صفقة عزام.. أولى إرهاصات ما بعد عرفات   
الأربعاء 1425/11/10 هـ - الموافق 22/12/2004 م (آخر تحديث) الساعة 14:37 (مكة المكرمة)، 11:37 (غرينتش)


بقلم: خليل العناني

 

- تشريح القضية

- مناخ جديد

- تقييم التحرك المصري

 

"صفقة" أم ليست "صفقة"؟ سؤال لا يزال يتردد صداه في الشارع العربي، ويبدو أنه لن يخفت قريبا، وذلك عقب إفراج السلطات المصرية عن الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام الذي كان محتجزا في أحد السجون المصرية منذ عام 1997، وإطلاق إسرائيل مجموعة من الطلاب المصريين الذين "يقال" عنهم إنهم تسللوا إلى إسرائيل عبر الحدود المصرية الإسرائيلية في أغسطس/آب الماضي لإظهار تضامنهم مع الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

 

"
مصر لم تجن شيئا من وراء إطلاق عزام خصوصا في ظل تأكيدها أنه لم تكن هناك مبادلة "رسمية" لعزام بالطلاب المصريين الستة الذين كانوا محتجزين في إسرائيل
"
تشريح القضية

بغض النظر عن كون ما حدث صفقة أو مجرد "مصادفة" -حسب تعبير السلطات المصرية- يبقي أنه حدث وفي إطار من الوضوح والعلانية، وإن لم يخل من وقع المفاجأة لدى عقول المصريين قبل غيرهم من الشعوب العربية.

 

ودون الانسياق وراء هذا التحليل أو ذاك، فما يهمنا الآن هو تحديد أبعاد ما حدث ومعرفة تداعياته ليس على العلاقات المصرية الإسرائيلية فحسب، وإنما على طبيعة "الصراع" العربي الإسرائيلي برمته.

 

ويمكن القول نظريا إن من حق أي دولة أن تتخذ قرارا سياديا -حسب وصف البعض- يحقق مصالحها السياسية، شريطة أن تفوق مكاسب هذا القرار خسائره، إن لم يكن يقتصر على المكاسب فقط.

 

وبالتطبيق على القرار المصري الإفراج عن عزام يمكن القول إنه صائب نظريا، لكونه صدر عن أعلى سلطة في الدولة وهو الرئيس المصري حسني مبارك، أما كونه حقق مصلحة مصرية "عليا" فإن الأمر يحتاج لوقفة توضيحية.

 

فما جاء على لسان رئاسة الجمهورية المصرية هو أن قرار الإفراج عن عزام جاء في إطار حكم القضاء، وأن عزام تلقى حكما بالعفو لأنه قضى أكثر من نصف مدته.

 

وأثار تعاظم النفي المصري لوجود شبهة "الصفقة" أو "المقايضة" في المسألة شكوكا حول أبعاد القرار ولماذا جاء في هذا التوقيت تحديدا، خصوصا وأنه ليس هناك أي بادرة على تحسن العلاقات بين مصر وإٍسرائيل، بل علي العكس هناك حالة من الفتور ازدادت مؤخرا علي خلفية مقتل الجنود المصريين الثلاثة على أيدي قوات إسرائيلية على الحدود بين الطرفين، ناهيك عن كون القرار صدر عن الرئيس ذاته وليس عن سلطة قضائية أو برلمانية، وهو ما أكدته تقارير الخارجية الإسرائيلية التي أشارت إلى أن القرار صدر بناء على توجيهات الرئيس مبارك للسلطات المختصة بالنظر في عقوبة عزام.

 

وحسب بيان مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون فإن الرئيس مبارك "وفي بادرة شخصية منه لرئيس الوزراء الإسرائيلي، أمر السلطات المصرية المختصة بخفض مدة سجن الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام".

 

"
النية مبيتة لإحداث اختراق جديد في العلاقات بين مصر وإسرائيل باتجاه استعادة زخمها المعهود ولم يكن يعوقها سوى الظرف المناسب المتمثل في وفاة عرفات ثم قضية عزام
"
وهي فعلا ليست صفقة لأن هذا المفهوم ينطوي علي مكاسب مشتركة بين الطرفين، في حين أن مصر لم تجن شيئا من وراء إطلاق عزام، خصوصا في ظل تأكيد السلطات المصرية أنه لم تكن هناك مبادلة "رسمية" لعزام بالطلاب الستة الذين كانوا محتجزين في إسرائيل.

 

ويظل السؤال: إذا كان الأمر كذلك فلماذا أقدمت مصر علي هذه الخطوة؟ إجابة هذا السؤال قد تكشف كثيرا من أبعاد المسألة. وللإجابة عليه يجب النظر لمجموعة من الحقائق و"التحركات" التي سبقت قرار "العفو" وهي:

 

- تصريحات الرئيس مبارك قبل ثلاثة أيام فقط من إطلاق سراح عزام بأن "شارون أقدر رجل علي تحقيق السلام في المنطقة، إن هو أراد". وهو كلام حقيقي وفعلي بيد أنه جديد على اللهجة المصرية تجاه شارون تحديدا خصوصا في ظل الإجماع الرسمي والشعبي على أنه العقبة الأولى أمام السلام في الشرق الأوسط.

 

- صمت المسؤولين في مصر على إفشاء "سر" العفو، رغم ترديد بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية له قبل قرار العفو بيومين.

 

- الزيارة التي قام بها وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط ومدير المخابرات المصرية عمر سليمان لإسرائيل الأربعاء 1/12/2004، والتي كان مفترضا أن تتم الشهر الماضي، ووضح أن تأجيلها كان له علاقة بموضوع عزام.

 

- التمهيد لعقد اتفاقية للتجارة الحرة بين مصر وإسرائيل والولايات المتحدة، سيوقع عليها في منتصف ديسمبر/كانون الأول الجاري، وكأن الإفراج عن عزام ما هو إلا بالون اختبار لردة الفعل المصرية، وتهيئة الأجواء لتقبل التوقيع على الاتفاق الذي من شأنه أن يعد أول اتفاق مصري إسرائيلي بعد اتفاقية كامب ديفد عام 1978.

 

ماذا يعني كل هذا؟ وكانت النية مبيتة لإحداث اختراق "جديد" في العلاقات بين مصر وإسرائيل باتجاه استعادة زخمها المعهود، ولم يكن يعوقها سوى الظرف المناسب المتمثل في وفاة عرفات ثم قضية عزام؟

 

بتجميع الخيوط السابقة يتضح أن هذا التحول الدراماتيكي في الموقف المصري من إسرائيل لا يقف عند حدود استبدال جاسوس لا طائل من وراء احتجازه خصوصا وأنه سيخرج إن آجلاً أو عاجلاً، مقابل مجموعة من الطلاب، يقل عددهم عن أضعاف الأسرى المصريين والفلسطينيين في السجون الإٍسرائيلية، وإنما لابد من فهمه في سياق أوسع من هذا بكثير.

 

"
المنطقة على وشك الدخول في تحول نوعي جديد ربما لا يضارع ما أحدثته اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979 أو اتفاقات أوسلو سنة 1993 ولكنه على الأقل يختلف كليا عما هو سائد منذ أواخر عام 2000
"
مناخ جديد

من الصعب فهم ما حدث بين مصر وإسرائيل بعيدا عن محاولة البحث عن مناخ جديد ومخرج للمنطقة يستفيد كليا من وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات قبل أقل من شهر، ويحاول الخروج بها من حالة الجمود والثبات المسيطرة منذ توقف المفاوضات أواخر عام 2000، وهو ما يوحي بأن المنطقة على وشك الدخول في تحول "نوعي" جديد ربما لا يضارع ما أحدثته اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979 أو اتفاقات أوسلو سنة 1993، وإنما على الأقل يختلف كليا عما هو سائد منذ أواخر عام 2000.

 

ولنتبين حقيقة ما سبق يجدر ملاحظة الحقائق التالية وما تبعثه من إشارات:

أولا: لم يتوقف الحديث عن صفقة عزام عند مجرد تبادل "مصلحة" بين الطرفين المصري والإسرائيلي، وإنما تعدت التوقعات حاجز هذا الأفق نحو تسخين العلاقات المصرية الإسرائيلية الباردة عبر:

 

- الحديث الصريح عن عودة السفير المصري لإسرائيل عقب إجراء الانتخابات الفلسطينية المصرية، وكان قد تم سحبه أواخر عام 2000 احتجاجا على قمع إسرائيل الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

 

- تصريح وزير الخارجية الإسرائيلي سلفان شالوم بأن "صفقة" عزام ربما تكون الخطوة الأولى نحو التطبيع الكامل مع مصر.

 

- توقيع اتفاق الكويز الذي سبقت الإشارة إليه والذي تنظر إليه إسرائيل باعتباره خطوة هامة للخروج من نفق العزلة الاقتصادية مع جيرانها العرب.

 

- الحديث عن قرب توقيع اتفاق للغاز بين مصر وإسرائيل بما قيمته 2.5 مليار دولار ويضمن مد إسرائيل بالغاز المصري لمدة تصل إلى 15 عاما.

 

"
"صفقة" عزام ربما تكون الخطوة الأولى نحو التطبيع الكامل مع مصر
"
ثانيا: أعقب صفقة عزام الحديث عن "تفاهم" متعدد الأطراف لتحريك التسوية السلمية مع إسرائيل، واحتمالات عقد مؤتمر دولي في يوليو/تموز المقبل لإحياء عملية السلام رغم النفي الأميركي والإسرائيلي له.

 

ثالثا: "تلميح" وزير خارجية إسرائيل سلفان شالوم باحتمالات عودة العلاقات الاقتصادية مع عشر دول عربية جرى الاتفاق معها سريا حسب (يدعوت أحرونوت 7/12).

 

رابعا: يأتي ما سبق في إطار دعوات سورية متكررة لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل دون شروط مسبقة، و"التمنع" الإسرائيلي في قبولها.

 

هذه المؤشرات وما ستشهده الأسابيع القليلة المقبلة يشي بأن الأوضاع في المنطقة باتت تتجه إلى مصير مجهول، أقل ما يقال عنه أنه مبني علي حسابات مرحلة ما بعد عرفات. وهو مصير تصوغ إسرائيل جزءا كبيرا من ملامحه، وتحركه مصالحها بالطبع.

 

"
الأوضاع في المنطقة باتت تتجه إلى مصير مجهول أقل ما يقال عنه إنه مبني على حسابات مرحلة ما بعد عرفات
"
تقييم التحرك المصري

دون الخوض في المبررات، سواء تلك التي ساقها البعض لتبرير الموقف المصري من قضية عزام، أو تلك التي ترددت على ألسنة المراقبين والمحللين السياسيين، تظل هناك مجموعة من الحقائق قد تفيد في تقييم الدور المصري.

 

ودعونا نبتعد عن الدائرة الضيقة المتعلقة بكون الصفقة ذات نتائج "ثنائية" فقط، فهي تتعدى هذا الحاجز بكثير، ومن هذه الحقائق:

- أن الوضع الجديد في المنطقة حيث الاحتلال الأميركي للعراق وما يعنيه من الوجود الأميركي في خلفية أي قضية في المنطقة، هذا الوضع يتطلب البحث عن أي مخرج لتفادي ما هو أسوأ، خصوصا في ظل استمرار اختلال الموازين لمصلحة إسرائيل.

 

- هذا المخرج لابد أن يأتي من خلال موقف عربي، ليس من قبيل ما قامت به مصر فحسب، وإنما من خلال إعادة تقييم عربي شامل للموقف ومستجداته، بدلا من أن يفرض على المنطقة قسرا.

 

- التحرك تجاه هذا المخرج لا يجب أن يكون منفردا كما ترغب إسرائيل والولايات المتحدة، وإنما جماعي، لذا فإن أسوأ ما في "الاندفاعة" المصرية تجاه إسرائيل أنها ربما تكون قد بُنيت على حسابات خاصة، وربما مبادرة "لتحريك المياه" وفق تعبيرات البعض الرسمي في مصر وإسرائيل.

 

وما قد يؤخذ على التحرك المصري باتجاه إسرائيل هو أن هذه الأخيرة تبدو هي المستفيد الوحيد حتى الآن مما حدث، وهناك من يرى أن مصر قد أعطت قبل أن تأخذ، فلا إفراج عن المعتقلين الفلسطينيين حدث، ولا صرف لمستحقات السلطة الفلسطينية المجمدة تم، والحديث "الإيجابي" عن تسهيل الانتخابات الفلسطينية يمتزج بنفس نكهة التصريحات الشارونية حول إخلاء المستوطنات غير الشرعية.

 

"
ما يؤخذ على التحرك المصري باتجاه إسرائيل هو أن هذه الأخيرة تبدو هي المستفيد الوحيد منه حتى الآن بل إن مصر قد أعطت قبل أن تأخذ
"
ويظل السؤال الملح: هل ثمة تغير ملموس طرأ على الدور المصري في قضية الشرق الأوسط؟ وهل نحن على أعتاب دور مصري جديد تختلف ملامحه عما سبق؟

 

المؤشرات التي سقناها من قبل ربما تدفع في اتجاه الاعتقاد بأن ثمة "ضغوطا" مقصودة وغير مقصودة تواجهها مصر وتدفع باتجاه ضرورة إعادة النظر في المسألة برمتها.

 

ومحددات الدور المصري معروفة سلفا، ولكنها تثير تساؤلات مشروعة في هذه المرحلة المهمة، ومنها:

- مصر هي الدولة العربية القادرة علي تحريك مسار القضية الفلسطينية، لكن في أي اتجاه يظل هو السؤال؟

 

- مصر هي الدولة العربية الوحيدة التي تمتلك علاقات قوية مع إسرائيل مقارنة بغيرها من الدول العربية، وبالتالي تمتلك أدوات للتأثير قد لا تمتلكها بقية هذه الدول. فكيف يتم استغلال هذه الأدوات؟ يظل أيضا سؤالا محيرا.

 

- مصر في مرمى حجر من الأزمة الفلسطينية الإسرائيلية، ومن مصلحتها بأي شكل كان الأمر لجم التوتر والبحث عن "أي" صيغة لخلخلة الموقف بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. لكن إلي أي مدى؟ سؤال ثالث مهم.

 

- مصر ترتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، وستتوثق أكثر بعقد اتفاق التجارة الحرة بينهما بالإضافة إلى إسرائيل، وهو ما يعني أن وجهة النظر المصرية قد تلقى إنصاتا أكثر من أي طرف آخر. لكن وماذا بعد الإنصات؟ سؤال رابع.

 

إجابة هذه التساؤلات وغيرها يمكنها أن تكشف كثيرا من أبعاد التقارب المصري الإسرائيلي الأخير، الذي كانت صفقة عزام أحد ملامحه.

________________
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة