القبيلة في ليبيا   
الخميس 28/3/1432 هـ - الموافق 3/3/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:57 (مكة المكرمة)، 13:57 (غرينتش)
فرج نجم

 

صياغة المجتمعات البشرية صياغة إنسانية الجوهر وعالمية المظهر لا تكون إلا بتأليف بناء متماسك، ومجتمع موحد فاضل من لبنات صالحة. يبدأ بالجماعة الممتازة ويتطور إلى الأمة الممتازة، ويسري وينتشر ويعم حتى يشمل العالم كله. من هذا الباب نكاد نجزم بأن ليبيا مبنية على هذه الأسس ولكنها قبلية. فللقبيلة محاسن ومساوئ، كما لها أيضاً مزالق.

عندما ينظر المرء ويتأمل في تركيبة المجتمع البشري، وينظر إلى طبقاته، يراها عن قرب عبارة عن نسيج معقد ومطرز على هيئة شبكة ذات طوابع وسمات عقدية متجانسة في التعايش إلى حد ما. وسكان ليبيا -باستثناء بعض الأقليات الصغيرة- يرتبطون بوحدة أنثروبولوجية قبل الوحدة الترابية منذ الأزل، ويرتبطون مع الأقليات الصغيرة غير العربية برباط أقوى وأمتن وهو العقيدة الإسلامية.

"
سكان ليبيا -باستثناء بعض الأقليات الصغيرة- يرتبطون بوحدة أنثروبولوجية قبل الوحدة الترابية منذ الأزل، ويرتبطون مع الأقليات الصغيرة غير العربية برباط أقوى وأمتن وهو العقيدة الإسلامية
"
فليبيا دولة يدين جميع سكانها بالإسلام وعلى مذهب الإمام مالك، ذات أغلبية عربية؛ يوجد فيها 5% من البربر، و3% من الأفارقة، و1% من الطوارق؛ وأقلية يهودية غادرت ليبيا عام 1967م، وكذلك بقايا الطليان الذين طردوا جميعاً من ليبيا عام 1970م.

وللنظام القبلي الفضل في المحافظة على الديار الليبية مسلمة وعربية اللسان أكثر من أربعة عشر قرناً، ويعود ذلك إلى الحيوية والرغبة الشديدة في المحافظة على الهوية القبلية التي جمعت الفئات في كتلة موحدة وصفوف متراصفة للدفاع عن البقاء ضد أطماع التفريق والهدم عبر العصور المختلفة.

إذن للقبيلة دور كبير في تكوين دولة مثل ليبيا ذات مؤسسات، كذلك دور واضح في مناصرة الإسلام، ودور في مناصبة العداء لأعداء الإسلام، كذلك يجب ألا ننسى القابلية والاستعداد لمقاتلة الأعداء وبذل الأشلاء والدماء.

إن النظام الاجتماعي الليبي برمته يقوم على النظام القبلي، ويرتبط أفراد كل قبيلة بسلسلة من الأنساب تنتهي بجد مشترك تحمل القبيلة اسمه، كما هو سائر في بقية العالم العربي من حيث تقسيم الجماعات.

وقد بلغ من سيطرة الأنساب على أذهان الليبيين أنهم لا يتصورون وجود أي صلة أو رابطة بين قبيلتين إلا أن تكون رابطة قرابة ونسب، حتى الصلات التي تنشأ بالمجاورة بين القبائل بحكم المصالح الاقتصادية المشتركة، مثل الرعي والزراعة، يفسرونها بالأنساب. بل إنهم ذهبوا بالأدلة والبراهين إلى القول بأن لديهم شجرة نسب مشتركة تربط بينهم.

ولكل قبيلة من هذه القبائل روايات وأنساب عن أجدادها الأوائل المؤسسين لها، ولكن إذا درست هذه "الشجيرات" بأسلوب علمي معاصر، يبدو لك أحياناً أن فيها شيئا من التناقض من حيث السند، ولا تفسير دقيقا لذلك، اللهم إلا لجوء الليبيين دائماً إلى الأنساب لربط القبائل بالدماء في المصالح المشتركة والجوار.

فالأنساب هي عماد النظام القبلي في ليبيا، وصمام الأمان للتعايش، وبطاقة التعارف فيما بينهم، لذلك يحفظ الليبيون أنسابهم ويتناقلونها جيلاً بعد جيل، وكانت للأنساب أهمية كبرى في الأجيال الماضية، فلا يمكن للفرد أن يتمتع بالحقوق في المجتمع مثل عضوية مجلس القبيلة أو الحماية.. إلخ، إلا إذا كان ينتسب إلى هذه القبيلة أو تلك.

هذا ليس خيارا، ولكن ضرورة اجتماعية ملحة، ومن وراء هذا الحق استفاد العبيد والعتقاء والمستضعفون في الانتماء إلى هذا الكيان القبلي لكي يتسنى لهم العيش والتمتع بامتيازات. ومن هذه العناصر المستضعفة قبائل المرابطين في بداية ظهورهم على الأراضي الليبية وقبل استقلالهم واعتمادهم على أبنائهم.

المتمعن في شرائح المجتمع الليبي يرى أن هنالك عدة أصناف يتكون منها المجتمع الليبي، أهمها العرب ذوو الأصول العربية، أي أبناء بني سُليم وهلال وحلفائهم من فزارة وآخرين، الذين أطلق الخليفة الفاطمي المنتصر بالله العنان لقبائلهم سنة 1050م للزحف غرباً على ليبيا من صعيد مصر، للتخلص من إمارة ابن باديس المرتد عن مذهبه والمتمرد على حكمه والثوار الذين معه في طرابلس وتونس.

فاستقر أغلب بني سُليم في برقة في شرق ليبيا، بينما ارتحلت بنو هلال غرباً إلى طرابلس والمغرب. وتنسب قبائل السعادي (كما تقول الأسطورة) إلى أمهم سعدة، وينقسمون إلى: 1- حرابى، 2- جبارنة، 3- براغيث، وينقسم الحرابي إلى: 1- العبيدات، 2- الحاسة، 3- الدرسة، 4- أولاد فايد، 5- أولاد حمد، و"البراعصة" كما يعرفون نسبة إلى أخيهم محمد بن برعاص الإدريسي الحسني الشريف الذي تزوج حمد الحرباوي من أمه طليحة.

وينقسم الجبارنة إلى: 1- الجوازي، 2- العواقير، 3- المغاربة، 4- المجابرة، 5- العريبات، 6- الجلالات، كما ينقسم البراغيث إلى: 1- العبيد، 2- العرفة، والصنف الآخر هم عرب ولكن يعرفون بالمرابطين الأشراف، ويعزون نسبهم إلى الإمام علي بن أبي طالب من ابنه الحسن وأحياناً الحسين رضوان الله عليهم.

وكذلك البربر الذين معظمهم يقطن الآن الجبل الغربي أو جبل نفوسة، ويسمون بالجبالية، وهم إباضيو المذهب، وتركيبتهم القبلية من حيث التصنيف والتقاسيم مثل العرب، ولهذا يقول بعضهم إن جذورهم عربية من باب التشابه الكبير بينهم وبين إخوانهم العرب. وعلى الرغم من أن زعامة البربر في القرنيين السالفين كانت في آل الباروني الذين يقول البعض إن أصولهم عربية من بلدة الدريز بعُمان، ومن ثم أتوا إلى جبل نفوسة كإباضيين و"تبربروا" وعاشوا مع البربر، ومنهم كان الشيخ الأديب المجاهد سليمان الباروني الذي ولد ببلدة جادو في جبل نفوسة، وترعرع وتعلم في بيت يشُهد له بالعلم والعلماء، وأصبح والياً على طرابلس معينا بفرمان من السلطان العثماني في إسطنبول.

"
القبيلة لها مقومات الاستقلال الذاتي مما جعلها في غنى ومنأى عن الدولة إذا ما أرادت ذلك، ولكن الدولة لا تترك القبيلة لحالها، لذلك أرغمتها على التعاطي معها من أجل كينونتها ورفاهيتها
"
وكذلك عنصر الكراغلة أو القولوغلية، الذين كانت نواة تركيبتهم من أبناء الجنود العثمانيين المجاهدين، من ترك وكرد وعرب وشركس وألبان ويونان وبلغار، وغيرهم ممن انضم إليهم من أبناء المنطقة وخاصة البربر المستعربة، بعدما سقطت طرابلس ومن ثم بقية ليبيا في أيدي العثمانيين بعد أن هزموا -بقيادة مراد آغا- فرسان القديس يوحنا سنة 1551م؛ وبعدها عُين مراد آغا والياً عليها بفرمان من السلطان سليمان القانوني. وهؤلاء الجنود تزوجوا بالبنات الطرابلسيات، عربيات أو بربريات أو غيرهن من النساء اللاتي كن في طرابلس الغرب، وأنجبوا هذا الجيل من الليبيين الذين بحكم البيئة والخؤولة أصبحوا عرباً مسلمين.

وأول ظهور لهم على الخارطة السياسية تمثل في دولة القرمانليين (1711-1835)، وهذه كانت نواة للدولة الليبية المستقلة لاحقاً، ولهم الفضل والأسبقية في توطين البعد الوطني والهوية الليبية بالمفهوم القومي في نفوس الليبيين؛ فاتسع نفوذهم في المجتمع والدوائر السياسية والتجارية، وأغلبهم الآن يقطن الزاوية وطرابلس وزليطن ومصراتة وبنغازي ودرنة.

والكراغلة عندما تناموا في العدد والتأثير حتمت عليهم البيئة القبلية أن يتكتلوا في قبيلة، ويصبح لهم كيان قبلي معترف ومعتد به كما هو متعارف عليه في القاموس القبلي الليبي، من شيخ وبيوت وعمائر… إلخ. وكانت هناك وما زالت علاقة قوية تربط بين الكراغلة والمرابطين، وكان القرمانليون يعاملون المرابطين معاملة خاصة، حيث تعقد لهم الألوية الخـُضر على غرار غيرهم من الليبيين عندما يُنادى للجهاد، وأحياناً يعفون من الضرائب، وتتدخل قبائل المرابطين في حقن الدماء بين الحكومة والقبائل المتمردة، كما تدخلت قبيلة أولاد بوسيف بين الحكومة القرمانلية وقبيلة أولاد سليمان (عرب من بني سُليم) سنة 1842م.

وتعتبر قبيلة أولاد علي الأكبر حجماً في شمال أفريقيا، إذ يقدر البعض عددها بما بين 3 و5 ملايين، وتعتبر كبرى القبائل العربية المصرية المنحدرة من أصول ليبية عام 1670م (1081هـ) والأكثر انتشاراً، ولكن بتلاحم جغرافي وعرفي ونسبي، إذ يمتد وجودهم من البطنان حول مدينة طبرق في شرق ليبيا غرباً إلى نهر النيل في قلب مصر شرقاً، وبعمق يتراوح بين عشرة وثمانين كيلومترا جنوباً، من ساحل البحر الأبيض المتوسط شمالا إلى الصحراء الليبية على امتداد الحدود القـُطرية بين ليبيا ومصر جنوباً.

وقد كان من البديهي أن ينتفي أي وجود للسلطات المركزية في هذه المناطق الشاسعة النائية. لذا تحتم عليها إيجاد عُرف موحد يحتكم الجميع إلى عدالته. فاجتمع مشايخ ووجهاء قبيلة أولاد علي في البطنان عام 1653م (1064هـ) على مدى ستة أشهر -كما ينقل الأستاذ خير الله عطيوة- ومن ثم خرجوا بنظام سمي بـ"دربة أولاد علي"، أو بالأحرى "شريعة الصحراء"، وهذا العُرف أو "الدربة" أصبح بمثابة قانون للعقوبات مستند اسمياً وجزئياً إلى الشريعة الإسلامية، ويتكون من 67 مادة تقنن أنماط العلاقات بين أعضاء القبيلة/القبائل، وأنواع الاعتداءات والجزاءات التقليدية التي توقع على من يرتكبها.

والتزمت به جميع القبائل التي تدور في فلك أولاد علي، وأصبحت "الدربة" صمام الأمن والأمان بين أبناء القبائل في المنطقة المذكورة، تقضي بينهم في كل مشاكلهم وأحوالهم المدنية والشخصية من جنح إلى جنايات.

وأهم معالم هذا العُرف تكمن في الآتي:  
1- يرتكز العرف اسمياً وجزئياً على الشريعة الإسلامية بعيداً عن تأثير الدولة.

2- يُرجع في الغالب إلى "الشرع" في الفصل في إشكاليات وقضايا فيها قتل ودية. والضرب الناتجة عنه كسور وأضرار بالغة، وكذلك في أمور النكاح والطلاق وغيرها.

3- "النزالة" أو الجلوة، التي يتم فيها استبعاد الجاني وذويه -بل أحياناً القبيلة بأكملها- بعيداً عن ديارهم ومضارب نجوعهم. وكما أسلفنا فإن هذا ما زال سارياً في أيامنا هذه في أجزاء كثيرة من ليبيا، بما فيها مدن كبرى كبنغازي.

"
"دربة أولاد علي"، أو ما يسمى "شريعة الصحراء"، أصبحت صمام الأمن والأمان بين أبناء القبائل تقضي بينهم في كل مشاكلهم وأحوالهم المدنية والشخصية من جنح إلى جنايات
"
4- الميعاد أو المسار، وهو المجلس العرفي، عبارة عن اجتماع قبلي حاشد يتم فيه نقاش المشكل، ومن ثم النطق بالحكم بعد مقايضة ومساومة بين القبائل، لإنهاء النزاع بين الجاني والمجني عليه بشهادة القبائل الأخرى، ويصبح القرار ملزماً للجميع.

5- "البراوة"، وهي البراءة والتبرؤ، أي تنصل القبيلة من أفعال وأعمال إجرامية -قد تحدث في المستقبل من بعض أفرادها أو حتى عائلاتها- تعتبرها مخلة بالأمن العام وسلامة الناس ومروقاً من تقاليد القبيلة وآدابها. وكذلك من أراد أن يخرج عن طور القبيلة وينفصل عنها يصدر ضده قرار "البراوة"، وبالتالي لا تتحمل القبيلة مسؤولية جرائم أو مخالفات الجناة، ولا يكون ذلك ملزماً لقبيلة الجاني أو المشاغب، ولا تتحمل مسؤولية ما يرتكبه من أفعال وأعمال مشينة، بل يصبح الجاني وحده ملزماً بما جنت يداه، ويواجه مصيره وحده، وبالتالي لا تجازى قبيلته به ولا تثأر له.

وهذا عادة يتم بعد تحذير المشاغب من مغبة أعماله في جلسة علنية يعقدها مشايخ القبيلة ووجهاؤها ويدعى إليها أفراد القبيلة، ويحذر الشخص أو العائلة المعنية بصورة رسمية وعلى رؤوس الأشهاد، ويصدر فيها قرار "البراوة" الذي بموجبه تصبح القبيلة في حل من أمر المعني، وبالتالي يصبح دمه مهدراً.

ويعمم قرار "البراوة" على جميع القبائل حتى لا تتحمل قبيلته سوء تصرفاته، وهذا من باب ردع من لا وازع له. وتحاط به علماً سلطات الدولة -إذا ما كان هناك لها مركز أو ممثل، كنقطة شرطة أو مجلس بلدي أو قائمقامية- وبذلك يكون قد عمم فيها القرار القبلي الملزم، والذي يتقاطع فيه نفوذ القبيلة والإسلام والدولة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة