جنوبيو السودان الشمالي.. التشريع في مناخ الأزمة   
الجمعة 1432/11/24 هـ - الموافق 21/10/2011 م (آخر تحديث) الساعة 0:45 (مكة المكرمة)، 21:45 (غرينتش)


لبرنارد شو تشبيه طريف للوطن وما يلحق به من مفاهيم المواطنة والجنسية، بالهيكل العظمي للإنسان الذي يكاد لا يشعر بوجوده إلا عندما.. يمرض.

في شأن هذه المفاهيم ذاتها، وتحت ظرف الصراع السوداني القديم المتجدد، منذ الاستقلال بلا نهاية منظورة، حول وضع "دستور" للبلاد، تحتدم اﻵن بين السودانيين في الداخل والخارج نقاشات مطولة مفعمة بروح الأزمة التي ما تنفك تكتنف هذه القضية في راهن بلدنا المعلول.

وتفسر هذه الروح وحدها عموما سبب ترهل مشاريع الدساتير والمواثيق الدستورية الجاري طرحها بين الحين والآخر، بقدر هائل من التفاصيل التي تعكس الدرجة التي بلغها انعدام الثقة بين الأطراف كافة، مثلما يفسر سبب احتشاد هذه النقاشات بما ﻻ حصر له من الاستطرادات التي ربما اعتبرت، في مناخ سياسي آخر، إما خارج السياق، أو غير ذات جدوى بالمرة.

1

مع ذلك ليس ثمة مناص أمام المثقفين الوطنيين الديمقراطيين بالذات، سواء في حقل القانون أو العلوم السياسية أو خلافه، من إدارة الظهر لتلك الروح السالبة، وانتزاع النفس من أكمة المغالطات الشائكة والذهاب إلى سوح أفسح من الوضوح المعرفي والسعي بين الجماهير بوعي جديد يعلي من شأن "المواطنة" ويوقر قيمتها.

"
روح الأزمة هي التي تفسر سبب ترهل مشاريع الدساتير والمواثيق الدستورية الجاري طرحها بين الحين والآخر، بقدر هائل من التفاصيل التي تعكس الدرجة التي بلغها انعدام الثقة بين الأطراف كافة
"
وعلى كثرة ما يمكن أن يقال على هذا الصعيد، فثمة أربع ملاحظات جديرة بالإيراد هنا فورا على النحو الآتي:

الملاحظة
اﻷولى: هي أنه يلزمنا حك المفاهيم حكا حتى يسيل دمها في سبيل:
1- إدراك صلة الرحم بين التوأمين السياميين في مجرى التطور التاريخي، الدولة والقانون باعتبارهما الأداتين الأساسيتين الضابطتين لسلطة الطبقة الاجتماعية السائدة اقتصاديا، ومن ثم سياسيا واجتماعيا وثقافيا، بدﻻ من الاستغراق في الوهم القاتل، القائل بأنهما مؤسستان محايدتان.

2- عدم الخلط المعيب بين مصطلحات "الفرد" و"الإنسان" و"المواطن" فهي مفاهيم مستقلة، لكل منها دلالة تعريفية خاصة تترتب عليها أوضاع حقوقية متباينة.

3- التفريق بين مفهومي "المواطنة" كانتماء موضوعي، و"المواطنة" كأحد "حقوق الإنسان".

أ-فالمفهوم اﻷول ترتب على تطور العلاقات الدولية في منتصف القرن السابع عشر، حين أقر مؤتمر ومعاهدة وست فاليا 1648 مفهوم "الدولة الوطنية" فشكل ذلك بالتبعية تدشينا للأساس الذي حل من فوقه ﻻحقا مفهوم "المواطنين" محل مفهوم "الرعايا" بالنسبة لأهل "الإمارات" المتحاربة في وسط أوروبا القديمة، وبالتالي ليس من شروط اكتساب صفة "المواطنة" أو عدم اكتسابها بهذا المعنى، أن تكون الدولة "ديمقراطية" أو "شمولية".

ب- أما المفهوم الثاني، فقد تكرس عبر المحطات الرئيسة لنضال ملايين البشر تاريخيا، في سبيل إقرار الحريات العامة والحقوق الأساسية، وبالأخص منذ الثورة الفرنسية 1789 وحتى العصر الحديث، عصر اﻷمم المتحدة وحقوق الإنسان الذي دشنه الإعلان العالمي 1948، وما تبعه من انفجار ما أصبح يعرف بالشرعة الدولية المتمثلة حتى اﻵن في زهاء مائة وثيقة دولية أساسية.

4- التفريق مع ذلك بين مفهومي "حقوق المواطن" و"حقوق الإنسان"، فحتى باستخدام مربع أرسطو في المنطق فإن "حقوق المواطن" كلها "حقوق إنسان"، بينما "حقوق الإنسان" ليست كلها "حقوق مواطن".

الملاحظة الثانية: هي أن من نقاط الضعف الأساسية في الدستور الانتقالي لسنة 2005 النصوص التي أهدرها الإيراد ضمن القسم الموجه ﻻ الملزم، ويتصل الكثير منها بـ"حقوق المرأة" التي ينبغي التشديد على إلزاميتها باعتبارها من "حقوق المواطن/الإنسان"، اﻷمر الذي يستوجب مراعاتها لدى التشريع المستقبلي للدستور والقوانين المختلفة.

وربما يكفي أن نشير هنا على سبيل المثال إلى النصوص المخصوصة التي تتضمنها "اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة  سيداو"، و"البروتوكول اﻷفريقي الخاص بالمرأة، والملحق بالميثاق اﻷفريقي لحقوق الإنسان والشعوب".

الملاحظة الثالثة: هي أن ثمة تناقضا مريعا بين النصوص الدستورية الراهنة، على علاتها، وبين الكثير من القوانين التي بقيت سارية المفعول، تؤثر تأثيرا مباشرا على حقوق "المواطنة"، ومن أبرزها حقوق المهمشين، كما في نموذجي القيود الواردة على حق تخصيص اﻷرض للنساء، وحق غير المستعربين أو غير المسلمين في ممارسة غيريتهم/تنوعهم الثقافي في عاصمة البلاد.

من تلك القوانين، القانون الجنائي لسنة 1991 وقانون النظام العام في بعض الولايات كولاية الخرطوم لسنة 1996، دع قانون قوات اﻷمن الوطني لسنة 1999 وقانون 2010 الذي حل محله، وما إلى ذلك.

"
الغرض من تعديل الدستور هو تفويت فرصة السودانيين الجنوبيين في الاستفادة من ازدواجية الجنسية وتعزيز حرمانهم من الاستمرار في حمل جنسية الشمال، إضافة إلى طردهم من وظائفهم، وتهديد مساكنهم وممتلكاتهم بالنزع
"
الملاحظة الرابعة:
وهي أن مفهومي "المواطنة" و"الجنسية"، يشكلان، في الاصطلاح القانوني السوداني كما في الاصطلاح اﻷنجلو سكسوني، وجهين لعملة واحدة، ومن هذه الزاوية تلزمنا ملاحظة.

1- أن الحق في اكتساب جنسية ما أي مواطنة دولة بعينها، هو أحد حقوق الإنسان الأساسية، مما يعني بمفهوم المخالفة أن الحرمان من "الجنسية/المواطنة" هو اعتداء على حق أساسي من حقوق اﻻنسأن.

2- وأن القاعدة المرعية في القانون الدولي، في حالة انقسام أية دولة، أو انفصال أحد أقاليمها بدولة مستقلة، كما في حالة جنوب السودان أن تمتنع "الدولة السلف Predecessor State  عن إسقاط جنسيتها عمن اكتسبوها أو استحقوها بالميلاد أو التجنس قبل حصولهم باختيارهم الحر على جنسية "الدولة الخلف" Successor State.

3- وأن عدم مراعاة هذه القاعدة من جانب الدولة المعنية، من شأنه أن يخلق ما يعرف بحالة "البدون" Statelessness.

4- وأن اﻻتجاه الأساسي في القانون الدولي، على هذا الصعيد، هو تصفية حالة "البدون" هذه حيثما كانت قائمة، ناهيك عن منع نشوئها بالضرورة في أي مكان في العالم.

5- وأن هذا هو ما تتضافر جهود المجتمع الدولي ﻷجل تحقيقه، بحيث يعتبر خلق الحالة المشار إليها من جانب أية دولة تعويقا مباشرا لهذه الجهود.

6- وأن المجتمع الدولي، ترتيبا على ذلك ﻻ ينتظر فقط أن تلتزم الدولة من تلقاء نفسها بهذه القاعدة الأساسية من قواعد القانون الدولي، بل يستخدم منهج "الاعتماد المتبادل" كي يوفر من "الآليات" ما يضمن إحداث القدر المناسب من الضغط لتحقيق هذا الالتزام.

بعض هذه الآليات دولي، كمجلس اﻷمم المتحدة لحقوق الإنسان وبعضها اﻵخر وطني تدفع باتجاهه توصيات هذا المجتمع الدولي كالهيئات الوطنية لحقوق الإنسان التي تتكون بموجب مبادئ باريس لسنة 1993.

2

اﻻتجاه الرسمي لدى السلطة في السودان، منذ التاسع من يوليو 2011، تاريخ انتهاء أجل اتفاقية السلام الشامل، وربما قبل ذلك منذ التصويت لانفصال الجنوب كدولة مستقلة في استفتاء التاسع من يناير 2011، هو إنكار حق المواطنة بالنسبة للسودانيين من أصول جنوبية، وإسقاط جنسية دولة شمال السودان عنهم كدولة سلف، قبل حصولهم، بالاختيار الحر على جنسية دولة جنوب السودان كدولة خلف، من أقوى الشواهد على ذلك، فضلا عن تصريحات الرسميين، ما ظهر من سلوك السلطة المتهافت باتجاه تعديل قانون الجنسية لسنة 1994م ﻹسقاط اﻻقرار بازدواجية الجنسية. وواضح، بالطبع، أن غرض المشرع من هذا التعديل هو تفويت فرصة السودانيين الجنوبيين في الاستفادة من تلك "الازدواجية"، وتعزيز حرمانهم من الاستمرار في حمل جنسية الشمال، إضافة إلى طردهم من وظائفهم، وتهديد مساكنهم وممتلكاتهم بالنزع، وإيقاف الصحف التي يساهمون في ملكيتها، وما إلى ذلك، رغم أن أجداد أجداد الكثيرين من هؤلاء شاركوا في الثورة المهدية، وبالتالي في تأسيس أول دولة وطنية موحدة عاصمتها أم درمان في قلب وسط البلاد التي يراد اﻵن طردهم منها مع أنهم ﻻ يعرفون وطنا لهم سواها.

جرت هذه الممارسات في ظل مراقبة السيد شاندي ﻷوضاع حقوق الإنسان في البلاد، ممثلا لمجلس اﻷمم المتحدة لحقوق الإنسان بجنيف، فما بالك بهذه اﻷوضاع في غياب هذه المراقبة، حسب القرار اﻷخير الصادر عن هذا المجلس سبتمبر 2011 بتحويل المهمة من المراقبة تحت البند الرابع من لائحة أعمال المجلس إلى البند العاشر الخاص بتقديم العون الفني للحكومة في هذا الشأن، فضلا عن غياب الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان التي تصر الحكومة بكل حمرة عين على عدم إنشائها حتى اﻵن.

إن مغبة اﻹضرار بحقوق مئات الآلاف من اﻷسر السودانية المنحدرة من أصول جنوبية، والتي يراد لأبنائها وبناتها اليوم أن يتشردوا في اﻵفاق باعتبارهم "بدون" أي بلا جنسية وﻻ مواطنة، دع بقية حقوق الإنسان المعرضة، أجمعها للإهدار، ستنعكس وبالا على حالة السلم والأمن، ليس في دولتي السودان فحسب، بل في كل إقليم القرن اﻷفريقي المثقل بما يكفيه من المشكلات وأكثر.

3

"
القاعدة المرعيَّة في القانون الدَّولي، وقد نبهت إليها هيئة تحكيم أبيي في لاهاي، أن القبائل الحدودية ينبغي ألا تضار من أي ترتيبات بين دولتين
"
والآن، إذا لم تكن محض مضمضة شفاه تصريحات رئيسي السودانين، أوان زيارة رئيس الجنوب للخرطوم خلال الأيام الماضية، حيث "أبديا ارتياحهما البالغ من الزيارة ونتائجها"، وأكدا أن "من شأنها تجاوز كل القضايا العالقة" "الأخبار 10/10/2011، فمعنى أن ثمة فرصة حقيقية قد لاحت، ليس فقط لتفادي جملة مشكلات ترتبت على الانفصال، بل وللشروع في تحقيق رغبة شعبية ما تنفك تعتمل بوضوح ملحوظ وسط قواعد البلدين، وذلك بتجاوز واقع الانفصال نفسه، بصرف النظر عما أسفرت عنه نتائج الاستفتاء.

أحد أيسر السبل السالكة نحو هذا الهدف إقرار ازدواجية الجنسية في قانوني البلدين، مع مراعاة أولوية توفيرها لمجموعتين أساسيتين:
1- الشماليين الذين ارتبطت حياة ومصالح أجيالهم عميقا بالجنوب، والجنوبيين الذين ارتبطت حياة ومصالح أجيالهم عميقا بالشمال.

إحساس هؤلاء بتهديد الانفصال لحياتهم ومصالحهم سيندرج حتما ضمن العوامل التي تفاقم من مناخ التعانف والاحتراب.

2- القبائل الحدودية بين الدولتين، من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق، ويقدر تعدادها بتسعة ملايين شمالي وأربعة ملايين جنوبي، أي قرابة ثلث إجمالي سكان الدولتين.

فإذا علمنا مثلا أن قبيلة المسيرية الشمالية وحدها، والموزعة على تسعة أفرع يبلغ تعدادها زهاء 135 ألف شخص يمارسون الرعي بالأساس، ويمتلكون عشرة ملايين رأس من الأبقار التي تتوقف حياتها على التوغل وراء الماء والمرعى، في موسم الجفاف، إلى الجنوب من بحر العرب، وصولا إلى بانتيو، ولمدة قد تتجاوز ستة أشهر في السنة، وفي مناطق تتبع لقبيلة دينكا نقوك الموزعة على تسعة أفرع أيضا والبالغ تعدادها زهاء 75 ألف شخص يمارسون الرعي أيضا إلى جانب الزراعة والتجارة في مدينة أبيي بالأساس، لاستطعنا أن ندرك حجم الخطر الذي يمكن أن ينجم غدا عن مجابهة الرعاة المسيرية فجأة لحقيقة عدم استطاعتهم ممارسة "رحلتهم الجنوبية" هذه بسبب حظرها غير المستبعد من جانب دولة الجنوب.

صحيح أن القاعدة المرعيَّة في القانون الدَّولي، وقد نبهت إليها هيئة تحكيم أبيي في لاهاي، أن القبائل الحدودية ينبغي ألا تضار من أي ترتيبات بين دولتين.

لكن هذه القاعدة، المكونة من كلمات قلائل، قد يحتاج تطبيقها إلى سنوات وربما عقود من التفسير والتقاضي، والجهود الدبلوماسية، واللجوء إلى مؤسسات إقليمية ودولية، الأمر الذي لا يتصور بطبيعة الحال أن يتحمل المسيرية انتظار نتائجه، وهم ينظرون إلى الآثار الكارثية لحرمان قطعانهم من الماء والكلأ، علما بأنها لا تمثل، بالنسبة لهم ثروة مادية بقدر ما تمثل قيمة معنوية فتنفتح هنا أيضا ذريعة أخرى للحرب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة