بوش يعلن حربا على الفلسطينيين   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

*بقلم/ منير شفيق

كثيرون يذكرون مناخات التفاؤل التي سادت تصريحات عدد من المسؤولين الفلسطينيين والعرب -ناهيك عن دول كبرى وصحافة عالمية- بعد أن جاء الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش شخصيا لعقد قمتي شرم الشيخ والعقبة وإعلانه إطلاق مسيرة تنفيذ "خريطة الطريق".


تخلي بوش حتى عن محاولة إيهام الآخرين بأنه سيمارس بعض الضغط على شارون لا تفسير له إلا المراهنة كليا على رضا اللوبي في الانتخابات الرئاسية الأميركية القادمة
ولأن التجارب الماضية -في موضوع التسوية على الأقل- خلال عهد إدارة بوش لا تسمح بمثل هذا التفاؤل، اشتهر رأي يقول -ومصدره بعض من التقوا بوش- إن الرئيس الأميركي جاد في هذه المرة ولن يسمح أن يفشل أبدا. وعندما قيل إن ذلك يشترط ممارسة بعض الضغط على رئيس الوزراء أرييل شارون وحكومته، جاء الجواب أن بوش سيفعلها وثمة مؤشرات على ذلك وهي الضغوط التي مارسها لانتزاع موافقة حكومة شارون على خريطة الطريق والمشاركة في قمة العقبة،
حتى لو كان ثمن ذلك موافقة بوش على 14 شرطا أو تعديلا وضعتها حكومة شارون على الخريطة لتصدر بيانا يمكن تأويله بالموافقة عليها، فالموافقة لم تكن صريحة قاطعة وإنما مشروطة وغامضة.

أما الناظر اليوم إلى الوضع في المنطقة وفي فلسطين والمتابع لخطب بوش وتصريحاته يجد أن التفاؤل تبدد، ولم يعد أحد يردد أن بوش جاد في الضغط ولو الجزئي أو النسبي المتواضع على شارون وحكومته.

ذلك لأن ما حدث بعد قمة شارون/بوش الأخيرة من تفاهم بين الرجلين لا باتجاه اقتراب شارون من بوش وإنما العكس باتجاه تطابق مواقف بوش مع شارون، كما يظهر الآن من الموقف الأميركي واشتراطاته على الفلسطينيين وعلى دولتهم، ثم تأييده سياسات الحكومة الإسرائيلية كاملة، بما في ذلك الاغتيالات والاجتياحات وتدمير البيوت والعودة السريعة إلى مربع المواجهة والحصار والحواجز. وقد وصل الأمر ببوش أن أصدر أوامر باسمه مباشرة لوضع جمعيات خيرية تساعد الشعب الفلسطيني في قائمة الإرهاب والمطالبة بتجميد أرصدتها ووقف نشاطاتها.

فهذا التصعيد في مواقف بوش الذي تخلى حتى عن محاولة إيهام الآخرين، كما فعل في قمتي شرم الشيخ والعقبة، بأنه سيفعل شيئا بمعنى أنه سيمارس بعض الضغط على شارون لا تفسير له إلا المراهنة كليا على رضا اللوبي الصهيوني وحلفائه من قسيسي الكنيسة "المسيحية الصهيونية" في الانتخابات الرئاسية الأميركية القادمة.

فمن أجل الفوز برئاسة ثانية لا يتوانى بوش عن التضحية بمصالح أميركية أو عن إرباك الدبلوماسية الأميركية في المنطقة لا سيما وقد راحت الاستطلاعات تظهر هبوطا في شعبيته وخطرا على إمكانات فوزه.

من هنا كان لابد من أن تتبدد مناخات قمتي شرم الشيخ والعقبة ويصاب بالخيبة كل من يتفاءل بجدية بوش هذه المرة، علما بأن توقع فشل اندفاعة بوش لتنفيذ خريطة الطريق ما كانت بحاجة إلى المرحلة الجديدة التي دخلتها العلاقات بين بوش وشارون، لأن استبعاد الرباعية عن دبلوماسية تنفيذ خريطة الطريق واستئثار أميركا أو تفردها بالرعاية، فضلا عن إدخال الأربعة عشر شرطا إسرائيليا عليها يجعلان من المحال أن تنجح العملية، ولا حتى أن تتقدم خطوة أخرى أكثر من خطوة قمتي شرم الشيخ والعقبة. وحتى هذه ولدت مجهضة ما دام شرطها تصفية المقاومة والانتفاضة. وقد جاء قرار الهدنة ليحبط هذا الشرط في حينه.


جاء قرار الحكومة الفلسطينية بتجميد حسابات ست جمعيات خيرية ترعى اليتامى والأرامل والفقراء استجابة مجانية لضغوط بوش الذي قرر توسيع حربه على الإرهاب الفلسطيني ليشمل تلك الفئات الأكثر ضعفا
الوضع الفلسطيني الآن وباختصار كالتالي: إطلاق يد الجيش الإسرائيلي إلى أبعد مدى في ممارسة إستراتيجية الاجتياحات والاعتقالات وهدم البيوت والاغتيالات التي أصبحت تضرب في العالي بعد اغتيال الشهيد القيادي السياسي البارز في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إسماعيل أبو شنب، وما تبع ذلك من دهم للبلدة القديمة في نابلس ولقلقيلية وطولكرم وجنين ورام الله والخليل مع التشديد على رئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس وحكومته المباشرة فورا بتفكيك منظمات المقاومة.

وحتى عندما حاول الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات أن يستعيد دوره من جهة ويمتص الهجمة الإسرائيلية من جهة أخرى عن طريق الاستعداد لأن يقوم هو بضبط الساحة وما يحمله ذلك من إيحاءات، جاء الجواب الأميركي أن "عرفات جزء من المشكلة وليس جزءا من الحل". أما الرد الإسرائيلي فأكد أنه لا يهتم بما يقوله عرفات، وهذا معناه عدم التراجع عن قرار الحسم العسكري.

ويجب هنا أن يضاف ما صدر من تصريحات رسمية إسرائيلية توحي بصورة غير مباشرة بأن محمود عباس فشل في المهمة المنتظرة منه، ومن ثم سيتولى الجيش الإسرائيلي بنفسه القيام بها.

على أن الجانب الفلسطيني لم يرتفع فورا إلى مستوى التحدي والتقدير الصحيح للموقف، وهذا ما دل عليه ياسر عرفات في تصريحه أعلاه. والأهم ما عبر عنه قرار الحكومة الفلسطينية بتجميد حسابات ست جمعيات خيرية ترعى اليتامى والأرامل والمعوقين والعجزة والفقراء، وذلك استجابة مجانية لضغوط الرئيس الأميركي بوش الذي قرر توسيع حربه على الإرهاب الفلسطيني ليشمل تلك الفئات الأكثر ضعفا وعوزاً من بسطاء الناس وفقرائهم. أي المشاركة في سياسة التجويع وهدر الكرامة الموجهة ضد الإنسان العادي الفلسطيني بهدف تركيعه عساه يرفع الرايات البيضاء ويتخلى عن إصراره على عدم الرضوخ للاحتلال ورفضه منطق البطش والقوة.

هذان الموقفان من شأنهما أن يربكا الوضع بدلا من أن يتحد الجميع رئاسة وحكومة وفصائل وجمعيات ومجتمعا مدنيا وشعبا لمواجهة الحقيقة وهي ضرورة المواجهة ما دام قرار بوش/شارون إعلان الحرب على الشعب الفلسطيني وصولا إلى اليتامى والأرامل والعجزة أو الاستسلام الكامل للإملاءات.

فهذا الخيار الثاني لا يقول به أحد بين الفلسطينيين، فيما لم يترك قرار بوش/شارون من لغة غير لغة إعادة اجتياح المناطق والإمعان في استخدام إستراتيجية الحل العسكري/الأمني التي فشلت طوال الأشهر الخمسة والثلاثين الماضية. ولهذا فإن إمكانات إفشالها من جديد قائمة مادام المقرر في النهاية هو إرادة الشعب الفلسطيني حين يتحد ويرفض الركوع.

والاتحاد هنا دفاعي يمكن أن يلتقي عليه من أرادوا المفاوضات وقبلوا أن ترعى أميركا وحدها خريطة الطريق وما يعنيه ذلك من تعديلات عليها، ومن يرفضون المفاوضات ويعترضون على خريطة الطريق ولا يثقون إلا بإستراتيجية الانتفاضة والمقاومة والصمود الشعبي.


لم يتحول الوضع الفلسطيني بعد قمتي شرم الشيخ والعقبة ليكون مدخلا لإعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة مما يسهل الإستراتيجية الأميركية ما بعد احتلال العراق بل عاد الوضع الفلسطيني مرة أخرى مفجرا لأوضاع المنطقة ضد السياسات الأميركية
خطورة الارتباك في مواجهة الهجمة الإسرائيلية الجديدة من شأنه أن يشجعها ولا يوقفها مادام الاستسلام الكامل خطا فلسطينيا أحمر. وإذا ما شعرت الدول العربية والإسلامية وربما الدول الكبرى الأخرى بأن الشعب الفلسطيني وحد موقفه وراح يواجه هجمة عسكرية ظالمة سترتفع الأصوات بدل الانتظار والترقب لتقول لأميركا ماذا يحدث في فلسطين؟

والأهم إذا شعر الرأي العام عربيا وإسلاميا ودوليا بأن الموقف الفلسطيني موحد وقد صمم على الدفاع عن نفسه وعدم الرضوخ، سوف يتحرك بطريقة تسمح بممارسة الضغوط الكافية للمساهمة في إفشال هذه اللهجة. وقد باعها الرئيس الأميركي لشارون لأسباب انتخابية أكثر منها أسباب فلسطينية أو عربية أو مصلحة أميركية. ولهذا فهي تقوم على أرجل خشبية رغم الظاهر.

ويبدو أن الموقف الأميركي الذي أغلق الباب بعنجهية في وجه الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وهو يعرض "المساعدة"، والذي راح يتشدد على رئيس الوزراء محمود عباس بالمطالب التي أحرجته أمام تظاهرات الصغار اليتامى وأمهاتهم من أبناء الشعب الفلسطيني وبناته، سوف يفرض (الموقف الأميركي) على الفرقاء جميعا أن يوحدوا الموقف ويواجهوا، أو قد يُحدث فراغا في السلطة إذا ما اضطرت الحكومة إلى الاستقالة من دون أن يمنع ذلك درجة من "الوحدة"، ولو موضوعيا، ودرجات متفاوتة من المواجهات المسلحة والسلمية والسلبية والاعتكافية.

وهكذا لم يتحول الوضع الفلسطيني بعد قمتي شرم الشيخ والعقبة ليكون مدخلا كما تفاءل الكثيرون لإعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة مما يسهل الإستراتيجية الأميركية ما بعد الحرب على العراق واحتلاله، ولا ليكون معبرا لإحداث التغييرات المطلوبة أميركيا والتي تسمى أحيانا الانتقال إلى "الديمقراطية" وأحيانا إقامة "نظام شرق أوسطي جديد"، وإنما على الضد عاد الوضع الفلسطيني مرة أخرى مفجرا لأوضاع المنطقة ضد السياسات الأميركية.

وذلك لأن قرار تشجيع شارون من قبل الإدارة الأميركية لوضع سيفه في رقاب الفلسطينيين والإيغال في دمائهم إلى جانب ملاحقة أطفالهم وضعفائهم بالتجويع من قبل بوش شخصيا، سيتركان أميركا في وضع لا يحسد عليه، فأقرب أصدقائها لا يستطيعون أن يؤيدوا موقفها من الفلسطينيين أو ما يفعله شارون بهم، في الوقت الذي تقف فيه على رمال متحركة في العراق.

والسؤال الأخير، هل يمكن أن يعزى كل ما يجري إلى جهل أميركي للمكانة التي تحتلها كل من القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني بالنسبة للعرب والمسلمين، وبعد الانتفاضة، إلى أغلبية الرأي العام العالمي، أم أن المشكلة في الهيمنة الصهيونية ما فوق الليكودية على الإدارة الأميركية مستغلة تهالك بوش حتى الرخص على الفوز برئاسة ثانية؟ الجواب لا يمكن أن يكون الجهل.
ــــــــــــــــــ
* كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة