ما جدوى العملية التفاوضية؟   
السبت 28/12/1434 هـ - الموافق 2/11/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:42 (مكة المكرمة)، 12:42 (غرينتش)
ماجد كيالي


 
ما جدوى العلمية التفاوضية إذا كان الإسرائيليون هم الذين يقرّرون جدول أعمالها، وأولوياتها، وشروطها، وتفاصيلها، ومآلاتها؟ هذا هو السؤال الكبير الذي بات مطروحا منذ عقد اتفاق أوسلو (1993)، بين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية.

ومع كل الإجحاف -الذي تضمنه الاتفاق بالنسبة لحقوق الفلسطينيين- فقد بات الأمر مطروحا بصورة أكثر إلحاحا منذ تبين بالتجربة أن إسرائيل إنما تتفاوض مع نفسها، وأن الطرف الفلسطيني لا يقدم ولا يؤخّر في هذا الأمر، وأنه مجرّد ديكور أو "طربوش" في هذه العملية لتزيينها أو للتغطية عليها، وإظهارها كأنها عملية سياسية تتم بين طرفين "متكافئين"، وهو ما أدى بالفلسطينيين للذهاب نحو الانتفاضة الثانية (2000ـ2004).

هكذا أضحى من غير المفهوم إصرار الطبقة السياسية الفلسطينية السائدة بقيادة محمود عباس أبو مازن -وهو رئيس السلطة والمنظمة و"فتح"- على اعتبار المفاوضات بمثابة اللعبة الوحيدة في مجال الصراع مع الإسرائيليين، رغم مرور عقدين على توقيع اتفاق أوسلو، ورغم كل التنازلات التي بذلت في غضون ذلك من الفلسطينيين، من دون أن يتزحزح قادة إسرائيل قيد أنملة عن مواقفهم، باستثناء طرح بعض المواقف اللفظية، التي لا تقدم ولا تؤخّر على صعيد الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

أضحى من غير المفهوم إصرار الطبقة السياسية الفلسطينية بقيادة أبو مازن على اعتبار المفاوضات بمثابة اللعبة الوحيدة في مجال الصراع، رغم مرور عقدين على أوسلو، ورغم التنازلات التي بذلها الفلسطينيون في غضون ذلك

ومع ذلك، ينبغي ملاحظة أن الوضع على الصعيد الإسرائيلي بات أكثر تعقيدا وصعوبة من أي وقت مضى في ما يتعلق بالتسوية مع الفلسطينيين، فهذه لم تعد ترتبط بما يريده رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو المعروف بـ"تسويفاته" و"تهرّباته"، واعتقاده فكرتيْ: "الأمن أولا"، و"السلام الاقتصادي"، ومعارضته اتفاق أوسلو، وإنما بات يشمل أطيافاً سياسية أخرى في الحكومة وفي حزب "الليكود" الحاكم تعتبر أكثر تطرفا وعنصرية منه.

وعدا عن المستوطنين -الذين بات عددهم يقدر بنحو 600 ألف في الضفة والقدس الشرقية، ويقطنون في مستوطنات تقضم مناطق واسعة من أراضي الفلسطينيين، مما يحول الكيان الفلسطيني إلى مناطق مقطّعة الأوصال- ثمة على الصعيد الإسرائيلي أيضا تفاعلات كبيرة وعديدة، تسدّ خيار الدولة الفلسطينية المستقلة، وتجعل من الخيار التفاوضي مجرد متاهة، أو علاقات عامة.

ومن ذلك كله يمكن استنتاج أنه لا جدوى البتة من أية عملية تفاوضية جديدة، لأن القيادة الفلسطينية لن تحقّق شيئا منها، لا سيما أنها سلّمت سلفا وجهارا -مرارا وتكرارا- بأنه ليس لديها سوى خيار المفاوضات، بعد استبعاد أية أوراق قوة أخرى، وأية خيارات بديلة.

والذهاب إلى المفاوضات في الظروف العربية والدولية الراهنة لن ينتج شيئا، إذ سيكون الفلسطينيون وحدهم في مواجهة الإسرائيليين، ومن دون أي إسناد فاعل كما هو حاصل.

تأسيسا على ذلك، تبدو القيادة الفلسطينية -في تجاوبها مع دعوات استئناف المفاوضات بهذه الحجة أو تلك- منفصمة عن الواقع الفلسطيني والعربي والدولي والإسرائيلي، تتصرف وكأن العالم ما زال يقف عند لحظة توقيع اتفاق أوسلو (1993)، وكأن ليس ثمة مياه كثيرة جرت في هذا النهر.

طبعا، لا تكمن المشكلة في انتهاج خيار المفاوضات في حد ذاته، فهذا الخيار تصل إليه كل الصراعات، بما فيها تلك التي تخوضها حركات التحرر الوطني، وإنما المشكلة تكمن في اعتباره بمثابة الخيار الوحيد والحصري، مع تعمد القيادة الفلسطينية نبذ أي خيار آخر، سواء كان بديلا له أو موازيا له.

كذلك فإننا لا نأتي بجديد بتكرارنا القول بأن العمليات التفاوضية -لا سيما في قضايا صراعية بحجم قضية الصراع الفلسطيني/الإسرائيلي- لا تحل بمجرد مناشدات، ولا بإبداء تنازلات أو بإثبات حسن النية، فمثل هذه الصراعات تحتاج إلى رؤى سياسية وأدوات "صراعية" أخرى، لا يبدو أن القيادة الفلسطينية معنية بها، بعد أن تقادمت واستهلكت وقدمت ما عندها.

المشكلة أن القيادة الفلسطينية بتجديدها المسار التفاوضي تبدو وكأنها تتصرف على النحو الذي يعيد إنتاج "اتفاق أوسلو" جديد، بعد أن نجمت عن السابق مخاطر كثيرة على شعب فلسطين وقضيته وحركته الوطنية.

فهي مثلا، لم تثبت على شرطها المتعلق بوقف الأنشطة الاستيطانية وعدم شرعيتها، ولا على اعتبار قرارات المجتمع الدولي المتعلقة بقضية فلسطين مرجعية تفاوضية.

والأنكى أنها تكرر ذات التجربة بإضفائها طابع السرية على هذه المفاوضات، مما يجعل التقرير في شأن قضية فلسطين ومصير شعبها بأيدي بضعة أشخاص في غرف مغلقة، من دون صلة بالشعب الذي دفع باهظا من معاناته وعمره ثمن نهوض حركته الوطنية طيلة نصف قرن تقريبا، لا سيما أننا نتحدث عن واقع يفتقد تقاليد المشاركة الشعبية والإجماعات الوطنية، ويعاني ضعف الأطر القيادية وتهميش الهيئات الشرعية.

ومن الأساس، فإن هذه القيادة -وهي تخوض معمعة المفاوضات مجددا- معنية بتقديم إجابات على بعض التساؤلات بشأن واقع الفلسطينيين قبل عقد اتفاق أوسلو وقيام كيان السلطة، وبعد عقد هذا الاتفاق.

ومن هذه التساؤلات مثلا ما يتعلق بالاحتلال في الضفّة وغزة: هل قل ونقص أم ازداد رسوخا؟ هل نقصت مساحة المستوطنات وقلّ عدد المستوطنين أم باتت المساحة أكبر والأعداد أكثر بكثير؟ وهل بات جيش الاحتلال والمستوطنين في الأراضي المحتلة أقلّ أمنا أم أكثر أمنا؟ 

واضح أن لا شيء حقيقيا أو ملموسا لصالح إنصاف الفلسطينيين في العملية التفاوضية الجارية، فإسرائيل ما زالت تتمسك بشروطها وبإملاءاتها، وبرؤيتها الخاصة لعملية التسوية مع الفلسطينيين
ثم من جهة الفلـسطينيين، هل بات هؤلاء في الضفة والقطاع، أكثر أم أقل حرية وأمنا؟ وهل باتوا أكثر وأحسن قدرة على مواصلة كفاحهم أم باتوا أكثر تقييدا وأقل قدرة؟ ثم هل أوضاعهم داخل الأرض المحتلة وخارجها أضحت أقل سوءاً أم أكثر؟ وهل وضع منظمة التحرير والفصائل أفضل مما كان من قبل؟ وهل الهوية الوطنية للفلسطينيين باتت أكثر رسوخا أم أنها تتعرّض للتفكّك والتصدّع؟ وهل مكانة قـضيتهم أضحت أفضل عربيا ودوليا بعد قيام السلطة أم أنّها تتعرّض للتبدّد والتآكل؟

وأخيراً، هل بات الفلسطينيون أكثر قدرة على التأثير في الرأي العام الإسرائيلي وإثارة التناقضات بين الإسرائيليين من ذي قبل أم أقل؟ وهل باتوا أكثر قربا من تحقيق أهدافهم المشروعة -ولو على مستوى الأهداف التي أقرّ لهم بها المجتمع الدولي- أم أكثر بعدا؟

طبعا، هذه الأسئلة لا علاقة لها برفض أو قبول المفاوضات من حيث المبدأ كما سبق أن ذكرنا، وإنما بكيفية فهم هذه المسألة والتعامل معها، باعتبارها جزءا من العملية "الصراعية"، وطريقا لتحقيق الأهداف الوطنية لا لتبديدها.

فما أهمية المفاوضات وإقامة السلطة إذا كان ذلك سيؤدي إلى تفكيك الحركة الوطنية الفلسطينية قبل تحقيق هدف الاستقلال الوطني مثلا؟ وما أهميتها إذا كانت تنطوي على المخاطرة بقتل معنى القضية الفلسطينية وتقويض مفهوم وحدة الشعب الفلسطيني؟ ومن الرابح حينئذ: إسرائيل أم الفلسطينيون؟
واضح أن لا شيء حقيقيا أو ملموسا لصالح إنصاف الفلسطينيين في العملية التفاوضية الجارية، فإسرائيل ما زالت تتمسك بشروطها وإملاءاتها، وبرؤيتها الخاصة لعملية التسوية مع الفلسطينيين.

فمن الناحية الإسرائيلية ثمة كلام بشأن إعطاء الفلسطينيين حقهم في إقامة دولتهم في الضفة والقطاع، ولكنها تتلاعب بذلك في حديثها عن تبادل الأراضي الذي وافقت عليه القيادة الفلسطينية سلفا بغطاء عربي تمثل في موقف "لجنة المتابعة العربية للسلام"، التي أعطت موافقتها على ذلك لجون كيري في واشنطن (أواخر أبريل/نيسان الماضي).

أما البنود الأخرى، فهي إما مجرد قضايا إجرائية، أو ليست لها أهمية تفاوضية لكونها غير ملزمة وليس لها معنى سياسي، بدليل مواصلة إسرائيل لأنشطتها الاستيطانية، فقط قضية تحرير الأسرى -الذين كان ينبغي أن تطلقهم إسرائيل منذ زمن- هي القضية الملموسة هنا.

وتفيد التسريبات المتعلقة بالخطوط التفاوضية المتداولة أن التركيز يجري في هذه المرحلة على ثلاث قضايا هي: الحدود والترتيبات الأمنية وتحسين الأوضاع الاقتصادية لفلسطينيي الأرض المحتلة، مع تأجيل قضيتيْ اللاجئين والقدس في حال لم يتم التوافق بشأنهما، علما بأن القيادة الفلسطينية قبلت مقترحات كلينتون (طابا 2001)، وبحل متوافق عليه لقضية اللاجئين وفق "المبادرة العربية"، وباقتراح وجود إدارة دولية للقدس.

الآن، وفي ما يخص القضايا الثلاث المذكورة، فإن الطرف الإسرائيلي يطالب في مجال الأمن مثلاً بالسيطرة على منطقة الأغوار لعقود، مما يعني إبقاء سيطرته على المعابر وعلى الحدود مع الأردن، وإبقاء المستوطنات والقواعد العسكرية والطرق الموصلة إليها، وإقامة محطات الإنذار المبكر على رؤوس سلسلة السفوح الشرقية للضفة الغربية في منطقة تشكل ثلث مساحة الضفة، علما بأنها تضم مناطق استثمارية زراعية لإسرائيل أيضا.

أما في ما يخصّ الحدود، فإن إسرائيل تطالب بجمع الغالبية العظمى من المستوطنات والبؤر الاستيطانية ضمن كتل للحفاظ على بقائها تحت السيادة الإسرائيلية، لكن الحديث هنا لا يدور عن كتلة أو اثنتين وإنما عن قرابة عشر كتل استيطانية تشمل تلك الواقعة في قلب الضفة مثل مستوطنة "بيت إيل" قرب "البيرة"، ومستوطنات نابلس مثل "آلون موريه" و"يتسهار" و"إيتمار" وغيرها، ومستوطنات بيت لحم والخليل، ناهيك عن مستوطنات القدس، ويعني بقاؤها تحت السيادة الإسرائيلية منع إقامة دولة فلسطينية متصلة لأنها تحول التجمّعات الفلسطينية إلى جزر متناثرة.

وبشأن "التشجيعات" الاقتصادية، فهي تتضمن استمرار التدفقات من الدول المانحة، وتشجيع الاستثمار في الأراضي المحتلة، وتخفيف القيود الإسرائيلية على الأنشطة الاقتصادية، وعلى التبادلات التجارية.

إن القيادة الفلسطينية باستمرائها واقعها كسلطة على حساب كونها قيادة حركة تحرر وطني، ومع ارتهانها لعملية التسوية وللدول المانحة، وعدم بحثها عن خيارات أخرى أو موازية، ما عاد يهمها سوى تعزيز مكانة كيانها السياسي ولو كان ذلك على حساب قضية فلسطين
على أنه ليس ثمة -في ما يجري- ما يؤكد أن إسرائيل ستتخلّى عن نهجها في فرض الأمر الواقع، فلا موازين القوى تغيرت، ولا الإسرائيليون باتوا أكثر ميلا للتسوية مع الفلسطينيين عن طيب خاطر.

أيضا، ليس في الوضع الدولي ما يفيد بالضغط على إسرائيل أكثر من السابق، أما الوضع الفلسطيني والعربي فهو غير ملائم البتة لتسوية جديدة تكون أكثر إنصافا للفلسطينيين، وأكثر عدلا بالنسبة لحقوقهم.

وعلى الأرجح، فإن القيادة الفلسطينية باستمرائها واقعها كسلطة على حساب كونها قيادة حركة تحرر وطني، ومع ارتهانها لعملية التسوية وللدول المانحة، وعدم بحثها عن خيارات أخرى أو موازية، وفي ظل غياب المشاركة الشعبية، وضعف الإطارات الشرعية والمؤسّسية، ما عاد يهمها سوى تعزيز مكانة كيانها السياسي في الضفة والقطاع، بغض النظر عما إن كان ذلك على حساب قضية فلسطين ووحدة شعبها.

يتراوح مستقبل المفاوضات الجارية بين عدة احتمالات: أولها، بقاء الحال على ما هو عليه بسبب عدم قدرة الطرف الفلسطيني على بلع الاشتراطات الإسرائيلية، وضمنها ما يتعلق بالقدس والاعتراف بيهودية إسرائيل.

وثانيها، عدم التوصل إلى اتفاق في المفاوضات، مما يدفع إسرائيل للقيام بخطوة أحادية الجانب تفرض من خلالها تصوراتها للحدود في الضفة.

وثالثها، التوصل إلى اتفاق جزئي مؤقت في قضايا الحدود والاستيطان والترتيبات الأمنية.
ورابعها، التوصل إلى اتفاق حول كل القضايا (وهو أمر مستبعد)، مع تضمن ذلك تنازلات خطيرة من الجانب الفلسطيني.

هكذا في كل هذه الاحتمالات لا يمكن تصور نجاح الفلسطينيين في فرض ما يريدونه ولو على مستوى تلبية الحد الأدنى من طموحاتهم الوطنية، ناهيك عن أن أي اتفاق قد يحصل سيؤدي إلى كسر مفهوم الوطنية والهوية الفلسطينيين.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة