ما بين "تسييس" الدين و"تأميمه" في السياق العربي   
الأحد 5/2/1435 هـ - الموافق 8/12/2013 م (آخر تحديث) الساعة 19:43 (مكة المكرمة)، 16:43 (غرينتش)
أسامة أبو ارشيد

 

لا شك في أن واحدة من أشد القضايا إشكالية وتعقيدا في الفكر العربي المعاصر تتمثل في ما يوصف بـ"تسييس الدين"، وهي المسألة التي أعادت مرحلة الثورات العربية وما بعدها دفعها بشكل أكثر حدية إلى قلب الجدل ما بين نخبة من المعارضين لما يسمى بـ"الإسلام السياسي" وآخرين من أنصار الحركات الإسلامية المعاصرة التي تؤمن بشمولية الإسلام وانتظامه لكل مناحي الحياة، بما في ذلك الفضاء السياسي.

لا أريد هنا أن أدخل في جدل لن ينتهي حول صوابية إيديولوجية "تسييس" الإسلام كما يتهم خصوم الفكرة، أو شمولية الإسلام كما يؤكد أنصار هذا الفهم، بقدر ما أريد أن أحرف النقاش إلى أبعاد أخرى أكثر أهمية يصر البعض على إهمالها في تعاطيهم مع المسألة، وذلك بهدف حصر الطرف المؤيد لفكرة شمولية الإسلام في زاوية ضيقة.

بمعنى أن الذي ينافح عن فكرة شمولية الإسلام يجد نفسه في موقف الدفاع وصد الهجمات على أساس الافتراض المسبق بأنه مذنب.

إذا كان "تسييس" الإسلام من قبل حركات إسلامية تعيش في الغالب في خانة المعارضة المستهدفة يستفز البعض بذريعة أنهم يلعبون على وتر العاطفة الدينية لخدمة أهداف سياسية، فالأولى بهم أن يعترضوا على "احتكار" السلطة القهرية للدين

أهم نقطة في هذا السياق تتمثل في مسألة التغاضي المتعمد التي تمارسها بعض التيارات الإيديولوجية والسياسية التي تصنف نفسها على أنها ليبرالية ويسارية اشتراكية وقومية.. أقول التغاضي المتعمد عن فكرة أكثر خطورة مما يصفونه بـ"تسييس" الإسلام، وتتمثل تلك الفكرة بـ"تأميم" الإسلام من قبل السلطة القهرية في الدولة العربية الحديثة.

فإذا كان "تسييس" الإسلام من قبل حركات إسلامية تعيش في الغالب في خانة المعارضة المستهدفة والمهمشة في بلادنا يستفز أولئك بذريعة أنهم يلعبون على وتر العاطفة الدينية عند غالبية "دهماء" شعوبنا البسيطة والساذجة من أجل خدمة أهداف سياسية وإيديولوجية كما يزعمون، فإن الأولى بهم أن يعترضوا على "احتكار" السلطة القهرية في فضاء دولنا للدين.

ولكنهم طبعا لن يفعلوا ذلك، وأنى لهم أن يُقدِموا على نقد "احتكار" الدين أو "تأميمه" من قبل سلطات حاكمة، غالبا ما انبثقت من قلب هذه التيارات الإيديولوجية من يسارية اشتراكية وليبرالية وقومية!
خذ مثلا ما فعله الرئيس الأسبق لمصر جمال عبد الناصر من "تأميمه" مؤسسة الأزهر.

مساعي ثورة يوليو/تموز 1952 للسيطرة على الأزهر بدأت منذ الأشهر الأولى للثورة، وتوجت بعد ذلك بقانون تنظيم الأزهر (103) عام 1961، الذي أعطى الحق لرئيس الجمهورية بتعيين شيخ الأزهر ووكيله ورئيس جامعة الأزهر وغيرهم من قيادات المؤسسة العريقة.
وهذا ما تم إلا بعد أن نزعت ثورة يوليو من الأزهر ووزارة الأوقاف أكثر أوقافهما التي كانت تضمن لهما الاستقلال المالي، وبالتالي توفر لهما قدرا من استقلالية القرار عن السلطة الحاكمة.
وهكذا ضمن عبد الناصر وقوف الأزهر إلى جانبه متى شاء وفي أي مسألة أراد، ومن ذلك مثلا تأييد مؤسسة الأزهر الرسمية له في صدامه وقمعه للإخوان المسلمين.

عبد الناصر هذا يعد في نظر أنصاره زعيم القومية العربية، كما أنه يساري اشتراكي التوجه، أو هكذا يصنف.

ومنذ ذلك الحين والقيادة الرسمية للأزهر ما هي إلا ذراع من أذرع النظام الحاكم في مصر.
ويكفي للتدليل هنا أن نذكّر بموقف شيخ الأزهر أحمد الطيب القادم من عمق لجنة السياسات في حزب الرئيس المخلوع حسني مبارك خلال ثورة يناير 2011، وذلك عندما حرم الخروج على مبارك، ثم دوره بعد ذلك في توفير غطاء ديني إسلامي رفقة نظيره القبطي البابا تاضروس للانقلاب الذي قاده الجيش في يوليو 2013 على أول رئيس مدني منتخب في التاريخ المصري الرئيس محمد مرسي.

ولكن أصحابنا من الليبراليين، واليساريين الاشتراكيين، والقوميين لا يرون ضيرا في "احتكار" السلطة القهرية للدين و"تأميمها" له، في حين يصرخون فزعا من زعم "تسييس الدين" عبر خصمهم المقموع والمستهدف، الحركات الإسلامية.
هل عبد الناصر هو وحده من قام بـ"احتكار" الدين و"تأميمه"؟

لنأخذ نموذجا "ليبراليا" هذه المرة، مع ضرورة التأكيد مسبقا على أن مصطلح الليبرالية ومفهومها ممتهن ومفرغ من أي مضمون في سياقنا العربي، ويكفي التذكير بموقف التأييد من قبل حزب "الوفد" المصري "الليبرالي" ومحمد البرادعي "الليبرالي" أيضا للانقلاب العسكري على رئيس منتخب بعد أن عجزوا عن مواجهته عبر صناديق الاقتراع.

النموذج "الليبرالي" على الصعيد الفكري، لا السياسي أو الأمني، الذي أريد الحديث عنه هنا هو نموذج الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة.

فبورقيبة هذا بادر في الستينيات إلى دعوة الشعب التونسي إلى الإفطار في رمضان، وقام هو بذلك مجاهرة، ثم سعى بنجاح واضح إلى "تأميم" مؤسسة "جامع الزيتونة" العريق، ثم تدخل في تحديد المباح والممنوع في مدونة الأحوال الشخصية.

ولم يقف الزعيم "الحداثي" عند ذلك، بل إنه ومنذ الستينيات من القرن الماضي حارب "اللباس الشرعي" للمرأة المسلمة، بل ووصل به الأمر مطلع الثمانينيات إلى إصدار (منشور 108) ليدشن الحرب على لباس المسلمة الشرعي.

وجاء خلفه الذي يصفه البعض إسفافا بـ"الليبرالي" فكرا أيضا، المخلوع زين العابدين بن علي، ليحول ما أصطلح عليه بـ"معركة الحجاب" إلى معركة أمنية، حرمت بموجبها الفتيات التونسيات "المحجبات" من الالتحاق بالدراسة في المدارس والجامعات، فضلا عن العمل في الوظائف العمومية.

وبدل أن يهاجَم الزعيم "الليبرالي" (أي بورقيبة)، لفرضه تصورا ذاتيا للإسلام وعسفه على خيارات الناس التي الأصل فيها أنها حرة، فإن الرجل إلى الآن ما زال يجد التقريض والثناء لدى من يصفون أنفسهم بـ"الليبراليين" و"الحداثيين" رغم أنه "احتكر" صياغة التدين ومفاهيمه و"أمّم" مؤسسته الأبرز في تونس!

إذا كان "تسييس" الدين أمرا خطيرا فإن المواجهة المثلى معه تكون في سياق بناء نهضة فكرية توعوية لا استجداء إقصاء عبر سلطة قهرية والارتداد إلى زمن حكم العسكر أو النخب التقليدية الذين أوردوا هذه الأمة المهالك على مدى عقود طويلة

الأمر نفسه ينطبق على المملكة العربية السعودية محضن الحرمين الشريفين. في السعودية اليوم، فإن الغلبة والسيطرة هي لمذهب واحد هو الحنبلي، بل قل لفهم واحد لذاك المذهب متمثلا في المدرسة الوهابية، على الرغم من أن الحرمين الشريفين الأقدس هما ملك لكل أمة الإسلام بكل مذاهبها المعتبرة.

بل أبعد من ذلك، هل ثمة من يشك بأن المؤسسة الدينية الرسمية في السعودية توفر الغطاء الديني للمؤسسة السياسية عند الطلب؟ حدث هذا يوم غزو العراق مطلع تسعينيات القرن الماضي، وحدث هذا أيضا يوم وقف خطيب الحرم المكي الشريف في خطبة عيد الفطر الماضي ليبارك ضمنا الانقلاب العسكري الذي وقع في مصر، وذلك في تناغم مع الموقف السياسي للمملكة في حين يضيق على الرموز الدينية المعارضة للانقلاب أو المؤيدة لانتفاضات الشعوب العربية.

هل سمعنا أحدا من الليبراليين أو اليساريين والاشتراكيين والقوميين يتباكى على "احتكار" الإسلام و"تأميمه"، بل وقل "تجييره" أيضا في بلاد الحرمين الشريفين؟ أم لأن الأجندة التقت خرست الأصوات؟

والأمر نفسه ينسحب على سوريا، وما مثال وموقع الراحل الشيخ أحمد كفتارو من الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، والأمر ذاته ينسحب على المغتال محمد البوطي مع الأسد الأب والأسد الابن بشار، وكذلك الشيخ أحمد حسون مفتي بشار، إلا دلائل على "احتكار" السلطة القهرية للدين و"تأميمه" و"تجييره".

وفي سياق "التجيير" للدين أيضا، نجد أنظمة تقيم شرعيتها على نسب من النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم، كما في حالتي نظامي الأردن والمغرب، ومع ذلك لا يتحدث أحد ناقدا "تجيير" الدين، المهم ألا "يسيس"!

نعم، "احتكار" الدين و"تأميمه" و"تجييره" من قبل سلطة قهرية في الفضاء العربي أشد خطورة من أي حديث مزعوم عن "تسييسه" من قبل جماعات مستهدفة ولا تملك إلا خطاب الإقناع والعاطفة في علاقتها ودعايتها مع شعوبها، وهي وسائل مشروعة في العمل السياسي والجماهيري، وبكل المقاييس.

وفي حين نجد النقد منصبا على ما يزعم من استخدام للمساجد ومنابرها لنشر إيديولوجية "الإسلام السياسي" لا نجد أولئك الفازعين ينتقدون سيطرة السلطة القهرية في فضائنا العربي على المساجد.
تجدهم يحذرون من نفوذ "الإسلام السياسي" في المساجد دون أن يشرحوا لنا لماذا لا يحذرون من خضوع الجل الأعظم من تلك المساجد لهيمنة الدولة ونفوذها.

ببساطة، المعضلة بالنسبة إلى تلك التيارات الزاعمة لليبرالية، واليسارية والاشتراكية، والقومية أنها تدرك مدى ضحالة التأييد الشعبي لها وكساد بضاعتها بينها، وذلك بغض النظر عمن يحمل إيديولوجيا أصلح لمستقبل منطقتنا وأمتنا، فهذا ليس نقاشي ولا هو موضوعي، ولكن من الواضح جدا أن إيديولوجيا أولئك منبتة لا أصل لها ولا جذر بين شعوبنا العربية، ومن ثم تجدهم يسعون إلى "قمع" الشعوب بزعم معرفتهم للأصلح لها بدل محاولة إقناعها بصوابية أفكارهم.

أم هل ترانا نسينا تغريدات الكاتب والروائي المصري "الليبرالي" علاء الإسواني في شهر ديسمبر/كانون الأول 2012 وقبل الاستفتاء على الدستور زمن رئاسة الرئيس المنقلَب عليه محمد مرسي، ومطالبته باستبعاد "الناخبين الأميين" من الإدلاء بأصواتهم في الاستفتاء، زاعما أن أولئك "الأميين" هم "الجيش الحقيقي" لمن وصفهم بـ"تجار الدين"، وبأن الإسلاميين "يستغلون جهل الأميين، ويشترون أصواتهم بالزيت والسكر"!

هذا نموذج "ليبرالي" عربي، ومرة أخرى أستخدم التوصيف وأنا أعلم أنه متعسف، ولكنه يظهر وبوضوح أن مشكلة أولئك القوم ليست مع تيار "يسيس" الدين و"يستغل" "سذاجة العوام"، بقدر ما أنها خصومة قائمة على كساد بضاعة لا يقدرون على ترويجها وعجز عن خوض معركة أفكار في ساحة الرأي العام.

ومن ثم فإنك لم ولن تسمع تصريحا آخر من الإسواني يطالب فيه اليوم سلطات الانقلاب في مصر بعدم استفتاء "الناخبين الأميين"، فالمراد قد تحقق بإقصاء التيار الإسلامي الحركي الشعبي عبر انقلاب عسكري بعد أن عجزوا عن ذلك عبر صناديق الاقتراع.

في الغرب وفي أميركا مثلا يتسابق المرشحون في الغالب على تأكيد تدينهم، ومن يترشح في منطقة محافظة أو ليبرالية فإنه في الغالب يحاول أن يتماهى مع ثقافة محيطه لا أن يتصادم معها أو أن يستدعي سلطة قهرية لنصرته

باختصار، إذا كان "تسييس" الدين أمرا خطيرا فإن المواجهة المثلى معه تكون في سياق بناء نهضة فكرية توعوية لا استجداء إقصاء عبر سلطة قهرية والارتداد إلى زمن حكم العسكر أو النخب التقليدية الذين أوردوا هذه الأمة المهالك على مدى عقود طويلة.

أيضا، إن الباحث عن الشرعية الشعبية لابد أن يراعي ثقافة شعبه ومنظومته القيمية والحضارية لا أن يقطع معها، فعجز أولئك عن فهم أبجديات ثقافة شعوبهم هي سبب انبتاتهم من تربتها وضحالة التأييد لهم بينها (أي بين الشعوب).

في الغرب مثلا، تسعى التيارات المتنافسة إلى إبداء احترامها وتفهمها لثقافة شعوبها وحساسياتهم.
ففي أميركا كأنموذج، يتسابق المرشحون في الغالب على تأكيد تدينهم، ومن يترشح في منطقة محافظة أو ليبرالية فإنه في الغالب يحاول أن يتماهى مع ثقافة محيطه لا أن يتصادم معها أو أن يستدعي سلطة قهرية لنصرته.

مرة أخرى، هذه أدوات مشروعة في العمل السياسي، والعيب فيمن لا يقدر على امتلاكها وإتقانها، لا على من نجح في ذلك.

انبتتم عن شعوبكم وثقافتها، وزعمتم "تسييس" الآخر للدين، وأيدتم انقلابا "يؤمم" الدين و"يجيره" لمصالحه، وفي النهاية ستنتهون من حيث بدأتم.. ستعيشون في ظل سلطة قهرية "تحتكر" الدين، وستبقون على هوامش مجتمعاتكم لأنكم تصادمون منظوماتها العقيدية والتاريخية والفكرية والاجتماعية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة