الديمقراطية العربية وصراع الحضارات   
الخميس 25/4/1434 هـ - الموافق 7/3/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:42 (مكة المكرمة)، 11:42 (غرينتش)
عمر إبراهيم الترابي

السؤال القديم الذي أعاد طرحه الربيع  العربي هو: ما هو أفضل النظم السياسية لدول الثورات العربية؟ وبما أن جميع قوى الثورة العربية -على اختلاف أهوائها وتباين عقائدها- قد اتفقت على خيار الديمقراطية الليبرالية، فإنها قد أقرت إذن بأن النظام السياسي الغربي الحالي هو النظام الذي يتربع علي قمة هرم الأنظمة السياسية، وتسعي كل الدول لبلوغه، وفقا لمراحل تطورها السياسي، وبالدلالة العقلية نفت بذلك إمكانية إنتاج نظام سياسي عربي إسلامي يضاهي النظام الديمقراطي الغربي.

وبذلك أصبحت الديمقراطية الغربية عند نخب الثورات العربية ضمن المعلوم من الحكم الرشيد بالضرورة في أي مكان وأي زمان. إذن فقوى الثورة العربية -على اختلافها من إسلاميين وعلمانيين- تتفق مع ما قاله الباحث السياسي فرانسيس فوكويوما في كتابه "نهاية التاريخ" الذي شرح فيه أن الديمقراطية الليبرالية هي الشكل النهائي لنظام الحكم الإنساني، ولكن أهم من ذلك ذكر أن الأنظمة المتخلفة -التي وصفها بالنظم الدينية والقبلية- لا تمكن إقامة الديمقراطية فيها، بل تجب إزالتها وإقامة الديمقراطية على أنقاضها.

غير أن فوكوياما ليس أصيلا، لا في حديثه عن شكل النظام السياسي العالمي النهائي، ولا في ربطه بين قبول هذا النظام والمستوى الحضاري للشعوب، لأن كلتا الفكرتين كانتا مستقرتين في أوروبا قبله بدهور.

الحضارة الغربية الحالية على نهج سالفتها الرومانية تؤمن بهرمية الأنظمة السياسية والاجتماعية، وتعتبر حضارتها المثال الذي تسعى جميع البشرية لبلوغه وأنها إجراء ضروري لنقل المجتمعات من البربرية إلى القيم العليا

فالحضارة الغربية الحالية على نهج سالفتها الرومانية تؤمن بهرمية الأنظمة السياسية والاجتماعية، وتعتبر حضارتها المثال الذي تسعى جميع البشرية لبلوغه، وأنها إجراء ضروري لنقل المجتمعات من البربرية إلى القيم العليا وهذا ما بررت به أوروبا حملاتها الاستعمارية.

وهذا ما يظهر في  أعمال وأقوال فلاسفة أوروبا وحكامها قديما وحديثا، وعلى سبيل المثال فهذا ما قال به الفلاسفة الأوروبيون مثل الإنجليزي جون لوك والفرنسي مونتسكيو آباء النظام الديمقراطي الليبرالي الأوروبي الحديث وما قال به رئيس وزراء فرنسا في ثمانينيات القرن التاسع عشر جولس فيرري الذي ترك بصماته على تونس بمعاهدة باردو، والذي ذكر أن الأجناس الأسمى عليها واجب نقل الأجناس الدنيا من البربرية إلى الحضارة. والذي استشهد به فرانسوا ميتران الرئيس الفرنسي السابق حينما كان وزيرا للمستعمرات في 1954، إذ قال إن مقولة جولس فيرري تظل المثال والإطار لكل المبادرات الحديثة، وهو ما برر به حديثا الرئيس جورج بوش غزو العراق.

وعلى هذا الفهم، قسمت أوروبا الشعوب إلى متحضرة وهم حصرا الأوروبيون المسيحيون، ونصف متحضرة كالصين واليابان، وهمج وهم بقية شعوب العالم. وهو عين التقسيم الذي يستخدم الآن بلغة مخففة تحت اسم دول العالم الأول والثاني والثالث، أو الدول المتطورة، والدول في مرحلة التطور، والدول الأقل تطورا. وأطلقت على فلاسفتها الذين أسسوا لنظام حضارتها الحالي اسم "علماء التنوير"، وهي إشارة لا تخفى دلالتها على من ينتمون للثقافة الإسلامية.

وبذلك، فأهمية أفضلية النظم السياسية لدى الأمم المختلفة تكمن في أن قيمة الشعوب تقاس بمدى مساهمتها في التطور الإنساني بالفكر والعلم والتقنية والقيم الأخلاقية، وصياغة كل ذلك في دول ذات مجتمع منظم ومنضبط وعالم ومرفه وحر. وهذا ما يجمع الفلاسفة على تعريفه بحضارة أمة بعينها  في مرحلة من مراحل التاريخ، إذ إن الحضارة تمنح الدول أجمل صورها، ولذا تدعي حضارات أن نظمها السياسية أفضل النظم وتسعى لفرضها على الآخرين.

وقد يحدث في سعي بعض الحضارات لفرض أنظمتها وأنماطها أن تصطدم بحضارات أخرى، وفي هذه الحالة تنتهي إلى أحد ثلاثة مآلات، أولها أن تسقط الحضارة الغازية تحت نفوذ الحضارة المحلية فتنتهي عندها مثلما حدث للتتار بعد غزوهم لبلاد المسلمين، وثانيها أن تطغى الحضارة الغازية بصورة حاسمة على الحضارة المحلية، وتبدأ بتغييرها تدريجيا حتى استبدالها الكامل مثلما فعلت روما بأوروبا، وثالثها أن يستمر الصراع طويلا وينتهي بخليط حضاري يأخذ من القادم والمقيم.

فهل يعني تبني قوى الثورة العربية للنظام السياسي الغربي نهاية المعركة بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية التي العرب منها بموقع القلب من الجسد، والتي تعتقد أيضا أن شريعتها صالحة لأمتها في كل زمان ومكان، أم إن تبني العرب لشكل النظام السياسي الغربي يمثل حلقة من حلقات هذا الصراع؟

وماذا عن نظرية صمويل هنتنغتون التي يرى فيها أن الحضارات المختلفة تنظر بطريقة مختلفة للعلاقة بين الله والبشر والمواطن والدولة وقيم الحرية والعدالة والحقوق، وتنبأ فيها بصراع كبير مقبل بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية؟ وما معنى الاهتمام بإقامة مراكز للحوار الحضاري بين الغرب والشرق؟ حيث إن الحوار يقتضي بالضرورة الإقرار بأن القيم والنظم الحضارية المختلفة أفقية وليست هرمية، وبذلك يمكن أن تتعايش وتتعاون. وما سر إجماع قوى الثورة العربية على خيار الديمقراطية الليبرالية الغربية رغم تراثهم الزاخر بالتجارب والفكر والعلوم؟

وبالعودة إلى السؤال عما إذا كان تبني الثورات العربية للديمقراطية الليبرالية يعني رفع الحضارة الإسلامية للراية البيضاء في وجه الحضارة الغربية، فلعله لا إجابة على هذا السؤال أكثر تعبيرا من استطلاع الرأي الذي قام به مركز بيو الأميركي للأبحاث في أكبر تسع دول إسلامية عن صلاحية الديمقراطية في هذه البلدان.

تبني دول الثورة العربية لأشكال النظم الغربية لا يعني بحال الاستسلام الكامل للحضارة الغربية، لأن الدول العربية التي سمحت بذلك تختلف عن الأنظمة الغربية لكونها غير علمانية وغير محايدة تجاه الأديان

فكانت الإجابة أن معظم مواطني أكبر تسع دول إسلامية يرون أن الديمقراطية يمكنها أن تعمل في بلدانهم، ولكنهم حينما سئلوا في نفس الوقت عن ذكر ثلاثة قادة في العالم يثقون بهم ذكروا اسم المرحوم الشيخ أسامة بن لادن ضمن هؤلاء الثلاثة.

ويتضح من هذا الاستطلاع أن نفوذ الحضارة الغربية قد كسب بعض المعارك في غزوه السياسي والفكري، إلا أنه يوكد أن المعركة الحضارية لا تزال أبعد ما تكون عن الحسم بضربة لازب.

والقول إن الحضارة الغربية كسبت بعض المعارك يستند إلى أن الحضارة الإسلامية التي كان يطرحها أهلها كندّ للحضارة الغربية وكبديل لها أو كعامل إضافي جوهري، لإعادة توازنها بالربط بين الروحي والمادي بعد أن أوغلت الحضارة الغربية في المادية، أصبحت الآن تتدثر بثياب الحضارة الغربية بتبني النخب الإسلامية لمناهجها.

إلا أن تبني دول الثورات العربية لأشكال النظم الغربية لا يعني بحال الاستسلام الكامل للحضارة الغربية، لأن الدول العربية التي سمحت أنظمتها بعد الثورات بتعدد الأحزاب وحكم الأغلبية تختلف عن الأنظمة الغربية، لكونها غير علمانية وغير محايدة تجاه الأديان، بل تضبط التنافس السياسي الحر بمبادئ إسلامية، وهذا ما عليه حال دستور المغرب ومصر واليمن، وما سيكون عليه دستور تونس وليبيا، وفقا لأغلبية توجهات الثوار في هذه البلدان.

وبالطبع فإن تبني الإسلام في هذا الإطار ليس على شكل أيدولوجية رسمية تُفرض على الجميع، على النهج المسيحي الكنسي الذي عرفته أوروبا في الماضي، بل يقوم على فكرة حفظ الهوية الوطنية كآخر خط دفاعي في مواجهة الغزو الثقافي الغربي، مما يبين حقيقة المجتمعات العربية التي يتصارع فيها النفوذ الغربي مع التقاليد الإسلامية، مثل ما يرد مثلا في دستور الجزائر الحالي الذي يجعل من حفظ الهوية الوطنية أول مهام مؤسسات الدولة.

في خضم هذه الثورة والصراع الحضاري، يندفع البعض انطلاقا من نظريات مشكوك في دقتها مطالبا بتطبيق نظام إسلامي في الدول العربية الحديثة، ولكنه حينما يصل إلى الحكم يكتشف أنه لا يملك غير الشعارات في وطن لا يملك قوته.

ويضرب اليأسُ البعضَ الآخر فيطالب بالاستسلام الكامل للتجربة الغربية وإلغاء كل ما ورثته الأمة من تراث، ولكن حينما يحاصره الخصوم يقول: "آمنتُ بالذي آمنتْ به بنو إسرائيل". وكلا الفريقين يسهمان في إضعاف الحضارة الإسلامية، الأول بتعريضها للفشل وإعطاء الانطباع بأنها لم تعد صالحة لهذا العصر، والآخر بالانحياز للمعسكر الغربي الذي يقطع بعدم صلاحيتها في أي زمان أو مكان. والمراقبون يتساءلون: هل سيصبح الإسلام ضحية الثورات العربية أم ستصبح الثورات العربية ضحية الطرح الإسلامي الرومانسي أم سيصرع كل منهما الآخر؟

وبين هذا وذاك، فإن النظرة الموضوعية لمجتمعات الثورة العربية لا تتفق مع الحلول الشعاراتية الجزافية، لأن معظم دول الثورات العربية يكاد دخلها بالكاد يفي بالحد الأدنى لحاجات مواطنيها، وهي بذلك رهينة للدول الغربية التي تستغل حاجة هذه الدول إليها لبسط هيمنتها الثقافية في غياب التعاون العربي.

كما أن عهود الاستبداد الطويلة في هذه البلدان قد أفسدت مؤسساتها وأحدثت شرخاً في وحدتها الوطنية، وبذلك فكيفما كانت الشعارات فإنها لن تصبح حلاً سحرياً يحقق كفاية هذه الدول، ويحقق وحدتها ويصلح مؤسساتها، وعليه فليس من المحتمل أن تنجز الثورات كسبا كبيراً في القريب العاجل، وإنما هو طريق طويل ومحبط وشاقّ من العمل والتجارب والأخطاء، حتى يتمكن العرب والمسلمون من إعادة عجلة حضارتهم للدوران من جديد لتحقيق رفاهية وحرية مواطنيهم والإسهام في الحضارة البشرية، والحكمة فيه ألا يدفع أحد بنظريته السياسية إلى نهاياتها حتى لا تنفصم عروة الوحدة الوطنية التي هي أمضى الأسلحة للحفاظ على الهوية وتحقيق الآمال الوطنية.

أما عن سر تبني النخب العربية للنظام الليبرالي الغربي، فربما مردّه أن الإحباط قد لعب دورا كبيرا في هذا الخيار، حيث إن الثوار العرب ينظرون إلى ما حققته أوروبا من تقدم، وما تتمتع به من قوة، وما عليه حال شعوبهم من هوان وتخلف مادي وفكري، وبذلك فقد استنتجوا أن كل ما في الغرب من تقدم وحقوق وحريات هو بسبب النظام الديمقراطي الليبرالي الحالي، وبتطبيقه على أوطانهم سيسارعون بتطويرها بدلا عن إضاعة الوقت في البحث عن نظام يتناسب مع طبيعة شعوبهم وثقافتها، وهو استنتاج خاطئ بمجمله، حيث إن النظام الديمقراطي الليبرالي الغربي الذي خلفه الاستعمار قد فشل في كل البلدان العربية التي خرجت من الاستعمار، وانتهى إلى النظم الاستبدادية التي قامت الثورات لتغييرها.

يظل خيار الثورات العربية للنظام الغربي أمرا محبطا من المنظور الحضاري، لأنه قد أخرج الحضارة الإسلامية من المنافسة علي تطوير التنظيم العالمي الحالي للمجتمعات

وفي الختام، يظل خيار الثورات العربية للنظام الغربي أمرا محبطا من المنظور الحضاري، لأنه قد أخرج الحضارة الإسلامية من المنافسة على تطوير التنظيم العالمي الحالي للمجتمعات، بما فيها النظام الديمقراطي الليبرالي الذي يقول عنه ونستون تشرشل إنه أسوأ نظام عرفته البشرية، إلا إذا قارنه الناس بالأنظمة التي حكمتهم قبله، خاصة أن كثيرا من الفلاسفة الأوروبيين الكبار السابقين لفوكويوما -كالإنجليزيين أرنولد توينبي وكارل بوبر والألماني فريدريش ماينكي- لا يقبلون بفكرة نهاية تطور النظام السياسي التي ذكرها فوكويوما، ويقرون بإمكانية وجود نظم سياسية واجتماعية تختلف في الأشكال وتتساوى في القيم، بل شرحوا أن الحضارات تبدأ في الفناء حينما تبدأ في فرض قيمها على الآخرين.

والشاهد في ذلك أن بعض قوى الثورة العربية الليبرالية -التي كانت تدافع عن الديمقراطية الليبرالية بعنف وعصبية- اكتشفت فور تطبيقها لها وظهور نتائج الانتخابات عيوب هذا النظام في المجتمعات العربية، وصارت تتحايل عليه -بالقضاء حينا وبالتظاهر أحيانا- للخروج من المأزق الذي أدخلها فيه. مثلما أدرك دعاة البرنامج الإسلامي أنهم بتبنيهم للنظام الغربي منحوا الغرب المرجعية، فأصبح يقودهم في كيفية حكم أوطانهم، وتفسير دينهم، وهو أمر يرفضه الجميع كيفما صنفوا أنفسهم.

وأخيرا، فإن ما تحققه الحضارة الغربية من تقدم في بلاد العرب والمسلمين ليس بسبب امتلاكها لأكثر مما يمتلكونه من أدوات حضارية، ولكن بسبب سوء استخدامهم لهذه الأدوات، فالغربيون على سبيل المثال ينجحون بألوان أقل في رسم لوحة أفضل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة