أفغانستان.. مراهنات ربيع ساخن   
الثلاثاء 1428/2/17 هـ - الموافق 6/3/2007 م (آخر تحديث) الساعة 16:18 (مكة المكرمة)، 13:18 (غرينتش)


مطيع الله تائب

ما الذي تغير على الأرض؟
الناتو والخيارات الصعبة
الحوار والمشاركة بين الرفض والقبول

بينما يزحف الربيع ببطء نحو جبال أفغانستان المكسوة بالثلوج، تدق طبول المعارك الفاصلة القادمة من معسكرات الناتو ومخابئ طالبان على حد سواء ليكون ربيع هذا العام أكثر سخونة من أي عام مضى في أفغانستان ما بعد طالبان.

ما الذي تغير على الأرض؟
من السهل سماع نغمة جديدة في تصريحات طالبان التي تتحدث عن استعدادها للتوجه نحو المدن ومراكز المحافظات الجنوبية وهي تمتلك مئات المقاتلين الجدد الذين يتراوح عددهم بين ستة آلاف وعشرة آلاف مقاتل بينهم أكثر من خمسمائة شخص مستعدون للعمليات الفدائية بالإضافة إلى أسلحة جديدة بعضها من نوع المضادات الجوية.

ربما تكون الأرقام الواردة في تصريحات الملا داد الله القائد العسكري العام لطالبان لوسائل الإعلام وغيره من مسؤولي الحركة وقادتها الميدانيين جزءا من الحرب النفسية التي تسبق هجوم الربيع.

لكن ما لا يمكن إنكاره من قبل المراقبين هو ما تشهده مناطق الجنوب خصوصا محافظة هلمند من تحول طالبان من مجرد مقاتلين يعتمدون على الكر والفر إلى جهة تدير شؤون الحياة مثل جمع الإتاوات والضرائب وحل المنازعات وأحيانا تقديم بعض الخدمات مثل إدارة مدارس دينية وربما بعض المستوصفات الطبية.

"
إستراتيجية طالبان الجديدة تعتمد على ربط مصير المناطق التي تسيطر عليها بالحركة عبر استنهاض الهمم ضد الوجود الأجنبي والحكومة الأفغانية والقيام بواجب الجهاد بجانب استغلال ما تعانيه الإدارات المحلية من فساد وإهمال
"
هذا الشكل الجديد من العلاقة بين مقاتلي حركة طالبان والمواطنين قد يشكل مقدمة هامة لتغييرات كبيرة على خريطة توازن القوى في الجنوب في ظل فقد الحكومة السيطرة على عقول وقلوب الناس في تلك المناطق بشكل تدريجي ويفتح الباب على سيناريوهات جديدة في أفغانستان.

ويبدو أن حركة طالبان تنوي توسيع نطاق سيطرتها خلال عام 2007 إلى أكبر قدر ممكن من المناطق في الجنوب لإقامة إدارات محلية تديرها بالتعاون مع زعماء القبائل وأعيان القرى والمناطق.

وتشكل المديريات والمناطق النائية التي تعاني من عدم رعاية الحكومة ولا تشهد أي مشاريع إنمائية الأولوية في قائمة المناطق المرشحة من قبل حركة طالبان لبناء إدارات محلية تشكل عمقا لقوات طالبان في زحفها المرتقب نحو المدن الكبرى لكي تمدها بالمقاتلين والمآوى والتموين.

وتعتمد إستراتيجية طالبان الجديدة على ربط مصير هذه المناطق بحركة طالبان عبر استنهاض الهمم ضد الوجود الأجنبي والحكومة الأفغانية والقيام بواجب الجهاد بجانب استغلال ما تعانيه الإدارات المحلية من فساد إداري وإهمال للمشاريع الإنمائية.

هذا بالإضافة إلى الأخطاء الجسيمة التي تقوم بها القوات الدولية في استهداف المدنيين خلال عملياتها العسكرية في تلك المناطق مما يوحد مصير المواطن العادي بمصير قوات طالبان.

ومن المتوقع أن يكون مقاتلو طالبان قد طوروا من أسلحتهم خصوصا الأسلحة المستخدمة ضد الطائرات والدبابات وكذلك أساليب المفخخات والتفجيرات الأمر الذي يجعلهم كذلك في موقف عسكري أفضل من السنوات السابقة خصوصا إذا تجنبوا التفجيرات العشوائية التي عادة ما تحصد أرواح المدنيين.

ولا يستبعد توجه الكثير من المقاتلين الأجانب ومعظمهم باكستانيون من المناطق القبلية نحو خطوط المواجهة داخل أفغانستان بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقعته إسلام آباد مع هذه المجموعات المسلحة في المناطق القبلية المتاخمة لأفغانستان في سبتمبر/أيلول الماضي.


الناتو والخيارات الصعبة
لم تشهد القيادة البريطانية لقوات الناتو في الجنوب الأفغاني أي تقدم ملحوظ في إنهاء المقاومة المسلحة وإن كان هناك تغيير ملحوظ في الخطط الهجومية للناتو باستهداف قادة طالبان الميدانيين ورفع التنسيق المخابراتي لاستهداف هؤلاء القادة والمجموعات المسلحة بشكل مباشر بعيدا عن الهجوم العشوائي على القرى والمساجد، الأمر الذي سبب الكثير من الكراهية والمعارضة الشعبية للناتو والقوات الحكومية.

ويبدو أن القيادة البريطانية بخبرتها الاستعمارية في المنطقة ومعرفتها لعقلية شعوبها وتداخلاتها العرقية والدينية تركز على عدم الدخول في مواجهة مع الشعوب وفصل المقاتلين عن المواطن العادي وهذا ما كان واضحا في تصرفات الجيش البريطاني في هلمند خلال عام 2006.

"
يبدو أن القيادة الأميركية للناتو تتخذ أسلوبا في التعامل مع المقاومة المسلحة في الجنوب, قد يتسم بشيء من الخشونة الأميركية المعهودة لكنه قد يبتعد عن ارتكاب مجازر كتلك التي سببها قصف الأميركيين العشوائي للقرى والمناطق المأهولة
"
لكن يبدو أن القيادة الأميركية للناتو تتخذ أسلوبا مختلفا في التعامل مع المقاومة المسلحة في الجنوب يتسم بشيء من الخشونة الأميركية المعهودة لكنه قد يبتعد عن ارتكاب مجازر كتلك التي سببها قصف الأميركيين العشوائي للقرى والمناطق المأهولة من قبل.

صعوبات الميدان ليست هي الوحيدة التي تزعج قادة الناتو، بل الخلافات داخل الحلف حول مهمة أفغانستان التي يبدو أنها تطول وتتسع وكأن الناتو يتورط في المستنقع الأفغاني.

الحلف الأميركي البريطاني يصر على مزيد من القوات ومزيد من الأموال للقضاء على المعارضة المسلحة المتنامية ولكن الأوروبيين وعلى رأسهم الفرنسيون والألمان والإيطاليون وبقية الدول الصغيرة يترددون في إرسال أبنائهم إلى أتون المواجهة المسلحة، وذلك لما تعانيه هذه الدول من معارضة شعبية داخلية للحرب مثلما حصل في إيطاليا مؤخرا.

وبشكل عام يقود الناتو حاليا أكثر من 35 ألف جندي من 37 دولة بينهم أكثر من 15 ألف أميركي و5600 جندي بريطاني. ومن المتوقع أن تعزز بريطانيا قواتها هناك بإرسال 1000 جندي إلى أفغانستان، كما يوجد توجه لدى الأميركيين بزيادة جنودهم العاملين تحت إمرة الناتو في أفغانستان في حين تمتلك واشنطن 12 ألف جندي آخرين تحت إدارتها المباشرة لمطاردة القاعدة وقادتها ومقاتليها.

والخيارات الموجودة عند الناتو يمكن حصرها في النقاط التالية:
- الاستمرار في الحل العسكري مع ضخ مزيد من الأموال في المناطق المضطربة وعمل مشاريع تنموية حقيقية في تلك المناطق تعيد الثقة الشعبية للحكومة والقوات الدولية وتعزل مقاتلي طالبان عن قواعدها الشعبية التي بدأت تتجمع حولها.

وعلى الخط نفسه رفع مستوى القدرات القتالية في الأفراد والأدوات لدى الجيش الأفغاني.

وقد جاءت توصيات أحدث دراسة أميركية قام بها مركز الدراسات الإستراتيجية الدولية بواشنطن في هذا الاتجاه، حيث تحدث التقرير الذي صدر في 23 فبراير/شباط 2007 عن فقدان حكومة كرزاي للتأيد الشعبي نظرا لفشلها الذريع في تنفيذ وعودها التي قطعت على نفسها.

- إعطاء دور أكبر للقوات الأفغانية خصوصا تلك التي تم تحييدها خلال السنوات الماضية بحيث تصبح المواجهة بين الأفغانيين عبر ضخ دعم مالي وعسكري كبير لهذه القوات.

لكن لا يبدو أن هذا الخيار يخدم مصالح الناتو في أفغانستان، بل سيدخل أفغانستان في دوامة جديدة تعمق الخلافات القومية المسلحة بين الجنوب المؤيد لطالبان وبين بقية أفغانستان الرافضة لوجود طالبان، كما أنه سيعطي المجال للقوى الإقليمية وكذلك القاعدة لاستخدام الفوضى ضد المصالح الأميركية في المنطقة.

"
من الخيارات المتاحة أمام الناتو احتواء حركة طالبان ضمن النظام السياسي الموجود في أفغانستان مع إعطائها مساحة أكبر للتحرك في الولايات التي توجد فيها بالجنوب لتهدئة الوضع هناك والتمهيد للخروج من أفغانستان
"
- احتواء حركة طالبان ضمن النظام السياسي الموجود في أفغانستان مع إعطائها مساحة أكبر للتحرك في الولايات التي توجد فيها بالجنوب لتهدئة الوضع هناك والتمهيد للخروج من أفغانستان.

والخيار الأخير تبدو آفاق تطبيقه ضيقة نظرا لعدة أسباب أهمها عدم وضوح موقف طالبان من الدخول في أي نظام ائتلافي، حيث تصر الحركة في المرحلة الحالية على إخراج القوات الأجنبية بشكل أساسي.

لكن هذا الأمر يمكن تجاوزه في نظر بعض المحللين بالاتفاق مع قيادات معتدلة من حركة طالبان سواء الموجودة داخل صفوف الحركة حاليا أو المنعزلة عنها في كل من باكستان وأفغانستان، حول صفقة سياسية معينة تشكل أنصاف حلول لكل طرف.

ويبدو هذا الخيار مطروحا في أجندة الحكومة ويتم تسريب بعض الأخبار عن حصول مفاوضات مع بعض القيادات المعارضة المسلحة لدراسة كافة الأطروحات للوصول إلى صيغ مشتركة في هذا الصدد.

الحوار والمشاركة بين الرفض والقبول
وبينما تستمر طبول الحرب وسط تصريحات نارية من أطراف الصراع ترتفع دعوات المصالحة وإجراء الحوار مع طالبان وأي معارضة مسلحة أفغانية أخرى بل ومشاركتها في الحكم مع التأكيد على استحالة الحل العسكري في سحق مقاومة طالبان.

ويمكن قراءة هذه الدعوات في ثلاثة خطوط أساسية:
- الحكومة الأفغانية: لا تكف كابل عن إطلاق دعوات المصالحة من وقت لآخر مع مقاتلي طالبان ودعوتهم إلى وضع السلاح إلا أن هذه الدعوات تواجه عقبتين أساسيتين.

أولاهما مخالفات داخل توليفة الحكم خصوصا من جهة أعداء طالبان من جماعات المجاهدين السابقين وغيرهم من التيارات اليسارية والقومية الأخرى غير البشتونية.

والعقبة الثانية هي الرفض المستمر لمثل هذه الدعوات من قبل قادة طالبان الذين يشعرون بأن هذه الدعوات تعكس الأرضية الضعيفة التي تقف عليها القوات الحكومية تحت ضغط الصراعات الداخلية والاستياء الشعبي المتزايد والتقارير الدولية التي تتكلم عن فشل حكومة كابل في إدارة البلد والوفاء بالوعود التي قطعتها على نفسها.

- باكستان: حيث تعتبر باكستان الدولة الأكثر تأثيرا في رسم الأحداث بأفغانستان خلال العقود الثلاثة الأخيرة ولا تزال تلعب الدور الأساسي فيما يحدث بالجنوب الأفغاني من ظهور وتنامي قوة طالبان مرة أخرى مثلما لعبت الدور نفسه أثناء انطلاق الحركة في صيف 1994 من الحدود الأفغانية الباكستانية.

الدعوات الباكستانية إلى دفع الناتو والمجتمع الدولي والحكومة الأفغانية للجلوس إلى مائدة الحوار مع طالبان وإشراكها في الحكم تظهر إلى الواجهة الإعلامية بين فترة وأخرى عبر مسؤولين وخبراء ومتابعين للشأن الأفغاني لتسويق الفكرة في ضوء ما يحدث في الجنوب الأفغاني من تنامي العمليات العسكرية ضد الناتو والقوات الأفغانية.

وربما لا تكون الدعوة التي أطلقها محافظ إقليم بلوشستان الباكستاني أويس أحمد يوم 24/2/2007 آخر هذه الدعوات في مسلسل الضغط الباكستاني الرسمي على الحكومة الأفغانية والناتو.

ويمكن فهم إستراتيجية باكستان في التعامل مع الملف الأفغاني وطالبان في ظل الاتهامات والتصريحات الدولية والأفغانية المكررة بالدعم الباكستاني الواضح لحركة طالبان بل لوجود قادة القاعدة في الأراضي الباكستانية.

"
يفتح الربيع القادم الباب أمام جميع الاحتمالات ليبدأ الأفغان أحد أكثر أعوامهم شدة في السنوات الست الماضية وربما يكون الحال أصعب بالنسبة لقوات الناتو التي تقف حائرة بين بقاء صعب وانسحاب أصعب
"
ولم ينكر الرئيس الباكستاني صحة بعض هذه التقارير، بل إنه اعترف بوجود خلل في التعامل مع القاعدة وتحركات طالبان في المناطق القبلية الباكستانية على الحدود مع أفغانستان.

ويبدو أن إسلام آباد تسعى في المرحلة الحالية إلى نقل ملف طالبان إلى داخل أفغانستان وإيجاد قواعد ثابتة للحركة داخل أفغانستان وهذا الأمر يحقق لإسلام آباد هدفين هامين.

الأول إنهاء مسلسل الاتهامات الموجهة إليها في دعم طالبان، وثانيا تنامي قوة طالبان كطرف قوي في الخريطة الأفغانية يجبر الناتو على الاعتماد على باكستان في احتواء هذا التنامي وبالتالي تدخل باكستان بقوة في المسرح الأفغاني.

هذا التوجه تدعمه المرونة الشديدة التي يتعامل الناتو بها مع الموقف الباكستاني المزدوج واعتبار الرئيس مشرف شريكا أساسيا للحلف الأميركي البريطاني في المنطقة.

- الأمم المتحدة: فالأمم المتحدة وعبر مكتبها السياسي في كابل عبرت مؤخرا عن تأييدها لفكرة الحوار مع المعارضين المسلحين، وكان المندوب الأممي السابق لأفغانستان الأخضر الإبراهيمي قد عبر عن خطأ المجتمع الدولي في عدم إشراك طالبان في اتفاقية بون التي أسست للعملية السياسية في أفغانستان بعد سقوط نظام طالبان أواخر 2001.

هذا التوجه يتم تسويقه داخل أروقة الأمم المتحدة من قبل جهات كثيرة منها باكستان، وتستمد الأمم المتحدة منطقها من تاريخ علاقات طالبان التي كانت على وئام مع واشنطن ولندن في منتصف التسعينيات حتى تفجيرات نيروبي ودار السلام عام 1998، وبالتالي لو تم عزل ملف القاعدة عن طالبان فقد تصبح طالبان شريكا مقبولا في أي نظام مستقبلي في أفغانستان.

ويبدو أن هناك تيارات داخل الحركة تدعم هذا التوجه، ويبدو أن واشنطن تسعى لاحتواء الحركة وعمل تهدئة في الجبهة الشرقية لإيران في الفترة القادمة.

ويفتح الربيع القادم الباب أمام جميع الاحتمالات ليبدأ الأفغان أحد أكثر أعوامهم شدة في السنوات الست الماضية وربما يكون الحال أصعب بالنسبة لقوات الناتو التي تقف حائرة بين بقاء صعب وانسحاب أصعب.
ــــــــــــ
كاتب أفغاني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة