الثورات العربية.. مأزق الصدام بين شرعيتين   
الأحد 1434/10/5 هـ - الموافق 11/8/2013 م (آخر تحديث) الساعة 16:04 (مكة المكرمة)، 13:04 (غرينتش)
صالح السنوسي

 

ثورات الربيع العربي -التي هي في الحقيقة انتفاضات كبرى تمخضت عنها تغيرات سياسية- وجدت نفسها أمام مأزق التداخل والتصادم بين الشرعية الثورية والشرعية الانتخابية، فأدى هذا إلى تعقيد مساراتها وخروجها عما هو مألوف في الثورات التي عرفها التاريخ.

ولعل الأسباب التي جعلتها تختلف عن تلك الثورات، هي التي أوقعت هذه الانتفاضات في مأزق الشرعيتين على غرار الحالة المصرية. ومن أهم هذه الأسباب في نظرنا:

أولا- إشكالية القيادة: لقد تميزت بدايات كل انتفاضات الربيع العربي بسمة الفعل الجماهيري، الذي انفجر في مواجهة النظام السياسي، بعد أن تأزمت الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولم يعد ثمة مخرج أمام هذه الجماهير سوى الخروج والتحدي والتضحية، لفك القيود التي كبلت حياة الفرد والجماعة.

ولربما كان لردود فعل الأنظمة الدموية دور في إذكاء روح الفعل الجماعي، واتساع رقعة زخم هذه الانتفاضات، ولكنها -في تقديرنا- كانت ثمرة الكبت واليأس، وانسداد أفق الحياة السياسية والاقتصادية، ولم يكن خلفها عمل مخطط ومبيت وموجه، تديره قيادات هي التي اختارت لحظة تفجير الفعل الثوري لإحلال رؤية سياسية واجتماعية بديلة عن الواقع الذي كان سائدا.

الاختلاف بين قيادات الثورة كان يخفي خلافا أشد في الرؤية، والمنطلق، والثقافة التي تخص كل طرف من هذه القوى، التي وجدت نفسها تقود حركة جماهيرية لم يكن أي منها يحلم بوقوعها

وهذا -في نظرنا- هو أحد الأسباب التي لعبت دورا فيما بعد في تأزم العلاقة بين شرعية الثورة وشرعية الانتخاب، وذلك بالنظر إلى:

1- غياب العامل القيادي: كان العامل القيادي غائبا في بداية الفعل الثوري، فلم يكن هو الذي يسيطر ويوجه ويؤثر في حركة الجماهير، بل تشكل لاحقا أثناء زخم الفعل الثوري، أي بعد أن فرضت الجماهير على النخب وضعا جعلها تنضم وتقود، وتطرح رؤيتها البديلة.

وقد ترتبت على ذلك تعددية القيادات والأطروحات التي يناقض أحيانا بعضها بعضا، فلقد ظهرت أثناء هذه الانتفاضات تنظيمات وتيارات وأحزاب بعضها كان محظورا، وبعضها كان يعمل في ظل النظام السياسي السابق، وبدأت تثبت وجودها في المظاهرات والاعتصامات والصراع المسلح مع الأنظمة.

2- اختلاف رؤية القيادات: كان هناك هدف واحد يجمع بين هذه القوى التي تقود وهو إسقاط النظام، بينما اختلفت رؤيتها فيما عدا ذلك، بداية من الوصف الذي يجب أن يطلق على النظام المراد إسقاطه، فالبعض يصفه بالدكتاتوري والمستبد الذي قمع الشعب وصادر جميع أنواع الحريات، والبعض الآخر يصفه بالطاغية الكافر الذي لا يحكم بشرع الله.

لاشك أن هذا الاختلاف يفصح عن خلاف أشد يتعلق بالرؤية والمنطلق والثقافة التي تخص كل طرف من هذه القوى، التي وجدت نفسها تقود حركة جماهيرية لم يكن أي منها يحلم بوقوعها.

لقد ترتب على هذه التعددية والاختلاف في الرؤية والمنطلق عدم وجود رؤية مشتركة للقيم والمبادئ التي يجب ترسيخها قبل انتهاء مرحلة الشرعية الثورية، وذلك على عكس ما جرى في الثورات التاريخية الكبرى.

فمن المعروف -حسب ما جرى عليه منطق ومفهوم تلك الثورات- أن تعريف الشرعية الثورية زمنيا هي تلك المرحلة التي تستباح فيها الحقوق والحريات، والأرواح والأموال التي تقف في مواجهة الثورة، أو تلك التي يمكن أن تستفيد منها الثورة المضادة.

غير أن هذه المرحلة زمنيا تحددها القيادة الثورية الموحدة، في رؤيتها التي تريد ترسيخها على أنقاض النظام السابق، وهذا عين ما جرى في تلك الثورات التي تميزت كل منها بوحدة الإطار العام الذي يحدد القيم والمبادئ والمفاهيم التي سعت كل منها إلى تحقيقها.

فالثورة الفرنسية التي قامت في ظل مبادئ الحرية والعدالة والمساواة، أو الأخوة، كانت قياداتها مجمعة على ذلك، فهذه المبادئ شكلت رؤية وإطارا عاما، وكانت ثمرة ثقافة وفكر جديد، ساهم فيه جان جاك روسو وفولتير ومونتسيكيو وغيرهم من رواد عصر الأنوار.

تعريف الشرعية الثورية زمنيا هي تلك المرحلة التي تستباح فيها الحقوق والحريات، والأرواح والأموال، التي تقف في مواجهة الثورة، أو تلك التي يمكن أن تستفيد منها الثورة المضادة

وفي ضوء هذا الإطار كانت قيادات الثورة ترى بوضوح ما تسميه أعداء للثورة ورموزا للثورة المضادة، وبالتالي تقرر متى تنتهي مرحلة الشرعية الثورية بكل ما يقع فيها من تجاوزات، ومتى تبدأ مرحلة شرعية أخرى في ظل المبادئ والقيم والمفاهيم الجديدة التي قامت من أجلها الثورة، وهى شرعية لا تمكن العودة منها إلى الشرعية الثورية مرة أخرى.

وبما أننا لسنا بصدد تقييم الثورات، بل الحديث فقط عن القوانين والآليات التي تحكمها، فإن ما يقال عن الثورة الفرنسية في هذا الصدد يمكن أن يقال عن الثورة البلشفية والإيرانية أيضا، بينما لم تكن في انتفاضات أو ثورات الربيع العربي السياسية رؤية أو إطار عام يجمع بين القيادات التي انضمت إلى الشرعية الثورية، التي بدأتها انتفاضات الجماهير في الشارع.

فالخلاف بينها لا يجري من داخل إطار من القيم والمبادئ المشتركة، بل هو خلاف جوهري ينبئ دائما بثورات وثورات مضادة.

ولهذا، فإنه عندما بدأت مرحلة الشرعية الانتخابية ظهر التناقض بين الأطراف، حيث رأينا الطرف الذي فاز أخذ يتصرف وكأن هذه المرحلة تعطي له وحده حق تجسيد رؤيته، وصياغة واقع ما بعد الشرعية الثورية حسب المبادئ والقيم الخاصة به.

بينما رأى شركاؤه في مرحلة الشرعية الثورية الذين لم يفوزوا في صناديق الاقتراع أنهم همشوا، وخرجوا من مرحلة الشرعية الانتخابية وكأنهم شاركوا في الثورة لمصلحة الطرف الآخر، طالما أن هذا الأخير انفرد بصياغة الواقع المؤسسي والدستوري للدولة حسب مبادئه وقيمه ومفاهيمه.

وعلى خلفية ذلك، فإنهم لا يعتبرون مرحلة الشرعية الثورية قد انتهت، طالما لم يكونوا الفائزين فيها، وطالما أن رؤيتهم قد تم تهميشها في البناء المؤسسي والدستوري للدولة في مرحلة ما بعد الثورة.
في حين أن الطرف الفائز يعتبر العودة إلى الشرعية الثورية خيانة للديمقراطية، ويقف خلفها كثير من القوى المعادية للثورة، مثل الأزلام أو الفلول (حسب التعبير السائد في كل بلد).

لم يكن عدم وحدة القيادة، وعدم وحدة الإطار العام للمبادئ والقيم هو السبب الوحيد في مأزق الشرعيتين.

ثانيا: شراكة الجيوش، فمن المعروف أن الجيوش في تجارب الثورات الكبيرة لم تكن جزءا من تلك الثورات بل تم استهدافها باعتبارها جزءا من بنية النظام المراد إسقاطه, فجنرالات جيش آل رومانوف في روسيا القيصرية، وكذا جنرالات جيش آل البور بون في فرنسا الملكية، وأيضا جنرالات جيش الشاه محمد بهلوي في إيران، كل أولئك كانوا أول ضحايا هذه الثورات.

ولم تعتمد تلك الثورات في نجاحها على جنرالات تلك الجيوش، بل قامت بتطهير الجيوش، وإعادة بنائها بحيث تصبح تابعة وليست متبوعة من قبل النظام الثوري, بينما لا أحد ينكر دور الجيوش في انتفاضات الربيع العربي، فعدم اصطفاف بعضها إلى جانب النظام، وانضمام بعضها الآخر إلى الانتفاضة رجح في الحالتين كفة الثورة.

لقد أدى استعجال الغرب وحرصه على عودة الاستقرار سريعا لهذه البلدان إلى ظهور مشهد سياسي هجين، نصفه ثورة ونصفه ديمقراطية

وهذا الوضع أعطى الجيش دور الحكم في أي تنافس أو صراع ينشأ بين قيادات أطراف الثورة، وهو قرار تحتكره في حقيقة الأمر مجموعة من الضباط الذين يقودون عشرات الآلاف من الجنود المدججين بالسلاح والمنضبطين، والذين ينفذون الأوامر دون نقاش، سواء كان ذلك لحماية الشرعية الانتخابية أو الشرعية الثورية، وبالتالي فإن كل طرف من أطراف الصراع يدعو الجيش للانضمام إلى شرعيته، وهنا يكون القرار لهؤلاء الضباط وفق قربهم وميلهم وعلاقتهم مع أي من الأطراف، وليس وفق أي الشرعيتين أولى بالحماية.

ثالثا: شراكة الغرب، لاشك أن الغرب قد ساهم مع هذه الانتفاضات في إسقاط الأنظمة السياسية التي اقتضت مصالحه المتشابكة والمعقدة في المنطقة أن يتخلى عنها بعد أن أصبحت عبئا عليه، وتفاوت حجم هذه المشاركة من المساعدة المباشرة إلى غض الطرف، إلى إعطاء الضوء الأخضر للجيوش بأن تقف على الحياد أو تنضم إلى الثوار.

كان من ضمن الصور عن هذه الانتفاضات في ذهن صناع القرار في الغرب، صورة الثورات الديمقراطية في أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ولهذا فإن هذه الانتفاضات وقعت منذ البداية تحت رقابة الغرب عبر المؤسسات الرسمية ومنظمات حقوق الإنسان.

ولم يكن الغرب يرغب في إطالة مرحلة عدم الاستقرار والصراع، وهيمنة الشرعية الثورية، ولذلك فقد رأينا في عز اشتعال هذه الانتفاضات كيف تحاول القوى التي تقودها المواءمة بين ضرورات الثورة وبين اشتراطات حقوق الإنسان والتمهيد للمسار الديمقراطي، من أجل عدم فقدان ثقة الغرب والعالم بهذه الانتفاضات.

فلحسن أو لسوء حظ هذه الانتفاضات، أنها لم تقع في القرنين الثامن والتاسع عشر، ولا في زمن نظام القطبية الثنائية الدولي، لكي تكون بمنأى عن الكثير من الضغوطات والاشتراطات التي تطالبها باختصار المراحل، وسرعة الدخول في المسار الديمقراطي والشرعية الانتخابية، ولهذا فقد شهدت هذه الانتفاضات حالة غير مسبوقة، تزاوجت فيها الثورة مع محاولة الحرص على حقوق الإنسان.

في الثورات الأخرى تم استهداف بنية الجيوش باعتبارها جزءا من النظام المراد إسقاطه، وفي الحالة العربية أعطيت الجيوش دور الحكم، وتحكمت عوامل القرب والعلاقات في انحيازها لإحدى الشرعيتين

لقد أدى استعجال الغرب، وحرصه على عودة الاستقرار في أقصر وقت ممكن في هذه البلدان إلى ظهور مشهد سياسي هجين، نصفه ثورة ونصفه ديمقراطية، فأخذ أعداء الديمقراطية وأعداء الثورة وعصابات الإجرام ينشطون بحرية في النصف الديمقراطي من المشهد، بينما ظل النصف الثوري من المشهد يحتضن شرعية ثورية مسلحة، تمارس الاغتيالات وتصفية الحسابات، واستحلال حرمة المؤسسات العامة، وعدم الاكتراث بالسلطة الشرعية المنتخبة.

هكذا تداخلت وتصادمت الشرعيتان، حسب حالة وظروف كل بلد من بلدان الربيع العربي، فخروج الجماهير المتمردة على الشرعية المنتخبة، وانضمام الجيش إليها يتشابه في ملمح من ملامحه مع خروج ثوار مسلحين واستباحتهم لمؤسسات الدولة المنتخبة، وإن لم يعزلوا من فيها فذاك لأن وجودهم لا يعيق هؤلاء الثوار عن ممارسة ما يعتبرونه شرعية ثورية.

لقد تحولت الشرعية الثورية في وجود شركاء من خارج الثورة إلى تمرد وانقلابات في بعض الحالات، وفي الحالات الأخرى التي تغيب فيها قيادة ورؤية موحدة تسيطر وتقود الشرعية الثورية، تحولت هذه الشرعية إلى اغتيالات وإرهاب منفلت تحت سمع وبصر شرعية منتخبة مكتوفة اليدين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة