العلمانية والديمقراطية في المشهد السوري   
الثلاثاء 1428/9/6 هـ - الموافق 18/9/2007 م (آخر تحديث) الساعة 16:27 (مكة المكرمة)، 13:27 (غرينتش)


أكرم البني

لا يحتاج المهتم بالشأن السوري إلى كبير جهد كي يلحظ الموقع الخاص والمتقدم الذي يحفل به ملف العلمانية في الحوارات الدائرة اليوم داخل الأوساط السياسية والثقافية، ربما كرد مباشر على تنامي مشاعر القلق والخوف من التطرف الديني الذي بات يصول ويجول في أكثر من مكان ومحلة من بلدان الجوار، أو ربما كرد غير مباشر على الخلافات التي شهدتها تركيا بين العلمانيين والإسلاميين قبل الانتخابات البرلمانية وبعدها، ثم انتخاب عبد الله غل رئيساً للجمهورية إثر فوز حزب العدالة والتنمية بغالبية مقاعد البرلمان.

"
إذا سلمنا بأن العلمانية هي فصل الدين عن الدولة أو استقلال السلطة في التشريع وإدارة الحكم عن المؤسسة الدينية، فهذا لا يعني بأي حال إلغاء الدين أو إبعاده من المجال الاجتماعي بل العمل فقط على إخراج الدولة والتنظيم الاجتماعي من سيطرة الممارسة الدينية
"
فما جرى هناك لا يخص هذا البلد وحده بل يعني بلداننا العربية جميعها، بالأخص سوريا الأقرب جغرافياً، ويثير العديد من الأسئلة الإشكالية لأوضاع متشابهة تنتظر أجوبة وإيضاحات، وبخاصة حول الموقف من العلمانية وعلاقة الدين بالدولة وبالسياسة، عند مجتمعات يتميز طابعها الثقافي الخاص بتشرب الدين شعبياً في بناها.

بداية، إذا تجاوزنا بديهيات في العلاقة بين الفكرة والواقع استقرت في الخبرة الإنسانية، ولم تعد موضوعاً للجدل والمماحكة، فيجب الحذر من الانجرار نحو فهم مسبق للعلمانية غالباً ما تمليه اعتبارات أيديولوجية تهمل ضرورة التعمق في دراسة أوضاع كل مجتمع على حدة وقراءة هذا المفهوم كحالة ملموسة بعيداً عن التقليد الأعمى لما حصل في الغرب.

فالعلمانية كفكرة حية تشتق مبادئها مما يتصل بالنشاط الإنساني الملموس وليس فقط من قيم مجردة، الأمر الذي يتطلب موضوعياً نزع القداسة عنها وإعادة تعريفها بما ينسجم مع طابع مجتمعاتنا، مما يعني تشجيع ما يطرح من أفكار ونماذج تحديثية ذات خصوصية ترفض التسليم بحرفية ما قدمته التجربة الأوروبية عن الفكر العلماني واعتبارها الوحيدة التي تملك الحلول العقلانية والصحيحة في رسم العلاقة بين الدين والدولة.

ففي الغرب نفسه ثمة علمانية وعلمانية، وعلى سبيل المثال يختلف النموذج الفرنسي عن النموذج الأميركي في فهم تمظهر العلمانية كقيمة ومحددات ومدى حضورها في رسم وقوننة هامش الحريات الشخصية المتاح وتحديد الضوابط الدستورية التي تحول دون هيمنة الدين والقوى الدينية على الحياة والدولة والخطاب السياسي.

ربما آن الأوان لأن نعترف بانحسار الأيديولوجيا والتصورات المسبقة كخيار معرفي ونضالي، والإقرار بلاجدوى خوض السجالات في مستوى النصوص والأفكار لإثبات صحة هذا المفهوم أو ذاك، مما يعني إعادة صياغة دور المعرفة في الحياة وتقدم مبدأ توظيف المنهج العلمي وتطبيقاته العملية من أجل تفسير الواقع الحي وتحليله كظواهر ومشكلات محددة، وتالياً بناء التصورات والمفاهيم، ومنها العلمانية في ارتباطها بالتاريخ الحي في سياق تحولات الأحداث وتطورها كما تجري على أرض الواقع لا كما ترسمها العقول والرغبات.

وإذ نتفق على تعريف العلمانية، من حيث الجوهر، بأنها فصل الدين عن الدولة، أو استقلال السلطة في التشريع وإدارة الحكم عن المؤسسة الدينية، فهذا لا يعني بأي حال إلغاء الدين أو إبعاده من المجال الاجتماعي بل العمل فقط على إخراج الدولة والتنظيم الاجتماعي من سيطرة الممارسة الدينية.

وينتج عن ذلك إخراج الممارسة الدينية من سيطرة السياسي ورعايتها في إطارها الحيوي كحق وخيار شخصيين، مثلما لا يعني ذلك أن نغض النظر عن ظواهر موضوعية يمكن أن يفرزها المجتمع في المستوى الراهن من تطوره، ولا تزال تجد خلاصها في هذا المستوى أو ذاك من الربط بين الدين والسياسة.

لكن المؤسف هو أن تغدو العلمانية بالنسبة إلى البعض أشبه بنمط حياة وشيئاً كلياً مقدساً نافياً للآخر، فثمة من يريد استبدال المرجعية الدينية بفكرة موازية وبمرجعية أخرى ويسوغ كل الوسائل لحمايتها والدفاع عنها، وكأنه يدعو إلى إنشاء تدين جديد علماني مشبعاً بالنرجسية والأصولية وحتى بالعنف.

وما يزيد الطين بلة هو أن تتطور العلمانية على أيدي هؤلاء لا كنظرية في فصل الدين عن الدولة، ولا حتى كاجتهادات في خصخصة القرار بالشأن الديني وتمييزه عن الحيز العام، بل كموقف إقصائي، عصبوي متشدد من الإسلام الحركي ومن نجاح التيارات السياسية الدينية في التغلغل الشعبي والحشد، فيسارع إلى الإطاحة بأهم المسلمات عن علاقة الفكر بالواقع واحترام الآخر، ويدفع اشتراط نجاح العلمانية بالديمقراطية وبعقلنة السياسة إلى مهب الريح.

هذا توجه خاطئ وخطر في آن واحد، خلق مسافة غير صحية بين العلمانية وما تفرضه من التزامات وتفسير خاص للحياة والثقافة والسياسة وبين الديمقراطية، وبخاصة لجهة منحها الأولوية على ما عداها، الأمر الذي يطرح سؤالاً كبيراً عن صدقية بعض القوى العلمانية، ومدى جدية دعوتها للحرية والتعددية، وإلى أي حد تسوغ لنفسها أن تمارس ما تعيبه على الآخرين حين تستسهل التضحية بالديمقراطية كقاعدة للتفاهم والحياة هي الأشمل والأغنى لحساب رؤية فكرية أحادية تمثلها العلمانية.

"
تعليق الآمال على العلمانية دون طرح الإصلاح السياسي الديمقراطي كأولوية أشبه بوضع العربة أمام الحصان، إذ لا أفق لانتصار العلمانية واجتهادات الإصلاح الديني في أجواء يرعاها الاستبداد وتغيب عنها الحريات الفكرية والتعددية
"
صحيح أن الحوارات والسجالات عن العلمانية استحضرت مزيداً من الشكوك حول صدقية التيارات السياسية التي تستمد من الدين أصولها ومرجعيتها، وأيضاً مزيداً من الارتياب في حقيقة إيمانها بالديمقراطية وقدرتها على احترام التنوع والاختلاف.

وصحيح أنها ليست قليلة أو محدودة الأمثلة التي صار يستند إليها البعض للطعن في قوى الإسلام السياسي عموماً والسخرية من إمكانية أن تخرج من جلدها وتغدو ديمقراطية ومعتدلة، هذا إذا لم يسارع إلى اتهامها بالعمى والتحجر وبأنها تشكل القاعدة الفكرية والاجتماعية لنمو وترعرع الأصولية والتطرف.

لكن الصحيح أيضا هو أنه ومثلما يتهم العلمانيون تيارات الإسلام السياسي بأنها خطر على المجتمع تهدد بأخذه رهينة لمطامعها، يعتبر الناشطون الإسلاميون فرض أي فكرة تتناقض مع مفاهيمهم على المجتمع تضر بهم وبما يعتبرونه حقاً لهم وخصوصية.

ولا نعرف كيف ينصب طرف ما من نفسه دون الآخرين مرجعاً أحادياً ووصياً على المجتمع، ولأي سبب ينبغي أن نصدق ادعاءاته بأنه حامي حمى العلمانية وأنه لا يعمل، تحت ذريعة حماية الشعب من اضطهاد القادة الدينيين، على توجيه الأمور نحو اضطهاد آخر يخدم مآربه ومصالحه الخاصة.

لقد درجت العادة في ثقافتنا القديمة على استخدام الديمقراطية سلاحاً تكتيكيا، أو وسيلة للوصول إلى الحكم ثم الانقلاب عليها وتبرير الاستئثار بالسلطة تحت حجج وذرائع شتى.

وفي إطار هذه الثقافة يصح التشكيك المسبق في تيارات وجماعات استسهلت تحت العباءة الدينية مصادرة كل شيء وحاولت قصر الإسلام في حركة سياسية تخوض الصراع ضد الآخر انطلاقاً من الفروق الدينية لا من منطق ماهية هذا الآخر ووظيفته الموضوعية في المجتمع.

لكن لا يجوز تعميم هذا الموقف على مروحة وتشكيلة واسعة من ظاهرة الإسلام السياسي، بل على العكس يجب البحث عن الاختلاف والاستثناء، وإظهاره وإشهاره، كما هو حال التجربة التركية مثلاً، بصفته الأساس الذي يفترض أن تبنى عليه مرحلة لا مناص من خوضها تفترض التعايش مع تيارات من الإسلام السياسي لا تزال تملك وزناً ودوراً كبيرين في المجتمع.

كذلك لا يجوز دفع الأمور إلى تطرف مقابل وتأجيج التعارض والالتباس بين الاحتكام لمبادئ الديمقراطية من جهة ورفض ما تأتي به إذا كان يعارض أفكارنا ومواقفنا من جهة أخرى، بدلاً من تقديم أولوية الديمقراطية، مهما تكن نتائجها، وتربية النفس والآخر على الثقة بقواعدها وبقدرتها على تصحيح أي مسار خاطئ أو أي اندفاعة قسرية تسوق الأمور خارج هذه القواعد، نحو الاستئثار والتطرف والرؤى الذاتية الضيقة.

وبعبارة أخرى تتنافى أبسط مبادئ الديمقراطية مع إقحامها في أي غرض أو غاية سياسية، فلا اشتراطات لضمان صحة الحياة الديمقراطية وعافيتها سوى الإيمان بها والالتزام بقواعدها وقوانينها، ومن الخطأ والخطر تقديم أي فكرة أو رؤية سياسية عليها مهما تكن من وجهة نظر صاحبها صحيحة وصائبة.

تأسيساً على ما سبق يمكن أن تتفهم الآراء التي أبدت مخاوف مشروعة من أن يكون الهدف المضمر من وراء تسليط الأضواء على الفكر العلماني على أهميته وحيويته، هو حرف الأنظار عن المسألة الديمقراطية وأولويتها، ربما لتشويه الاصطفافات من مشاريع الإصلاح السياسي ودفع الأمور في مسارات جانبية لا تمت إلى عملية التغيير الديمقراطي بصلة، وتخدم أصحاب السلطة والمنافع والمدافعين عن الوضع القائم.

ففي بلاد كبلادنا ما نحتاجه أولاً، هو الديمقراطية، لا لمعالجة ما نعانيه من أزمات ركود وتخلف فقط، وإنما لضمان نجاح الإصلاح الديني الذي صار حاجة ماسة في مجتمعاتنا، ودونه يصعب التأسيس لمفهوم حي عن العلمانية، وأيضاً لأن الدولة العلمانية لا تقوم بغير التراضي والاحتكام إلى الديمقراطية كقواعد وآليات، ولأن العلمانية لا يمكن أن تتفتح إلا بصفتها قاعدة للتوافق على عقد اجتماعي يرضي الجميع.

"
المناخ الذي يصادر حرية الفكر ويستعبد الآخر ويتنكر لحقوقه ويرفض الخضوع للعقل النقدي هو المناخ الذي يمنح التطرف قدرة أكبر على التوغل في السياسة والمجتمع
"
وتصبح الديمقراطية مشوهة وهدامة عندما تفرض من فوق أو بالقوة والعنف من قبل طرف دون احترام الخيار الديمقراطي، مما يحث الجميع على نصرة علاقة صحية بين العلمانية والديمقراطية تبدأ برفع راية الديمقراطية كنمط حياة يجب تعزيزه وتطويره، مروراً بنقد الإرث العلماني المستند إلى الممارسات القهرية تجاه الحركات السياسية المرتبطة بالثقافة التاريخية للمجتمعات المسلمة، وتخليص المجتمع من التطرف والإرهاب الأصولي ومن الاستبداد العلماني على حد سواء.

في الماضي تم تغييب الديمقراطية وأهمل دورها في معالجة ما نعانيه من ركود وقهر وفساد، واتجه النتاج الثقافي والنشاط السياسي بصورة رئيسة نحو مسألتين، تعلقت الأولى بالوطن والقومية، وبالأخص القضية الفلسطينية وبناء الوحدة العربية، وارتهنت الثانية إلى البعد الاجتماعي والتطلع نحو مجتمع العدالة والمساواة والقضاء على الاستغلال.

وكانت النتائج حالنا الراهنة التي تثير الشفقة، ولا نعرف اليوم هل قد بدأنا نشهد –وللأسف- ولادة خيار جديد يرغب في إرجاء الاستحقاق الديمقراطي مرة أخرى، ويجد في العلمانية الحل السحري لجميع مشاكل المجتمع ويجاهد كي يفرض هذا الخيار على الجميع.

إن تعليق الآمال على العلمانية دون طرح الإصلاح السياسي الديمقراطي كأولوية، أو التقليل من اعتباره أساساً لنهضة مجتمعاتنا أشبه بوضع العربة أمام الحصان، إذ لا أفق لانتصار العلمانية واجتهادات الإصلاح الديني في أجواء يرعاها الاستبداد وتغيب عنها الحريات الفكرية والتعددية وتحكمها شروط وصلت إلى حد أن بعض التيارات السياسية لا يعتبر فقط غير مهيأ للتعايش مع الآخر أو الاستماع لاجتهاداته، بل يرى في نفي هذا الآخر واستئصاله واجباً لا يؤجل.

وعند الاعتراف بدور الإصلاح الديني في نصرة العلمانية وأهمية وصله وتغذية استمراره بعد انقطاع دام عقودا، ثمة ضرورة للتذكير بدليل تاريخي يقول إن أزهى فترات الإصلاح الديني تمت في مناخ ديمقراطي نسبيا، وأن أجواء الحرية الفكرية والسياسية هي التي ضمنت تفتح النقد والإبداع وسمحت للمجتهدين بطرح أجرأ الاجتهادات والتفسيرات الدينية، حتى وصلت عند بعض المصلحين إلى عرض رؤية شبه متكاملة، أو لنقل بديل يقارب أن يكون شاملاً من تلك المسلمات الخاطئة، الدينية والفقهية التي عششت في عقول المسلمين أمداً طويلاً، ولا يزال بعضها راسخاً حتى يومنا هذا.

فالمناخ الذي يصادر حرية الفكر ويستعبد الآخر ويتنكر لحقوقه، ويرفض الخضوع للعقل النقدي هو المناخ الذي يمنح التطرف قدرة أكبر على التوغل في السياسة والمجتمع، لتظهر الأمور أشبه بمعادلة بسيطة تقول إن مقارعة الأصولية الفكرية والإطلاق المعرفي لا تتحقق إلا برفض الاستبداد السياسي والاستناد إلى نظام ديمقراطي يحضن موضوعياً طرائق المعرفة النسبية، ويبعث روحياً وسياسياً مفهوم دولة المواطنة المدنية وأسها احترام التعددية وحقوق الإنسان وحرياته في الرأي والتعبير والاجتهاد.
__________________
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة