ثقافة السلاح الأميركية والتعديل الثاني للدستور   
الجمعة 27/9/1437 هـ - الموافق 1/7/2016 م (آخر تحديث) الساعة 12:24 (مكة المكرمة)، 9:24 (غرينتش)
عبد الله علي إبراهيم


التعديل الثاني وتفسيراته
دورة الصراع الجديدة
ثقافة العنف.. حقيقة أم اختلاق؟
أقل حقول الموت خطرا
لكل حق حدود

دخلت أميركا بعد مأساة أورلاندو التي قتل فيها الأميركي من أصول أفغانية مسلمة عمر متين 49 مرتادا لناد للمثليين بالمدينة، في طور جديد من النزاع فيها حول التشريع لتقنين حمل السلاح للمدنيين.
ويدور هذا النزاع بسبب انقسام الرأي بين المحافظين الجمهوريين والليبراليين الديمقراطيين حول تفسير التعديل الثاني من وثيقة الحقوق للدستور الأميركي الخاص بحق المدنيين في اقتناء السلاح وحمله.

التعديل الثاني وتفسيراته
صدر هذا التعديل ضمن 10 تعديلات في وثيقة الحقوق الأميركية عام 1791. وجاءت هذه التعديلات في أعقاب اصطراع للمشرعين الأميركيين حول وجوب صدور وثيقة للحقوق المدنية بعد إجازة دستورهم في 1788 تضمن للناس ألا تستبد الحكومة عليهم. وغلب من رأوا بوجوب مثل هذه الوثيقة.

ومن أشهر هذه الحقوق بالطبع ما جاء في التعديل الأول الذي منع الدولة أن تتبنى دينا أو أن تمنع متدينا من ممارسة دينه، وكفلت حق التعبير وحرية الصحافة والاجتماع السلمي للاحتجاج ورد المظالم.
ونص التعديل الثاني -وهو موضوعنا- كالآتي:

"لما كانت المليشيات الحسنة التنظيم ضرورية لأمن الدولة الحرة، فلا يجوز مصادرة حق الناس في اقتناء السلاح وحمله".

video
وذهب الأميركيون في تفسير هذا الحق مذاهب. وهي المذاهب التي تقف وراء الصراع المتكرر حول التشريع لتقنين حيازة المدنيين للسلاح؛ فمنهم من قصر الحق في حمل السلاح على الولايات المكونة للاتحاد الأميركي -وإليهم ينتمي الليبراليون الديمقراطيون بصورة عامة- فقالوا إن الآباء المؤسسين أرادوا أن تتمتع بهذا الحق الولايات المكونة لأميركا الفدرالية حتى لا تطغى عليهم بجيشها المحترف. وهذا ما عُرف بالتفسير الجماعي للحق.

وهناك أصحاب التفسير الفردي لهذا الحق، الذين يرون أن من حق المواطن حيازة السلاح وحمله بإطلاق، وإلى هؤلاء ينتسب الجمهوريون، حيث يرون في كل تشريع يضيق على هذا الحق لضرورة مّا خرقا للدستور.

دورة الصراع الجديدة
تمثل هذا الخلاف بين الجماعيين والفرديين مرة أخرى في مساعي التشريع الجارية لضبط حيازة المدنيين للسلاح وحمله منذ مقتلة أورلاندو؛ فمن رأي الجماعيين من الديمقراطيين أنه استجدت حقائق في السياسة تستوجب إعادة النظر في الحق المطلق للفرد في تلك الحيازة، بينما يتمسك الجمهوريون بحرفية الحق الفردي الدستوري.

فقد اجتمع مجلس الشيوخ الأميركي في 20 يونيو/حزيران الماضي في أعقاب مقتلة أورلاندو ليناقش إجراءات لضبط ملكية السلاح الناري. وتداعوا إلى هذا الاجتماع بعد "فلبستر" قام بها كرستوفر ميرفي الشيخ الديمقراطي من ولاية كونتيكت.

وكانت الولاية قد شهدت في ديسمبر/كانون الأول 2012 إطلاق نار جماعي بمدرسة ابتدائية أزهق 26 شخصا بينهم 20 تلميذا. والفلبستر هو حيلة برلمانية يفرض بها البرلماني على مجلسه أن يطرح للنقاش موضوعا ظل يجرجر قدميه إليه. ومن ذلك وقوف الشيخ ميرفي يخطب عن وجوب ضبط حيازة السلاح لمدة 15 ساعة بحضور زملائه من الحزب الديمقراطي. واستجاب الشيوخ الجمهوريون للفلبستر ووافقوا على النظر في مشروعات ظلت عالقة على جدول أعمال مجلسهم. ومما دفع ميرفي للفلبستر قوله إن أمر السلاح قد بلغ الزبى، فقد وقعت 20 حادثة قتل جماعي منذ حادث ولايته عام 2012، ولا حياة لمن تنادي.

وسقطت مع ذلك مشروعات القرارات كلها حين عرضت على مجلس الشيوخ يوم 20 يونيو/حزيران، وكانت دوائر الرأي قد توقعت هذه النتيجة لشدة الاستقطاب الحزبي حول المسألة الذي يضري ناره لوبي جمعية الأسلحة القومية (National Rifle Association, NRA) بعقيدته المتطرفة حيال الحق الدستوري في حيازة السلاح، وبنفوذه الغالب على الحزب الجمهوري وتمويل مرشحيه في سائر مستويات الانتخابات.

ومتى نظرنا في نصوص المشروعات تبين لنا أنه بينما أراد الديمقراطيون بها تقييد حق حيازة الأفراد للسلاح للضرورات المستجدة، كان الجمهوريون مستميتين في الدفاع عن بقاء هذا الحق. وقد يأخذون ببعض قيد الديمقراطيين لتلك الحيازة جدلا ولكنهم يضيقونه فيفسدون أثره.

فقد تقدم الديمقراطيون بمشروعي قرار لمجلس الشيوخ، وجاء في المشروع الأول منع كل من هم على قوائم الإرهاب التي بيد مركز التحقيقات الفدرالي وأي قوائم وطنية أخرى، من شراء السلاح. أما المشروع الثاني فسعى إلى سد الثغرات الحالية في إجراءات التحقق من خلفيات طالبي شراء الأسلحة.

وصوت الجمهوريون ضد المشروعين، وقدموا في المقابل مشروعاتهم التي جاء في أولها أن يقتصر المنع على من بقائمة المحظور عليهم السفر. وهي قائمة حوت عددا أقل من قوائم الإرهاب التي جاءت في مشروع الديمقراطيين (بها 109 ألف محظور شملت 2700 أميركي فقط). فهم يرون أنهم سيحجبون أفرادا كثرين من ممارسة حقهم الدستوري في حيازة السلاح إذا أخذوا بقائمة الإرهاب الواسعة لدى مكتب التحقيقات.

أما مشروع الجمهوريين الثاني، ردا على الديمقراطيين في مجال سد ثغرات التحقق من خلفية مشتري السلاح، فهو منح السلطات 72 ساعة فقط لتقرر ما إذا كان هناك ما يحول بين الفرد وشراء سلاح لشبهة إرهاب. كما اشترط المشروع أن يكون هذا الشخص مقيدا في قائمة الإرهاب لمدة خمس سنوات للتأكد من أنه مستحق للحظر. وأراد الجمهوريون من كل هذه التحفظات استلال حق حيازة السلاح الدستوري من المجلس بأقل "الخسائر" التي أراد الديمقراطيون إنزالها به.

video

وما فرغ التصويت بهذه النتيجة المخيبة للآمال حتى تلاقى جمهوريون معتدلون وديمقراطيون حول مشروع قرار لمجلس الشيوخ حفظا لماء الوجه التشريعي. فكل استطلاعات الرأي حتى بين أعضاء في منظمة الأسلحة القومية أشارت إلى وجوب عمل شيء ما لمنع الإرهابيين من شراء السلاح، فاتفق الشيوخ من الحزبين على مبدأ أن "من حُظر سفره بالطائرة لا حق له في شراء السلاح" وبمقتضى ذلك تمنع السلطات من اقتناء السلاح كل من هو على قائمة الممنوعين من السفر بالطائرة، أو من يخضعون لتدقيق كثير قبل الإذن لهم بالسفر.

فضيّق هذا الحل الوسط على السلطات نطاق من تحظر عليهم شراء السلاح بينما أراد الديمقراطيون أصلا سحب ذلك الحق من كل من هو في قائمة الإرهاب الواسعة لدى مكتب التحقيقات الأميركي. ومن الجانب الآخر أسقط هذا الحل الوسط شرط الجمهوريين الذي أعطى السلطات 72 ساعة فقط لتقرر بشأن حق من هو في قوائم الإرهاب في شراء سلاح.

ثقافة العنف.. حقيقة أم اختلاق؟
يحتاج أمثالنا في العالم الثالث لوعي أفضل بمسألة ثقافة العنف الأميركية لأنها تطالنا مهما نأت ديارنا عنها. وذاعت مؤخرا أفكار عن هذه الثقافة قلبت العقائد الوطيدة عنها رأسا على عقب. فطعن كتاب صدر حديثا في عقيدة أن السلاح هوية أميركية جوهرية عززها الدستور، كما خلصت تحقيقات صحفية أخيرة إلى أن القتل الجماعي رشّا بالرصاص هو أهون جوانب ثقافة العنف الأميركي.

وقد صدر للمؤرخة باميلا هاغ كتاب عنوانه "بندقة أميركا: تجارة السلاح وثقافة السلاح في أميركا" (2016)، ناقشت فيه ولع أميركا بالسلاح من زاوية مبتكرة. ففي رأيها أن خطاب السلاح الأميركي السائد يأخذ بزاوية المستهلك له، أي الزبون ودوافعه. ولذا تجدنا نولي اعتبارا لدافع هذا المستهلك في حماية نفسه والتمسك بحقه الدستوري.

ولكن المؤرخة قلبت الآية وأخذتنا لننظر إلى المسألة من زاوية صناعة السلاح التي طبعت الزبون بهذا الولع، ثم روجت له باعتبار أنه جزء لا يتجزأ من الهوية الأميركية. وفي رأي المؤلفة أن الولع الأميركي "الغريزي" بالسلاح مجرد زعم تجاري وترويجي. فلا هو في منشأ الأميركي السياسي ولا في جيناته الدستورية والأخلاقية لأنه ببساطه تسويق رأسمالي بحت. فثقافة السلاح المزعومة للأميركيين مختلقة ولا أساس لها في التكوين الأميركي الفطري.

أقل حقول الموت خطرا
ومن النظرات المبتكرة الساعية لفهم أفضل لعنف السلاح في أميركا سلسلة تنشرها الغارديان البريطانية في أيامنا هذه؛ فقد توصلت الجريدة من خلال إحصاء دقيق لقتلى عنف السلاح بعامة إلى أن القتل الجماعي في مثل أورلاندو مثير ولافت للحكومة والناس والإعلام؛ ولكن سيقصر فهمنا لثقافة العنف الأميركي متى ركزنا عليه مستبعدين أوضاعا أخرى أحرج لعنف السلاح. فالرش الجماعي بالسلاح هو أدنى مشاكل العنف الأميركي، حيث يموت بالسلاح 335 ألف شخص في كل عام بينهم 22 ألفا انتحارا والبقية (11 ألفا) قتلا بالسلاح الناري. وفي المقابل يموت نحو 24 شخصا فقط سنويا بالقتل الجماعي.

ومتى ما ركزنا على هذا القتل الأخير غابت عن نظرنا حقول الموت في أحياء الفقر والفصل العنصري بنسب عطالتها العالية، ومدارسها الواقعة دون المستوى، وسوء الظن السائد بين أهلها والشرطة. حيث تجد 15 أميركيا أسود بين صرعى السلاح بين 30 صريعا بالرصاص كل يوم. بل مات في أحياء السود بشيكاغو 46 شخصا بالرصاص خلال ثلاثة أيام سبقت يوم ذكرى قدامى المحاربين (30 مايو/أيار 2016). فمتى ما أخذ القتل الجماعي بِلُبنا انصرفنا عن العلم الاجتماعي الحصيف بهذه الحقول الواسعة للموت.

video

ومن نواقص التركيز بحسب الغارديان على الموت الجماعي أنه يفرض علينا التركيز على الأسلحة الهجومية ذات الطابع العسكري، والمطالبة بسحبها من سوق السلاح، وهذا ضلال. فهذه الأسلحة الهجومية لم توظف إلا في 3% من جرائم القتل في 2014. ووقع الجزء الأكبر منها بالقتل بالأسلحة الصغيرة. ومن مضار هذا النهج أيضا أنه يدفعنا للتركيز على الإرهابيين وذوي الأمراض النفسية مع أن حصاد العنف أوسع من ذلك كثيرا.

لكل حق حدود
تلوح بوادر هذه المرة بأن أميركا ربما كانت بصدد تغييرات ملموسة للتفسير الفردي للتعديل الثاني الذي يعتقد بحق الفرد في حيازة السلاح وحمله بغير تعقب من الدولة.

فقد تجمعت بعد أورلاندو دوائر كتلة تاريخية حاسمة حول تقييد هذا الحق؛ وهي الكتلة التي تأذن في عقيدة الأميركيين متى تجمعت أطرافها، بأن التغيير أزف.

فالجمهوريون لن يصموا آذانهم في عام انتخابات دون مطلب شعبي غلاّب بتقييد حمل السلاح، وقد قال السيناتور ليندس غراهام الشيخ الجمهوري من ولاية ساوث كروالينا للوبي السلاح: "أعرف شاغلكم ولكن هناك حدود لكل حق مهما يكن".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة