العالم الإسلامي ومشكلة التغيير   
الأحد 1428/4/19 هـ - الموافق 6/5/2007 م (آخر تحديث) الساعة 10:23 (مكة المكرمة)، 7:23 (غرينتش)


كريمة بداوي

- مشكلة حضارة
- معالم المجتمع المتحضر
- الفوضى الفكرية

"الرجل المريض" تلك هي التسمية التي أطلقتها القوى الاستعمارية الكبرى على العالم الإسلامي، وهي تستعد للانقضاض على الفريسة واقتسامها غداة مؤتمر فرساي، وهي في الواقع وصف دقيق للحالة التي كانت تعيشها الدولة العثمانية من اضطراب وتفكك على كل المستويات.

ولقد تعين على البلدان الإسلامية أن تثابر طويلا حتى تصل إلى مرحلة الثورة على الاستعمار، ولكن الشعوب لا تكتب تاريخها بالرعد والصواعق فقط، على حد تعبير الفيلسوف الألماني نيتشه، لقد جاءت مرحلة البناء عقب الاستقلال لتبرز الحقيقة الناصعة.

"
الحضارة ليست شكلا من أشكال تنظيم الحياة فحسب، ولكنها قدرة المجتمع الخلاقة التي تمكنه من التغلب على جميع التحديات والصعاب، بحيث يتسنى له أن يمنح جميع أفراده الضمانات الأساسية التي لا تستقيم حياتهم بدونها
"
مشكلة حضارة
إن مشكلة العالم الإسلامي هي مشكلة حضارة، والتخلف الذي يضرب بأطنابه في مجتمعاتنا ليس وليد عوامل محلية تشكلت داخل الحدود الوطنية لكل بلد، بل يعود إلى الأسباب التاريخية العامة التي تجمع المسلمين منذ قرون في بوتقة واحدة.

والحضارة ليست شكلا من أشكال تنظيم الحياة فحسب، ولكنها قدرة المجتمع الخلاقة التي تمكنه من التغلب على جميع التحديات والصعاب، بحيث يتسنى لهذا المجتمع أن يمنح جميع أفراده الضمانات الأساسية التي لا تستقيم حياتهم بدونها من حق في التعليم والصحة والعمل والمواصلات واحترام شخصية الفرد وكرامته (انظر سلسلة مشكلات الحضارة لمالك بن نبي).

ولا يستمد المجتمع قدرته هذه من خواء، بل من أسلوب الحياة الشائع في أوساطه، فهو الذي يدفع الفرد إلى التفاعل بإيجابية في عملية البناء الجماعي، ويحول الفكرة إلى ملموس، والعلم النظري إلى علم قابل للتجريب والتطبيق.

وعليه فإن السؤال الذي ينبغي طرحه للعثور على موضع الداء هو: أين يكمن الخلل في ثقافتنا باعتبار أن "الثقافة هي الرحم أو البيئة التي يتشكل فيها سلوك الفرد ثم المجتمع، فالسلبية التي يعاني منها الفرد المسلم أو اللافعالية إنما تعود أساسا إلى البيئة التي تشكل كيانه النفسي بداخلها". (القضايا الكبرى لمالك بن نبي 78-80).

ولتقريب المراد نقول إننا عندما نألف رؤية الفوضى في حياتنا اليومية، في مناظر الشوارع المكتظة ووسائل النقل الرديئة أو نأنس لصور الشحاذين، فلا تشكل ناقوس خطر لضمائرنا، أو نقبل بالوقوف في طابور طويل دون إحساس بقيمة الزمن الضائع، نكون في هذه الحالة جميعا نتنفس ونمارس ثقافة معينة، وبالطريقة نفسها نتلقى الأفكار المتفشية في المجتمع بوعي منا أو بدون وعي.

معالم المجتمع المتحضر
وهنا يتعين علينا في كل حالة أن نتذكر أن ما وصلنا إليه تناقض صارخ بين ما نؤمن به من عقيدة إسلامية، تقوم مقاصدها الكبرى على حفظ النفس والعقل والمال والنسل، وبين ما نعيشه من تخلف يتعذر معه إيجاد دوافع وضمانات الحياة الكريمة، إنما هو بسبب عدم تفعيل مبادئ الإسلام في واقع حياتنا الاجتماعية.

ولا نضيف جديدا إذا قلنا إن الأنانية والروح الانعزالية باتتا اليوم من أكثر العيوب التي تطبع أشكال تصرفاتنا، وهما اللتان تقفان عازلا دون انخراط الفرد في عمل جماعي مشترك.

"
الإستراتيجيات التي راهنت عليها الدول الإسلامية عقب الاستقلال سارت بها إلى طريق الفوضى وتدمير الذات، وضاعفت من هزائمنا، لأنها كانت غريبة في روحها عما يحرك الشعوب الإسلامية
"
هذه اللحمة التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله "الجسد الواحد" و"البنيان المرصوص" هي أكبر معلم من معالم المجتمع المتحضر، إذ لا يتصور البناء بدون مساهمة الجميع عن إخلاص ومثابرة، وفق نسق واحد ومذهب دقيق، فلا يكفي اليوم أن نخدر ضمائرنا بالقيام ببعض الأعمال الصالحة المبعثرة، لأنها لن تؤتي في النهاية ثمارها، ما دمنا لا نتوصل إلى منهاج فعال نابع من برنامج سياسي واقعي، تنصهر فيه الجهود بانسجام لتحقيق نهضة كاملة.

وتجربة المجتمع الألماني بعد الحرب العالمية الثانية تعد تجربة غنية، إذ أنها تسلط الضوء على المخرج الفريد الذي انتهجه الألمان لتحقيق النمو وإنجاز التصنيع في فترة زمنية قصيرة، بفضل العمل التطوعي الذي تميز به المجتمع الألماني حينها، لتصبح ألمانيا من أكبر الدول الصناعية في عالم اليوم.

وهذا ما يدعونا أيضا إلى الإضافة بأن الإرادة النابعة من داخل المجتمع الواحد هي ما يصنع حضارته، لذلك فإننا نخطئ في حق أنفسنا عندما نعتقد أنه بإمكاننا محاربة التخلف باستيراد التكنولوجيا، كما نخطئ تماما إذا اعتقدنا أن الحضارة ليست إلا بعدا اقتصاديا.

وهنا يكون من الملائم أن نتوقف عند حمى الاستهلاك التي تجتاح مجتمعاتنا بقوة، فنحن نحرص على اقتناء أفخم سيارة وأحدث جهاز كمبيوتر أو هاتف نقال، ولكننا لا نجد أدنى الحماس للاطلاع على كنه وأسرار الآلات التي نستعملها بكل ارتياح بين أيدينا وكأنها من نتاجنا.

إن مشاكلنا ستبقى عالقة ما لم نهتد إلى ضبط الأمور من أساسها وما دمنا نكتفي بتحليل ظواهرها.

ونحن إذ نلقي بكامل اللوم على الاستعمار الذي يعود من جديد تحت رداء الديمقراطية ومحاربة الإرهاب، ليزيد من تفكيك أوصال مجتمعاتنا، نكون –والحالة هذه– غير شاعرين بمدى مسؤوليتنا عما آل إليه حالنا.

ولنتأمل في قول النبي صلى الله عليه وسلم "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"، فالحديث يدلنا اليوم على سبب محنتنا، وهو تخلي الفرد المسلم عن مسؤوليته على كافة المستويات.

والواقع أن الإستراتيجيات التي راهنت عليها الدول الإسلامية عقب الاستقلال سارت بها إلى طريق الفوضى وتدمير الذات، وضاعفت من هزائمنا، لأنها كانت غريبة في روحها عما يحرك الشعوب الإسلامية، ويدفعها إلى العمل الجماعي الموحد.

ذلك أن كل عمل لا بد أن يكون له تعليله وباعثه الأخلاقي والاجتماعي، وباعث المسلم على العمل عقيدته، والفراغ الذي نجم عن انحسار القيم الإسلامية في ممارساتنا اليومية، ملأته أفكار وتصورات غريبة عنا.

الفوضى الفكرية
ولعل نخبنا المثقفة أكثر من يعكس مقدار الفوضى الفكرية التي يتخبط فيها العالم الإسلامي، منذ أن خضع لهيمنة الثقافة الغربية، فمن علمانية مزيفة إلى جدالية دفاعية، وكلاهما يعكس عجز مثقفينا عن إيجاد منهج فاعل للتغيير، وإن كانت الأمانة تقتضي منا الإشارة إلى أن المثقف الإسلامي (أو السلفي كما يحلو للبعض أن يطلق على كل مدافع عن الأمة الإسلامية) ظل يحمل في ضميره دوما فكرة الأصالة، بغض النظر عن العيوب التي تحيط بموقفه الدفاعي.

"
إلهاء العالم الإسلامي عن التماس موضع الداء والقضاء عليه جار منذ زمن، ولا يقع فقط على مستوى حشد الجيوش واكتساح أرضه وزلزلة أمنه، بل في إيهامه بأن مفتاح الحل عند الآخر
"
وتأتي أهمية الفكرة من أنها تدعونا إلى الرجوع إلى مبادئ الإسلام وأحكامه، كمرجع يتم من خلاله بناء ثقافتنا وغربلتها من الأوشاب، فالتخفيض من اللافعالية الفردية، لا يتم باستيراد مناهج من الخارج، وعملية التغيير تبدأ عندنا، بإعادة ربط المسلم بمجتمعه، حتى يتسنى لهذا الأخير القيام برسالته.

قد يطرح البعض هنا قضية إعادة بناء الماضي وتجديده، ويقرر آخرون حرفية الاستناد إليه، لكننا نعلم يقينا أن الإنسان ابن عصره، وأن لا مكان لنا في عالم يطلق عليه "عالم غزو الفضاء"، إن لم نستطع الإلمام بعلوم العصر، وتوظيفها في خدمة مجتمعاتنا والإنسانية جمعاء.

ولكن عملية التجديد والانتقاء من الماضي ليست أمرا مطلقا على عواهنه، إنما هي وظيفة "المجتهد"، وشروط الاجتهاد كما هي مقررة في كتب "أصول الفقه الإسلامي"، تقتضي زيادة على الإلمام بعلوم الاختصاص (وهي العلوم المساعدة على فهم النصوص من القرآن والسنة)، العلم بموضع الاجتهاد، أي بالوقائع والمسائل الطارئة والمستجدة.

وهذا ما لا يمكن توفره اليوم في صورة فقهاء مجتمعين فضلا عن فقيه واحد، لذا فإن عملية احتواء موروثنا الثقافي بأدوات فكرية معاصرة، لابد من أن تتم على مستوى نخبة متجانسة تتضافر فيها -على سبيل المثال لا الحصر- جهود كل من الفقيه وعالم الاجتماع وعالم الاقتصاد والفيلسوف أو المنظر السياسي على حد سواء.

إن حكوماتنا لم تخطط لمثل هذا البناء، ويجب أن نعترف اليوم بأن عالمنا الإسلامي، مصاب بشلل تام، لأن مرض السعي إلى السلطة واحتكارها يشل عروقه.

وشعوره بالهوان لانتصار الثقافة الغربية عليه، يؤدي به أحيانا إلى التسلي بذكريات عذبة من أمجاد الماضي، وأخرى إلى محاولة الارتماء في أحضان الحضارة الغربية، عله يشفى من الأسقام.

إن محاولة إلهاء العالم الإسلامي عن التماس موضع الداء والقضاء عليه جارية منذ زمن، ولا تقع فقط على مستوى حشد الجيوش واكتساح أرضه وزلزلة أمنه، بل في إيهامه بأن مفتاح الحل عند الآخر، حتى تتمكن من اغتيال فكره وتخدير ضميره، منبع إرادته وأساس نهضته.
ــــــــــــــــــ
كاتبة جزائرية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة