مجلس حقوق الإنسان والقضايا المغيبة   
الأربعاء 1431/6/5 هـ - الموافق 19/5/2010 م (آخر تحديث) الساعة 1:06 (مكة المكرمة)، 22:06 (غرينتش)
لؤي ديب


عندما أًسُس مجلس حقوق الإنسان في مارس/آذار 2006 وضُع شرط آنذاك بضرورة مراجعة بنية هذا المجلس بعد مرور خمسة أعوام من قيامه بما في ذلك آليات عمل المجلس والولايات الخاصة واللجنة الاستشارية وكل الصلاحيات التي تتمتع بها كل آلية, وبما أن هذا الموعد يجد استحقاقه في مارس/ آذار 2011 دعت سويسرا البلد المستضيف في العشرين من أبريل/ نيسان إلى اجتماع في مدينة مونترو حضرته الكثير من الدول والعديد من المنظمات غير الحكومية للتحضير والتوافق على قرار المراجعة والآليات القادمة.

في هذا الاجتماع وكالعادة كان العرب هم الحاضرين بالاستمتاع بجمال مدينة مونترو والتقاط الصور الغائبين الناعسين عن النقاش والمداخلات باستثناء اقتراح جزائري يتيم عبارة عن قانون ينص على شروط أخلاقية (يجب توفرها في المرشح لشغل منصب مقرر خاص لآلية من آليات حقوق الإنسان).

حيث إن موضوع المقررين الخاصين استحوذ على جزء كبير من النقاش وخصوصا أولئك المقررين الذين لا يتلقون أجورا والذين عندما يأتون من بلدان نامية، لا تكون لديهم وسائل دعم مثل التي يحصل عليها المنحدرون من بلدان غنية. وتأثير ذلك على استقلاليتهم.

"
أصبح مجلس حقوق الإنسان أمرا واقعا في المنظومة الدولية ومحفلا أمميا ثالثا ونافذة مهمة للدول الضعيفة للعودة إلى قضاياها المهملة في الجمعية العامة ومجلس الأمن ومصدرا قانونيا لشرعية الحق الفلسطيني
"
وقد عبر الأفارقة عن عدم رضاهم بخصوص النظام المتبع في اختيار المقررين الخاصين، ووصفوهم بأنهم "يتقمصون دور النيابة العامة في توجيه الاتهام عندما يأتون إلى بلداننا، بدل البحث عن كيفية مساعدتنا في حل المشاكل". لم يتوقف الاجتماع عند هذا الموضوع بل ناقش قضايا مهمة مثل اللجنة الاستشارية، وضرورة استغلال طاقة الخبراء والأكاديميين فيها ليصبحوا لجنة تفكير وتمعن يكون لهم حق اقتراح المواضيع التي يدققون فيها ونتناولها بالبحث والتحليل على مجلس حقوق الإنسان، وناقش الاجتماع قضايا مثل الهجرة غير الشرعية وسبل التدخل في الأزمات والمجاعة، ووسط هذا النعاس والنقاش كان السُم يدس في العسل وتتعالى الأصوات المنادية بعدم ضرورة وجود قضايا ثابتة على جدول أعمال المجلس، والمستهدف الرئيسي وضحية هذه الاقتراحات هو فلسطين والأراضي العربية المحتلة باعتبارها القضية المركزية التي تناقش بشكل اعتيادي وفى كل دورات المجلس.

عند حل لجنة حقوق الإنسان في سبتمبر/ أيلول 2005 وبداية النقاش لتأسيس مجلس لحقوق الإنسان في مارس/ آذار 2006، كان هناك سفير أميركي اسمه جون بولتون، ورئيس أميركي اسمه جورج بوش، عملا بكل قوة ودون ملل على قبر إنجازات البشرية وتراكمات التقدم التي تحققت بعد الحرب العالمية الثانية من أجل الإنسان وكرامة الإنسان.

وقد اقترح السفير الأميركي آنذاك التخلي عن فكرة إقامة مجلس لحقوق الإنسان، وأن مجلس الأمن الدولي هو الذي سيتولى مهمة حقوق الإنسان بكل ما يتمثل في ذلك من سيطرة للدول الأعضاء الدائمة العضوية وقدرتها على طمس أي ملف لا ترغب في إثارته. ولكن بعد ثمانية أشهر من النقاش، انتصرت البشرية وتم التصويت على الموضوع وخسرت الولايات المتحدة التصويت، وتم تأسيس المجلس.

وأصبح مجلس حقوق الإنسان أمرا واقعا في المنظومة الدولية ومحفلا أمميا ثالثا (بعد الجمعية العامة ومجلس الأمن الدولي) ونافذة مهمة للدول الضعيفة للعودة إلى قضاياها المهملة في الجمعية العامة ومجلس الأمن ومصدرا قانونيا لشرعية الحق الفلسطيني ومرآة ساطعة تعري الجرائم الإسرائيلية, ولكن للأسف ما زالت أغلب الحكومات العربية والإسلامية تدير ظهرها لتلك النافذة وتتعامل معها ضمن منطق إسقاط الواجب لا أكثر ولا أقل.

كان قد سبق اجتماع مونترو الدورة الـ13 للمجلس والتي استمرت من الأول من مارس/ آذار حتى السادس والعشرين منه حيث شهدت الدورة نقاشا حاميا حول الإساءة للأديان وخرجت بقرار تم اعتماده بغالبية 20 صوتا مقابل 17 وامتناع 8، ينص على "إدانة كل أوجه التمييز القائم على أساس الدين"، وعبر القرار عن "الأسف لاستخدام الصحافة المكتوبة والإلكترونية وشبكة الإنترنت من أجل التحريض على الكراهية والعنف والمعاداة للأجانب وعدم التسامح على أساس ديني"، وبررت الدول الغربية ومن يدعمها أن "التمييز ضد أقليات دينية أمر واقع يجب التصدي له ولكن الموضوع يُطرح بشكل خاطئ وفي محفل غير ملائم".

وعللت الدول الغربية معارضتها بأن "حقوق الإنسان تحمي الأشخاص ولا تحمي الأديان". وكالعادة مارست الدول الغربية ضغوطا من أجل إثناء بعض الدول عن التصويت لصالح المشروع، وهو ما يفسر ارتفاع عدد الدول المعارضة، التي تراجع البعض منها عن تأييده في آخر لحظة ومع ذلك حصل المشروع على أغلبية 20 صوتا من بين 47 دون أن يمارس العرب والمسلمون ضغوطا أو يلعبوا سياسة فما بالك لو فعلوا ذلك، ورغم جمال القرار السابق كان هناك توافق غربي عربي إسلامي على تأجيل مناقشة موضوع السجون السرية التي أقامتها أميركا في أصقاع الأرض إلى الدورة التالية في شهر يونيو/ حزيران وهو التأجيل الثالث والذي لا أستبعد أن يكون له رابع وخامس طالما كثر المتورطون في الأمر من الدول والحكومات والأفراد المتنفذين.

"
ما زال هناك توافق غير مكتوب في أروقة المجلس على تأجيل القضايا المزعجة في نظر الدول مثل القدس والاستيطان والسجون السرية في أكثر من 66 بلدا والتي انتقلت من موقع الشكوك إلى الحقيقة المؤكدة
"
ورغم إعلان رئيس المجلس في بداية الدورة عن تأجيل البت في توصيات تقرير غولدستون "بطلب من المعنيين بالأمر"، تم التقدم بثمانية مشاريع قرارات بعضها مرحلي لتعزيز عملية التحقيق في كيفية تطبيق الأطراف المعنية بتوصيات تقرير غولدستون، وأخرى لعرض واقع الانتهاكات في الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، حيث كان الموضوع نقطة فارقة في تعرية ضعف المجموعة العربية والإسلامية وخسارتها لبعض دول عدم الانحياز، وترك الملعب للدول الغربية لتمارس نفوذها على دول أوروبا الشرقية سابقا وبعض الدول الأفريقية والأميركية اللاتينية التي لم تجد سوى الغرب يقيم لها وزنا ويطلب صوتها أو امتناعها عن التصويت، ورغم كل ما سبق تطرق المجلس إلى ما يجب القيام به تطبيقا لتوصيات غولدستون.

واعتمد مشروع قرار بـ29 صوتا مؤيدا مقابل رفض 6 وامتناع 11 عن التصويت، وطالب بإنشاء لجنة خبراء مستقلين متخصصين في حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، تكون مهمتها تحليل كافة الإجراءات القانونية التي اتخذها الطرفان الإسرائيلي والفلسطيني للتحقيق في التجاوزات التي حدثت في الحرب على غزة.

وما زال هناك توافق غير مكتوب في أروقة المجلس على تأجيل القضايا المزعجة في نظر الدول مثل القدس والاستيطان والسجون السرية في أكثر من 66 بلدا والتي انتقلت من موقع الشكوك إلى الحقيقة المؤكدة والتعذيب ومراجعة شرعية ما يُسمى بالحرب على الإرهاب والقوائم السوداء وظلمها وجورها، حيث اقترن جميع ما سبق ذكره بممارسات قد تصل إلى حد الجريمة ضد الإنسانية.

إن ما يحدث وسيحدث في مجلس حقوق الإنسان يؤكد أن المجتمع العربي الإسلامي في هذا المحفل مجتمع ضعيف يسهل تقديمه دوما ككبش فداء لحجب ممارسات أميركا وبعض المتحالفين معها في انتهاك القانون الدولي. لقد مورست أبشع أنواع التعذيب بحق رعايا الدول العربية والإسلامية في السجون السرية وغوانتانامو باعتراف تقارير دولية للصليب الأحمر والاتحاد الأوروبي وحتى الأميركيين أنفسهم دون قدرة من الدول العربية على تسخين الملف كأضعف طريقة، وأفضت ممارسات ما يُسمى بالحرب على الإرهاب إلى إضعاف المعايير القانونية الدولية وانتهاك سيادة الدول وحرمة رعاياها دون إجراء رادع, وأنتج نظام القوائم السوداء تعسفا وعدم مصداقية عززت انزلاقا خطيرا للديمقراطيات الغربية نحو الاستبداد في مكافحة ما يُسمى الإرهاب، وأثمرت تبعات مدمرة على صعيد العمل الخيري والإنساني وقدرته على الوصول إلى المحتاجين وخصوصا في العالم العربي، وكل هذا دون تصد يذكر وحالة ارتباك ملموسة ومحسوسة.

تنسيق غائب للدول العربية والإسلامية فيما بينها وخلاف ليس لديهم القدرة على حجب عيوبه وانعكاساته على مواقف تمس بمستقبل الأمة جمعاء، وارتجال في اتخاذ المواقف يعتمد على تغيب الخبراء واستثنائهم والدفع بوجوه تقرر مستقبل الأمة على أساس المحاباة والمجاملة وانعدام وقطيعة تصل إلى حد العداوة بين الدول العربية ومنظمات حقوق الإنسان العربية، ولا تصالح أو تنسيق يلوح في الأفق وجامعة عربية مقيدة ومكبلة بمحاذير التمويل والمقاطعة إن هي تخطت حدودها في التنسيق من اجل قضية عربية لا توافق عليها أو على صيغة طرحها, واقع مرير مؤلم دون التزام يُذكر بتوضيح أسباب التراجع للمواطن العربي, والدعوة إلى إخضاع ذلك الواقع إلى دراسة شفافة ومعمقة تعتبر جريمة.

إن العمل على الاستفادة من مجلس حقوق الإنسان يحتاج إلى إرادة قوية أولا وإيمان بقدرة المجتمع المدني على المساعدة الحقيقة وابتعاد عن إفقار وحشر منظمات حقوق الإنسان العربية في الزاوية ودفعها نحو الآخر, وحوار جاد مع تلك المنظمات يفضى إلى إستراتيجية عمل وتوزيع حقيقى للأدوار والامتناع عن نفخ المنظمات الشمالية على حساب المنظمات العربية وتقزيم دورها, ولعل هناك من عاقل في تلك الحكومات يدرك أن المنظمات الحقوقية العربية -باستثناء السيئ منها- رغم كل معاناتها ما زالت تشكل صمام أمان قوي ومركزا متقدما في طرح القضايا العربية في مجلس حقوق الإنسان بما يحقق بعدين أولهما الدفاع والثاني تعزيز آلية إصلاح في الأمم المتحدة.

"
المنظمات الحقوقية العربية باستثناء السيئ منها رغم كل معاناتها ما زالت تشكل صمام أمان قوي ومركزا متقدما في طرح القضايا العربية في مجلس حقوق الإنسان بما يحقق بعدين أولهما الدفاع والثاني تعزيز آلية إصلاح في الأمم المتحدة
"
لعل كثرة قضايا العرب على الطاولة الدولية لها أسبابها، وليس أقلها ضعف تركيبة بنية تداول القضايا وتشتت الإستراتيجيات والجلوس في مقعد المدافع الذي ينتظر بروز الاتهام التالي ليدافع عن نفسه بضعف ووهن المحتاج للآخر, في حين أن الحقيقة هي عكس ذلك، فهذا الآخر هو من يعانى ويُصدر أزماته الداخلية ويستجمع قواه بمعارك جانبية أحسنَ فيها لعبة استبدال الأدوار واختيار العناوين.

وقت يمر كالسيف على قضايا مصيرية دون أن نجد حيلة بأيدينا لإيجاد تشريع دولي يردعها، وكأننا تعودنا وأصبحنا نؤمن أننا ليس من يصنع تلك التشريعات بل من يطبقها تطبيق المغلوب على أمره الذي لا يملك حولاً ولا قوة, في حين أن قليلا من جلد الذات ووقفة تصالحية وجزءا من التنسيق قادر على تغيير كل قواعد اللعبة.

تؤكد الضربات المتكررة التي يتلقاها العرب والمسلمون على وجود أزمة انزلاق أخلاقي في قيم الحرية والسلم واحترام الأديان لدى الغرب, وأياد خفية تلعب في الظلام الدامس لإعادة شبح حروب الأديان وإثارة مخاوف بشكل غير مسؤول بالتأكيد ستفضي تراكماتها إلى إفرازات خطيرة ستعانى منها الأجيال تلو الأجيال.

أليس غريبا وسط ظهور قضية الاعتداء الجنسي على الأطفال في الكنائس أن تثار أزمة المآذن والحجاب وغيرها من القضايا، والأخطر أن ذلك يتم وسط مجتمع غربي يعانى من بطالة متزايدة وأرضية خصبة لشبابه للجنوح إلى التطرف, واعتقد أننا وسط كل ما سبق بحاجة إلى تأسيس وتنمية ثقافة تحارب هذا الانزلاق وتحد من قوته ولا محفل متاحا أمامنا أكثر من مجلس حقوق الإنسان للانتصار لقيم تعايش الإنسانية التي دعت إليها كل الأديان.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة