كينيا.. قراءة فيما وراء الأحداث   
الثلاثاء 1429/2/6 هـ - الموافق 12/2/2008 م (آخر تحديث) الساعة 14:38 (مكة المكرمة)، 11:38 (غرينتش)


عبد الله عبد القادر

- العوامل الداخلية
- العامل الخارجي
- مستقبل كينيا

قبل 28 من ديسمبر/كانون الأول 2007 كانت كينيا دولة آمنة تعيش فيها أعراق متنوعة جنبا إلى جنب في سلام عز على جيرانها، ولكن الثاني من يناير/كانون الثاني 2008 كان هناك مئات القتلى وفيهم أطفال ونساء ومئات الآلاف من النازحين وتدمير رهيب للممتلكات ونهب لم يُر مثله.

وهذه الأحداث التي لم تسلم منها العاصمة نيروبى جعلت البلاد تواجه مشكلات إنسانية وأمنية، وسياسية إذا لم يوجد لها حل فإنها قد تجلب ويلات ليس على البلاد فقط بل على المنطقة برمتها. ما الذي حدث؟ ومن أين جاءت المشكلة؟ وما دور القوى الخارجية في المشكلة الكينية؟

وفي هذه المقالة ننظر إلى الأزمة التي تعيشها كينيا اليوم، والمسارات المحتملة للعنف الذي اتخذ شكلا إثنيا وجغرافيا، رغم أنه في ظاهره صراع على السلطة، بالإضافة إلى العوامل الخارجية التي تعمق الأزمة.

"
المعارضة تتشبث بإعادة الانتخابات الرئاسية وتصر على أن مرشحها فاز بها، أما الرئيس كيباكي فإنه يتشبث بالنتائج التي أعلنتها مفوضية الانتخابات وخطوة المحكمة العليا التي سمحت له بأداء اليمين الدستورية
"
العوامل الداخلية

إن كينيا لم يحدث فيها تغيير لا في نظامها السياسي ولا في قادتها الذين ورثوا الحكم من المستعمر عام 1963، إذ أنه بعد الرئيسين الأول جومو كينياتا والثاني أراب موي اللذين حكما نحو أربعين سنة، كان الرئيس الثالث مواي كيباكي الذي جاء إلى الحكم عام 2002 وزيرا بأول حكومة بعد الاستقلال.

ومن هنا فانتخابات عام 2007 التي أعقبها عنف تختلف عن سابقاتها لأن المعارضة لديها أجندة مختلفة، إذ أن قادتها جيل من الشباب يسعى إلى إحداث تغيير في كل مجالات الحياة، كما أن لديها تحفظات تجاه مشروع محاربة الإرهاب الذي تعاونت فيه الحكومة الحالية مع أميركا.

لذلك فإن المعارضة وقعت مذكرة تفاهم بينها وبين المسلمين، مما يعني أن المسلمين سيكون وضعهم أفضل وأنهم سيسلمون من التهديدات.

ويمكن القول إن مواي كيباكى هو مرشح الجيل القديم والأثرياء وكذلك الولايات المتحدة، وكلهم يتفقون على إبقاء الأوضاع كما هي من احتكار للسلطة والثروة.

أما أميركا فهمها الأول هو حفظ مصالحها وعلى رأسها أن تجد من يتعاون معها في محاربة الإرهاب، بينما رايلا أودينغا الذي يقود جيلا من الشباب لديه مشروع طموح أهم سماته التغيير وخلق كينيا جديدة. والسؤال هو: لماذا تم رفض رئاسة رايلا أودينغا؟

رايلا شخصية كاريزمية من الجيل الثاني استطاع أن يتبوأ مكانة بارزة في السياسية الكينية، فهو أطول سجين سياسي في البلاد إذ قضى في السجن ثماني سنوات.

وهو يرفع شعار التغيير ومن ثم يدعو إلى عدالة اجتماعية، وهو مناور سياسي يتنقل في التحالفات السياسية وقد وصفه البعض بأنه مشاغب، واتهم بأنه شارك في انقلاب عام 1982.

وكان له دور أساسي في انتخابات كيباكي عام 2002 إلا أن أمله في أن يحقق كيباكي تغييرا يذكر باء بالفشل، وانتظر فرصته عام 2007.

جاءت انتخابات 2007 وفازت المعارضة بأغلبية المقاعد، ولكن انتخابات الرئاسة شابتها شبهات كثيرة أثرت في مصداقيتها وألقت ظلالا من الشك على النتائج المعلنة، فأصيب الشعب الذي انتظر التغيير طويلا بخيبة أمل مما فجر موجة مظاهرات في غالبية المدن وتم استهداف أفراد قبيلة الرئيس في مناطق متعددة أسوأها منطقة الوادي المتصدع.

ويرجح الكثيرون أن استهداف أفراد قبيلة الرئيس هو نتيجة للممارسات الخاطئة التي تمت في مجال توزيع الثروة وملكية الأراضي التي كانت سائدة منذ الاستقلال، وقد يزداد الأمر سوءا ما لم يوجد حل ناجع لنتائج الانتخابات الرئاسية المختلف عليها.

المعارضة تتشبث بإعادة الانتخابات الرئاسية وتصر على أن مرشحها فاز بها، والتلاعب الذي شهد به كثيرون دليل على دعواهم. أما الرئيس كيباكى فإنه يتشبث بالنتائج التي أعلنتها مفوضية الانتخابات، وخطوة المحكمة العليا التي سمحت له بأداء اليمين الدستورية لفترة رئاسية ثانية.

العامل الخارجي
الحضور الغربي لمتابعة سير الانتخابات كان قويا، فالسفير الأميركي تابع سير الانتخابات، ومن ثم عمليات عد الأصوات متابعة دقيقة. وقد أبدى ثقته التامة بمفوضية الانتخابات، في حين كانت المعارضة تردد بأن هناك تزويرا.

وقبيل إعلان الانتخابات، كان السفير الأميركي أمام مقر مفوضية الانتخابات مشجعاً الأطراف السياسية والشعب معاً على قبول النتائج.

وبعد إعلان النتائج مباشرة تحدث السفير قائلا إن الانتخابات انتهت بنزاهة وإن النتائج جيدة وعلى المعارضة قبولها، وإنها نتائج متقاربة وهذا انتصار للشعب.

وعلى ضوء هذه التطورات اعترفت الحكومة الأميركية بحكومة كيباكى في أقل من ساعة، في وقت كانت فيه الاحتجاجات التي تشكك في النتيجة على قدم وساق.

ولكن أميركا تراجعت عن اعترافها وتهنئتها للرئيس كيباكى وذلك بعد تيقنها بأن الحقائق على الأرض لن تساعد في تمرير المسألة، وإذا بالسفير الأميركي يبدأ الحديث عن التجاوزات التي حدثت في عد الأصوات والإعلان عنها.

"
دور كينيا السياسي هو تكملة دور أوغندا وإثيوبيا في مواجهة الإرهاب بالمنطقة، وبالتالي فإن مجيء معارضة تجمع خليطا من أطياف مختلفة من الجيل الثاني ذوى اتجاهات وطنية قد لا يكون مفيدا للولايات المتحدة
"
واللافت للنظر أن السفير كان يردد الدعوة إلى حكومة وحدة وطنية وجمع الكلمة، في حين كان كل من بريطانيا والاتحاد الأوربي يريان أن إعادة انتخابات الرئاسة هو الحل لتجاوز هذه المشكلة.

في هذا الظرف العصيب هناك جهود يقوم بها الاتحاد الأفريقي بدعم الاتحاد الأوروبي بقيادة بريطانيا وكذلك المجتمع الدولي، ولكن موقف أميركا من تلك الجهود ليس واضحا بل تشوبه شائبة خاصة أن جينداي فرايزر نائبة وزيرة الخارجية للشؤون الأفريقية وصلت نيروبى قبل وصول رئيس الاتحاد الأفريقي الرئيس الغاني جون كفور بيومين.

والغريب أن الرئيس كيباكى أعلن مجلس وزارته الجديد، وهو يرحب بالرئيس الغاني الآتي لإجراء المصالحة بينه وبين المعارضة.

ويشير البعض إلى أن فرايزر التي يعتقد أنها جاءت لتساهم في جهود المصالحة فشلت في منع كيباكى من إعلان وزارته، وهو ما أدهش الجميع. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: كيف يمكن لكيباكى الذي قابلته فرايزر أن يعلن وزارته ولا ينتظر الرئيس الغاني؟

ومن هنا فإن المعارضة التي أظهرت مرونة كبيرة تبدو وكأنها مستفيدة من هذه الزيارة، إذ وافق زعيمها على مقابلة كيباكي وجها لوجه بدون شروط ولكن بحضور الوسيط الدولي.

والسؤال هو لماذا يتجاهل الأميركيون الواقع السياسي المعقد؟ وهو أمر يجمع عليه الكينيون باختلاف طوائفهم وكذلك المراقبون الدوليون، بأن هناك تلاعبا حدث في نتائج الانتخابات وأن البلاد عند مفترق طرق ما لم يوجد لها حل مقنع بالنسبة للأطراف السياسية.

هناك أكثر من سبب وراء التجاهل الأميركي في الأزمة الكينية:
1- هناك مشروع مكافحة الإرهاب شرق أفريقيا، ولهذا المشروع شق داخلي حيث يعتقد الأميركيون بوجود خلايا من القاعدة في كينيا بالإضافة إلى المسألة الصومالية وتداعياتها.

وقد أثبتت حكومة كيباكى أنها حليف قوي لأميركا يمكن التعويل عليه تجاه هذا المشروع سواء داخل كينيا أو الصومال المجاورة، وهذا التعاون الأمني جعل الرئيس كيباكي شخصية مفضلة لدى الأميركان.

وقد أثير موضوع استضافة كينيا قيادة القوات الأميركية في أفريقيا المزمع إنشاؤها بالقارة. وفى حالة وصول رايلا أودينغا إلى سدة الحكم فإن أميركا قد لا تحظى بهذا التعاون السخي.

2- هناك نظامان بالمنطقة وهما النظام الإثيوبي والأوغندي يتعاونان مع أميركيا أمنيا، ولهما دور رائد في المسألة الصومالية.

ودور كينيا السياسي هو تكملة دور هاتين الدولتين في مواجهة الإرهاب بالمنطقة، وبالتالي فإن مجيء معارضة تجمع خليطا من أطياف مختلفة من الجيل الثاني ذوى اتجاهات وطنية قد لا يكون مفيدا خاصة أنهم قد لا يتفقون مع رئيس أوغندا يوري موسيفينى ورئيس وزراء إثيوبيا ملس زيناوى في مهماتهم الأمنية مع أميركا. وهناك جدل حول دور أوغندا في الأحداث الأخيرة الكينية.

وقد اتهم مراقبو أوغندا من بين بعثة دول شرق أفريقيا بأنهم شاركوا في التزوير، وكذلك اتهمت قوات أوغندية بالمشاركة في قمع المظاهرات التي خرجت بمدينة كيسومو على الحدود الأوغندية مسقط رأس أودينغا عقب إعلان نتائج الانتخابات المتلاعب بها.

3- هناك مذكرة تفاهم وقعها المسلمون مع رئيس المعارضة بموجبها صوتوا للمعارضة، وهم قرابة ثلاثة ملايين من أربعة عشر مليون ناخب، على أن يجد المسلمون حقوق مواطنة أسوة بمواطنيهم الكينيين.

ومن بين بنود الاتفاقية مطالبة إثيوبيا بإعادة مواطنين كينيين في معتقلاتها بتهمة الإرهاب، بالإضافة إلى هذا فإن الانتخابات الراهنة أظهرت أن المسلمين الكينيين قد وصلوا إلى وضع لم يكن يتوقعه أحد إذ أن صوتهم رجح كفة المعارضة بالانتخابات.

وهذه سابقة خطيرة تفتح الباب واسعاً بدول شرق ووسط أفريقيا ذات الأقليات المسلمة الكبيرة، إذ سيكون لهم شأن في ترجيح وتحديد من سيحكم تلك البلاد.

وإذا كانت المعارضة استقوت بالأصوات المسلمة فها هي تدفع الثمن، وهى أيضا رسالة إلى قادة المنطقة أجمعها مفادها أن أصوات المسلمين ورضا القوة العظمى لن يجتمعا.

4- لدى المعارضة برنامج طموح قد لا يرضي الدول الغربية الوصية على كينيا، هذا البرنامج لو تم فإنه يحدث تغييرات بالبلاد وخاصة في التنمية، ويؤثر بالمنطقة مما كان قد يقود إلى تغيير بمنطقة شرق وقرن ووسط أفريقيا، وهو أمر غير مرغوب فيه لدى أميركا بالوقت الراهن إذ هي ترى أن زمن التغيير لم يحن بعد.

"
قد يكون الحل بتدخل الجيش بمبادرة منه لأن الحكومة من الصعب أن تستخدمه، ويكون ذلك بمساندة المعارضة أو بتعليق الدستور لفترة
"
يُضاف إلى هذا أن اتجاه رايلا أودينغا المحسوب على الاشتراكية ودور الصين في أفريقيا، يشكلان تحدياً لأميركا.

وجهود أميركا هذه التي تنظر إلى مصالحها ولم تضع في حسبانها قضايا داخلية صعبة، وهى أن انتخابات عام 2007 لها معادلات محلية تتعلق بالدستور وبالأرض والعدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة، وأن المسألة بالنسبة للكينيين تتجاوز المصالح الإقليمية لبعض الدول التي تحاول مراعاتها والحفاظ عليها.

هذه المعادلة الداخلية الصعبة هي التي تفسد على الأميركان وحلفائهم ما كانوا يصبون إليه. وإذا كانت الولايات المتحدة تشعر بإفرازات المشكلة الكينية بالمنطقة بدءا من قلة الوقود والمؤن لقوات حفظ السلام بالصومال، وبعرقلة جهود إعمار جنوب السودان، فإن الهم الأميركي إقليمي وليس كينيا.

مستقبل كينيا
أما ما يتعلق بمستقبل المشكلة السياسية الكينية فإن هناك أكثر من احتمال:
أولا أن تنزلق البلاد في عنف يؤدي إلى انهيار الدولة كالذي شهدناه في الصومال ورواندا، وهو مستبعد لأن المعارضة تحاول استخدام أساليب سلمية مثل المسيرات والمظاهرات السلمية التي تشل السير الطبيعي للحياة بالمدن الرئيسية.

ثانيا: المعارضة الآن تمثل الأغلبية في البرلمان وهي التي تتولى رئاسته، وهذا يسمح لها بعرقلة سير أعمال المجلس.

ثالثا: هناك وساطات دولية لحل المشكلة السياسية تعول عليها المعارضة كثيرا، وتقلل الحكومة من أهميتها.

تستخدم الحكومة عنفا مفرطا من أجل محاولة إسكات المعارضة وهذا سوف يزيد من تأزيم الوضع، إذ العنف لا يولد إلا عنفاً وقد يتخذ شكلا إثنيا. ومن هنا فإن لم تأت وساطة جادة من المجتمع الدولي الذي تتسم حركته الآن بالبطء فإن الوضع قد يكون مرشحا للانفجار، وهو حال يبدو أن الحكومة والمعارضة لا تحبذانه، وقد لا يسمح به المجتمع الدولي خاصة بريطانيا والولايات المتحدة.

لا بد أن ترضخ الحكومة للضغوط الداخلية والخارجية معا وتتنازل المعارضة بعض الشيء، وتكون هناك صيغة لاقتسام حقيقي للسلطة يمكن ترتيبه بصورة ما مع احتمال انعقاد انتخابات رئاسية في فترة قصيرة، وهو ما تدعو إليه المعارضة. وهو أمر ليس منصوصا عليه الآن في الدستور، ويقترحه كثيرون في الداخل كما يفضله الاتحاد الأوروبي وبريطانيا.

قد يكون الحل بتدخل الجيش الذي يمثل جميع شرائح الشعب الكيني، لكنه من الصعب استخدامه في هذا الظرف العصيب من قبل الحكومة. أما تدخله بمبادرة منه لضبط الأوضاع وحماية الوطن من التصدع، إما بمساندة المعارضة أو تعليق الدستور لفترة فهو أمر لم يتضح منه شيء.

والهاجس الأكبر في المسألة الكينية هو وصول الأمر إلى وضع قد يصعب على الإدارة الأميركية ووكلائها المحليين احتواؤه، ليس فقط محليا بل إقليميا.



__________________

كاتب كيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة