المعارضة السودانية وتطلعات ملء الفراغ   
الثلاثاء 1432/2/21 هـ - الموافق 25/1/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:29 (مكة المكرمة)، 13:29 (غرينتش)
منى عبد الفتاح


وهن المعارضة وفشلها
تحرك المعارضة
كشف حساب

كانت الفرصة مواتية لقوى المعارضة السياسية السودانية لتغيير نظام الحكم في السودان مرات عديدة خلال العشرين عاما الماضية، ولكنها لم تفعل. غير أنها تختار الآن توقيتا ينفصل فيه الجنوب عن الوطن عوضا عن الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تحيق بالبلاد.

وتجيء دعوة البشير إلى تشكيل حكومة ذات قاعدة عريضة محاولة لاحتواء المعارضة تحت جناح حزب المؤتمر الوطني الحاكم بينما القوى السودانية المعارضة تطالب بحكومة قومية.

فهل الوقت الحالي مناسب لإضعاف نظام الحكم واستبدال المعارضة الضعيفة أصلا منه؟ وهل للمعارضة القدرة التنظيمية الكافية لتحريك الشارع؟ وهل للشارع نفسه استعداد للتحرك في ظل الظروف الراهنة؟

هذه أسئلة تصف الإجابة عليها سيناريوهات عديدة يقودها طموح أحزاب المعارضة وسعيها لملء الفراغ السياسي، الذي تقول إنه حادث بعد الاستفتاء، فإما أن تقود مغامرتها إلى الخراب وإضعاف الوطن، أو إلى شل كيانها إلى الأبد.

وهن المعارضة وفشلها
قد يكون أبلغ وصف للتعبير عما يعتمل في صدور الأحزاب السياسية السودانية المعارضة، كما في صدر حزب المؤتمر الوطني الحاكم، أن ما يحدث في الواقع السوداني عبارة عن نذر بدنو عهد (نهاية السياسة) في السودان.

والوصف ليس بليغا فقط وإنما مر خاصة للمراقب الذي تزعجه حالة الهرج والحروب الكلامية، التي تفتقر إلى أدب المحاورة والتفاعل وتقترب من سياسة لي الذراع، التي يستخدمها من هو في موقع القوة تجاه غيره، وغلبة المصالح الشخصية على مصلحة الوطن لمن هم دون ذلك.

والحال هكذا، فنحن هنا لا نطالب السياسيين كما فعل ابن خلدون إبان المحنة السياسية في عصره بأن يقوموا في هبة لإحياء طوباوية الحكم الراشد أو إنشاء السياسة على نحو منهجي بالاستناد إلى الفلسفة (الحكمة)، بل كل المبتغى هو الكف عن إعادة إنتاج التجمع الوطني المعارض مرة أخرى.

"
في السنوات العشر الماضية نجح النظام الحاكم في تهميش المعارضة في الخارج، ثم بعد عودتها تم تدجينها في صفقات التراضي الوطني وبذلك أبعدت من أنواع المشاركة في اتخاذ القرار
"
وبالنظر في صحيفة المعارضة، التي كتبت تاريخها ونشاطها النضالي في تسعينيات القرن الماضي نجد أن التجمع الوطني الديمقراطي، الذي استقطب القوى السياسية للأحزاب السودانية المعارضة، نجح ابتداء في تحقيق بعض الإنجازات السياسية، التي أسهمت في مسيرة التجمع الوطني في المرحلة الأولى، حيث شهد ذاك العهد العديد من المبادرات السياسية.

وكان هدف التجمع الوطني الديمقراطي المكون من معظم الأحزاب السياسية والمنظمات، التي كانت تعمل وفقا للقانون والدستور عندما قامت الجبهة الإسلامية القومية بالانقلاب عام 1989م هو أن تنخرط جميع قوى التجمع في معارضة النظام وتعمل من أجل استعادة الديمقراطية حتى لو أدى ذلك إلى العمل المسلح.

فقد جاء الانقلاب لينهي فترة الديمقراطية الثالثة وحكومة السيد الصادق المهدي، مما جعل التفكير في خيار العمل المعارض المسلح ممكنا. ومما شجع على ذلك أنه كان للتجمع معسكرات في أسمرا، وكانت لمعظم فصائل التجمع أجنحة عسكرية مثل قوات الفتح، وهي الجناح العسكري للحزب الاتحادي الديمقراطي، وجيش الأمة التابع لحزب الأمة القومي، وقوات مقاتلي الجبهة الديمقراطية (مجد) عن الحزب الشيوعي السوداني، والجيش الشعبي لتحرير السودان، الجناح العسكري للحركة الشعبية لتحرير السودان.

ومن تلك المبادرات التي حققتها المعارضة، محادثات نيروبي التي قادت إلى اتفاق شقدوم الموقّع بين حزب الأمة والحركة الشعبية لتحرير السودان في ديسمبر/كانون الأول 1994. وهو الاتفاق الذي قاد إلى اتفاق أسمرا للقضايا المصيرية 1995م وهو الذي أقر حق تقرير المصير للجنوب، إلى جانب أنه حدد أسس السلام العادل، ومستقبل الحكم اللامركزي في السودان، ووسائل تحقيق الأهداف وهيكل المعارضة.

ثم لقاء جنيف بين الصادق المهدي والترابي مفاوضا عن الحكومة في مايو/أيار 1999. ولقاء جيبوتي في نوفمبر/تشرين الثاني من نفس العام بين الصادق المهدي والرئيس عمر البشير حيث عقد حزب الأمة اتفاق نداء الوطن مع النظام قبل أن يعود الصادق المهدي عام 2000 في عملية أطلق عليها "تفلحون". إلا أن التجمع الوطني بعد ذلك فشل في تحقيق الأهداف الموضوعة، إذ واجه التجمع تحديات جمة مثل الخلافات والانقسامات التي أضعفت كيانه وأفرزت الواقع السياسي للمعارضة الحالية.

أما عن وضع الحركة الشعبية لتحرير السودان في التجمع الوطني الديمقراطي، فبعد أن انتظم تجمع المعارضة في عمله ضد النظام الانقلابي في مارس/آذار 1990 ممثلا في مجموعة القيادات السياسية التي قدمت من القاهرة إلى أديس أبابا، ليصبح يوم 15 مارس/آذار من ذاك العام هو تاريخ انتظام الحركة الشعبية لتحرير السودان في التجمع الوطني الديمقراطي لتنظيم وتنسيق عمل المعارضة مع الحركة الشعبية.

غير أن الحركة الشعبية لم تصمد صفا واحدا في جبهة المعارضة وإنما انشقت عنها مجموعة بقيادة د. رياك مشار ود. لام أكول في أغسطس/آب 1991 وقامت بإصدار "بيان الناصر" ورفعت شعار الانفصال.

ووجدتها الحكومة فرصة لإحداث شرخ في صفوف الحركة فبعثت بالدكتور علي الحاج ليفاوض منشقي الحركة ويوقع معهم باسم الحكومة اتفاق فرانكفوت الذي نص على التزام "مجموعة الناصر" بالتعاون مع الحكومة مقابل قبول الحكومة لمبدأ الانفصال لجنوب السودان عن شماله وقيام دولة مستقلة في الجنوب.

في تلك الأثناء دعا د. جون قرنق لاجتماع في مدينة "توريت" الجنوبية تمخض عنه "إعلان توريت" حاول التوفيق بين الانفصاليين والوحدويين في الحركة من خلال النظر في مطلب تقرير المصير بما لا يخل بالتزامات الحركة باعتبارها فصيلا داخل التجمع الوطني. هذا الإعلان نص على ثلاثة خيارات هي: إما الوحدة المشروطة، أو الكونفدرالية، أو حق تقرير المصير.

أما بعد انتهاء عقد التسعينيات وفي سنوات العشر الماضية فقد نجح النظام الحاكم في تهميش المعارضة في الخارج، ثم بعد عودتها تم تدجينها في صفقات التراضي الوطني بتوزيع المناصب الوزارية والاستشارية الشكلية وبها أُبعدت الأحزاب السياسية المعارضة من أنواع المشاركة في اتخاذ القرار.

بل أخذت بعد فشل منيت به تبحث من جديد عبر مراجعاتها في هياكل السلطة لتتمسك بما يطعن في شرعية الحكم بعد انفصال الجنوب، منادية تارة بالتحول الديمقراطي، الذي أشركت فيه حزب المؤتمر الوطني الحاكم من قبل ولم يفلح الاثنان، وتارة أخرى بتكوين رؤية حول مشروع حكومة قومية يرفضها نظام الإنقاذ ويقترح بديلا لها حكومة جبهة عريضة.

تحرك المعارضة
"
لم يسكن الصراع ولم تنته التسويات التي عقدتها أحزاب المعارضة المختلفة مع نظام الإنقاذ, لكن لم تؤد إلى تسوية وطنية شاملة بل عملت على إقصاء القوى السياسية والاجتماعية الأخرى عن المشاركة 
"
تجربة المعارضة خلال سني الإنقاذ الأخيرة وتحولها من نضال المهاجر البعيدة إلى نضال مخملي من داخل القصر الجمهوري والوزارات المختلفة، وتأرجحها بين نية اقتلاع النظام من جذوره وسياسة "سلّم تسلم"، أدت إلى زعزعة ثقة الشعب فيها بأنها المخلص المرتجى.

فقد ظلت قيادة الأحزاب التقليدية السودانية ثابتة على مدى عقود من الزمان. ولو استثنينا حكومة الوحدة الوطنية المكونة من حزب المؤتمر الوطني الحديث نسبيا ومن الحركة الشعبية لتحرير السودان، التي كانت تحت زعامة د. جون قرنق إلى أن لقي حتفه في حادث طائرة عام 2005، فإن أكبر حزبين تقليديين في السودان لم تخرج القيادة عن أيادي زعيميهما قط.

فلم تخرج القيادة من يد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي منذ تولى القيادة وهو في سن صغيرة ضد زعامة عمه الإمام الهادي المهدي. كما لم تخرج عن يد محمد عثمان الميرغني رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي، الذي آلت إليه زعامة الحزب بعد وفاة والده السيد علي الميرغني.

ونفس الشيء بالنسبة للحركة الإسلامية، التي أصبح د. حسن الترابي، الأمين العام لها منذ 1964م تحت مسميات عديدة. وعندما حدث الخلاف والمفاصلة مع المؤتمر الوطني بعد مذكرة العشرة الشهيرة في ديسمبر/كانون الأول 1999، التي قامت بعزل الترابي، فنصبه أنصاره أمينا عاما لحزب المؤتمر الشعبي وحتى يومنا هذا.

وكذلك الحال بالنسبة للحزب الشيوعي السوداني الذي تولى قيادته محمد إبراهيم نقد بعد محاولة انقلاب يوليو/تموز 1971 على نظام الرئيس الأسبق جعفر النميري وإعدام سكرتيره العام السيد الشفيع أحمد في محاولة الانقلاب.

لم يسكن الصراع ولم تنته التسويات التي عقدتها أحزاب المعارضة المختلفة مع نظام الإنقاذ، فقد وقّع الصادق المهدي زعيم حزب الأمة تسوية مع نظام الإنقاذ في جيبوتي 1999م ووجدت التسوية صدى واسعا لدى الحكومة.

ولم تكن هذه الاتفاقيات الوحيدة وإنما كانت هناك اتفاقية مشاكوس ثم نيفاشا مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، واتفاقية أبوجا 2006 مع حركة جيش تحرير السودان جناح مني أركو مناوي للسلام في دارفور وغيرها من الاتفاقيات.

وباستثناء اتفاقية نيفاشا فإن بقية الاتفاقيات لم تؤد إلى تسوية وطنية شاملة بل عملت على إقصاء القوى السياسية والاجتماعية الأخرى عن المشاركة مما أقعدها عن تحقيق التحول الديمقراطي وتعزيز الوحدة الوطنية أو تحويل المطالب الشعبية إلى مناصب حكومية يستفرد بها زعماء الحركات المفاوضة.

كشف حساب
قد يكون هذا هو الوقت المناسب لتقف الحكومة والمعارضة معا لمراجعة مسيرتيهما السياسية طيلة عقدين من الزمان. ما تحقق للسودان وما لازمه الإخفاق بكشف الحساب الصعب ستتشكل خريطة السودان الجديدة لوطن يفقد الآن جزءا من جغرافيته وربما حضارته.

ورغم انضمام جون قرنق زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان إلى التجمع الوطني الديمقراطي فإنه كان ذا رؤية ثاقبة حول أداء أحزاب المعارضة. عبّر عن ذلك في كتابه "جون قرنق: رؤيته للسودان الجديد وإعادة بناء الدولة السودانية" الصادر يوم وفاته في 30 يوليو/تموز 2005.

وقد قام بتحرير الكتاب د. الواثق كمير، فقد حمل الفصل الثاني من الكتاب تركيز د. قرنق على مهام التجمع الوطني الديمقراطي والتحديات التي تجابهه. حيث كتب عن صعوبة وقوع انقلاب أو حدوث انتفاضة شعبية ضد النظام الحاكم, وتعذر توحيد أشكال النضال. وقد وصف د. جون قرنق الأحزاب السودانية بأنها "تستخدم واجهة الديمقراطية والليبرالية في السودان لإخفاء معالم الظلم الاجتماعي الذي رعته هذه الأحزاب التقليدية". وفي رأيه "أن هذه الأحزاب لا تعكس ميول الطبقات الاجتماعية بل هي واجهة للطائفية التي تقوم على أساس الأسرة والعرق والدين أو مزيج من هذا وذاك".

"
قد يكون هذا هو الوقت المناسب لتقف الحكومة والمعارضة معا لمراجعة مسيرتيهما السياسية, وبكشف الحساب الصعب ستتشكل خريطة السودان الجديدة لوطن يفقد الآن جزءا من جغرافيته وربما حضارته
"
وبالإضافة إلى رؤية د. جون قرنق فإن القوى السياسية السودانية المعارضة كانت تستمد قوتها من حيوية القوى الاجتماعية الحديثة. فما حدث من ثورات شعبية وانتفاضات على الأنظمة الشمولية مثل ثورة أكتوبر/تشرين الأول التي أنهت حكم الفريق ابراهيم عبود عام 1964.

وكذلك انتفاضة أبريل/نيسان 1985، التي أنهت حكم جعفر النميري، فإنها قامت بفضل دعم القاعدة الاجتماعية المستنيرة آنذاك. أما الآن وقد فقدت قوى المعارضة حيويتها كما فقدت قاعدتها بتدهور التعليم والضغوط الاقتصادية والمعيشية، فإنها لن تستطيع المراهنة على هذه القاعدة الضعيفة عوضا عن عدم فعالية قوى المعارضة نفسها لتركيزها وتمددها في الإطار الأسري المنغلق كما في حالة الحزبين الأمة والاتحادي.

وإزاء هذا الحال، فإن مجهودات قوى المعارضة تبدو غير مقدرة من قِبل الشارع لأنها لم ترتق إلى فهم جذور أزمة الوطن وحصرت نفسها بدلا من ذلك في البحث عن معضلة جذور أزمة الحكم والسلطة. فالبديل الديمقراطي الذي يرجى التحول إليه يبتدئ من وسط الشعب ولهم، ولكن أين هي علاقة الأحزاب بهذا الشعب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة