى في الغرب فتحت فروعا قطرية، إضافة لجامعة قطر, وأضحى الحضور القطري الأكاديمي والإداري يتزايد خاصة في الثلاث سنوات الأخيرة.
 
الأمير يسلم السلطة ومستوى دخل الفرد ينافس عالمياً على المراكز الثلاثة الأولى، وحجم فرص العمل أو التوظيف للقطريين والقطريات يرتفع في استيعابه ومستواه المادي والتدريبي
ورغم وجود موقف متحفظ للبيئة الدينية الإسلامية في قطر على الظروف التي خلقتها حركة التطور المدني في الدولة, لتأخذ من قطر بعض خصوصيات المجتمع المحافظ خاصة في ظل استضافة كأس العالم عام 2022، فإن هناك مساحة واسعة لخطاب التوعية الإسلامية التربوية وخيارات للبيئة المحافظة.
 
ويُنقل عن البعض أن هناك مراجعة وحذرا جديدا في قيادة الدوحة من آثار الانفتاح المطلق لبعض المدن الخليجية والتي أخرجها كليا عن البيئة العربية الإسلامية وعوّمها دوليا ومع ذلك لم يضمن لها ثباتا اقتصاديا مستقرا, وأن قطر تحاول الآن أن تتجنب هذا المنزلق دون خسارة الصعود المدني العلمي والقانوني والترفيهي، وهي معادلة دقيقة ومهمة للغاية.
 
أما المسار السياسي الأهم فهو إعلان الأمير الشيخ حمد أن عام 2013 سيشهد انتخابات نصفية لمجلس الشورى, ويبدو أنه قد أُجل كموقف طبيعي إثر قرار الأمير نقل السلطات, لكن بلا شك سيبقى إنجاز هذا الملف مدار تحد مهم مساعد للدولة ومتزامن مع حركة التطوير السياسي يحقق توازن وملء فراغ دستوري واجتماعي سياسي مهما للشعب القطري ليصنع قاعدة عمل سياسي وقانوني للدولة الحديثة الأقوى.
 
في كل الأحوال يلمس المراقب خاصة في الشهور الأخيرة وبعد تنامي الأخبار عن حديث سياسي ومشاعر عاطفية ووجدانية خلقتها قناعات لدى الناس عن حجم التقدم الذي أحرزته قطر ومشاعر الود لمؤسسها الثاني حمد بن خليفة, إذ ليس في قطر أزمة مع تيارات فكرية ولا صراعات، ولا تكاد تذكر الاعتقالات السياسية باستثناء الشاعر محمد بن الذيب المنتظر أن يصدر في قضيته عفو بعد صدور حكم قضائي تعرض لانتقادات حقوقية, وهذ لا يعني عدم وجود مطالب أو طموح لمشاركة سياسية أو خلاف بشأن الخطط التنموية, لكنها بالجملة لا تمثل دلائل لتوتر شعبي أو أزمة داخلية. وتفعيل انتخابات الشورى النصفية سيحقق نقلة نوعية في هذا الاتجاه, يعزز الرضى والقبول الشعبي.
 
وأما الملف العربي والإقليمي فقد كان مؤشرُ زيارةِ الأمير المنتظر الشيخ تميم بتكليف من والده للسعودية في فبراير/شباط الماضي لتسوية بعض الخلافات، وتثبيت توافقات جدة وتعزيزها دلالتين رئيسيتين خاصة بعد وقف توتر إعلامي لعبت فيه دولة خليجية ثالثة دوراً رئيسياً, غير أن ربط هذا الملف بالشيخ تميم حمل رسالة لإصرار قطر على المحافظة على علاقتها مع الرياض كمدخل للاستقرار الإقليمي العربي ومعالجة ما يطرأ عبر الشيخ تميم في رسالة استباقية سبق أن أشرنا لها كدلالة في حينها لتَصدّره في المستقبل للملفات الرئيسية.
 
وإجمالاً رصد المراقبون في منطقة الخليج العربي حركة تكليفات وتأهيل مركزي في مسارات متعددة خلال الأعوام الماضية كلف بها الشيخ حمد نجله ومنحه صلاحيات مطلقة فيها ضمن برنامج إعداد يؤكد سعي الأمير الأب لتحقيق معادلة نقل السلطة, ومع تنظيم وتفعيل حديث لمشاركة شباب الأسرة الحاكمة كان واضحاً أن الشيخ تميم يقود فريقا شبابيا من أسرته يُشكل قاعدة لتأسيس مواصلة بناء قطر الجديدة التي أسسها والده, وبلا شك أن التحديات كبيرة ومتفاعلة, خاصةً بعد أن بدا واضحاً أن والده الشيخ حمد استطاع العبور بعلاقاته الدولية والإقليمية إلى منطقة تؤثر فيها قطر وتكرس منهجية تحالفات مع قوى داخل المنطقة العربية من حرب غزة حتى الربيع العربي وصولاً إلى ثورة سوريا, وهو الدور الذي يتعرض مؤخراً لحملة إيرانية وإسرائيلية شرسة ومتابعة إعلامية غربية وعربية مستفزة من تصاعد الدور القطري الذي شكته أطراف عربية لواشنطن كدليل لحجم تأثير هذا التوازن المحوري الجديد للدور القطري.
 
يُسلم الأمير الشيخ حمد إلى نجله تميم العهدة متضمنة مشروع الجزيرة الكبير, الذي أعطى لقطر قوة ناعمة رغم التحديات, ويعود اليوم إلى قصره منعوتا بالأمير الأب الذي سلم السلطة طواعية
وتبقى الجزيرة القناة والمشروع أحد معالم التاريخ الإعلامي العربي الحديث التي ارتبطت بقطر عبر أميرها الأب الشيخ حمد، ولا يوجد مجال لحصر ما حققته الجزيرة من تغيير نوعي شامل في المنطقة, ويكفي دلالة حجم متابعة الرأي العام العربي ودلائل تأثيرها في موقف الشعوب وكذلك ما تعرضت له قطر من عروض إغراء وتهديد في مسيرتها التأسيسية للجزيرة من عرض مادي مفتوح وضخم أسطوري لشراء الجزيرة إلى إدراج الرئيس بوش مقر الجزيرة الجغرافي في قطر كهدف عسكري للقوات الأميركية عند احتلال العراق, وهي جملة تختصر كيف أن هذا المشروع، الذي وإن كان يدار مستقلاً عن السلطة التنفيذية في قطر إلا أنه كان رهانا، ثبّت قاعدة قدرة الخليج العربي وشخصياته على التأثير والبناء المواجه لآلة الغرب الإعلامية الشرسة والعربية الرسمية المستبدة.
 
ويُسلم الأمير الشيخ حمد إلى نجله تميم العهدة متضمنة مشروع الجزيرة الكبير, الذي أعطى لقطر قوة ناعمة رغم التحديات, وهو يعود اليوم إلى قصره منعوتا بالأمير الأب الذي سلم السلطة طواعية وعن إصرار بترسيخ قيم حكم جديدة لم يعرفها الخليج العربي وغالب بلدان الوطن العربي والعالم الثالث. إن رمزية مؤسس قطر الثاني تترسخ في ضمير وفضاء ووجدان الشعوب الخليجية بأن حمد بن خليفة لم يعبر لكنه نحت نقشاً تتذكره الأجيال فتُتمتم.. هنا قطر .. صنعت التحدي بتاريخ لا يمحوه المطر.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة