انتخابات إيران.. القصص غير المروية   
الجمعة 1434/7/28 هـ - الموافق 7/6/2013 م (آخر تحديث) الساعة 17:17 (مكة المكرمة)، 14:17 (غرينتش)
محجوب الزويري

 

علامات في المشهد الانتخابي
من يصوت ولمن؟
أولوية الانتخابات: نسبة المشاركة أم انتخاب الرئيس؟
الرئيس الإيراني السابع: خيار من؟

يتوجه الإيرانيون في الرابع عشر من يونيو/حزيران إلى صناديق الاقتراع لانتخاب الرئيس السابع في عصر الجمهورية الإسلامية. هذه الانتخابات تأتي بعد ثماني سنوات تزايدت فيها الانقسامات في المجتمع الإيراني لا سيما في ما يتعلق بتقييم هذه السنوات الثماني: فمن قائل إنها كانت عجافا من حيث الانعكاسات على الوضع الاقتصادي والوضع السياسي، إلى آخر يرى أن النظام السياسي تفوق على نفسه بالحفاظ على نفسه أمام تحديات كبيرة عززت فرصه في الاستقرار والديمومة.

وبغض النظر عن هذا الانقسام الحاد داخل معسكر واحد -المحافظون- من النظام السياسي بشأن رئاستي الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد وما جرى من مساجلات فإنه شكل ظاهرة في المشهد السياسي الإيراني سيستمر الحديث عنها لأجل غير مسمى.

علامات في المشهد الانتخابي
سيذهب الإيرانيون ليقرروا لأي من المرشحين الثمانية الذين أقر أهليتهم مجلس صيانة الدستور سيصوتون، هؤلاء المرشحون هم: علي ولايتي، محمد قاليباف، محسن رضائي، حسن روحاني، سعيد جليلي، حداد عادل، محمد رضا عارف، محمد غرضي.

العلامة الأولى الملاحظة أن ستة من هؤلاء المرشحين ينتمون لنفس القاعدة السياسية ألا وهي ما أسميه قاعدة النظام التقليدية المعتمدة على المتدينين تقليديا والقادمين من مؤسسة الحرس الثوري والذين سيتنافسون على نفس القاعدة التصويتية.

ستة من هؤلاء المرشحين ينتمون لنفس القاعدة السياسية ألا وهي ما أسميه قاعدة النظام التقليدية المعتمدة على المتدينين تقليديا والقادمين من مؤسسة الحرس الثوري والذين سيتنافسون على نفس القاعدة التصويتية

الملاحظة الثانية أن الذين يقال إنهم ينتمون إلى معسكر الإصلاحيين مثل محمد عارف وربما حسن روحاني، هم في الحقيقة مرشحون بلا قاعدة. فالقاعدة التي يحتاجونها قد تم تجفيف منابعها القيادية والكاريزمية. والأهم تعطيل كل أدواتها من وسائل الاتصال والتعبئة التي يحتاجها المرشحون في هذه الانتخابات.

والأهم من ذلك كله أن الذين يوصفون بأنهم إصلاحيون، تمت شيطنتهم خلال الأعوام الثمانية الماضية على مستويات متعددة رغم أنهم من داخل النظام وهم في طيفهم الغالب مؤمنون بولاية الفقيه وما ترتب عليها من تبعية إلى مرشد الثورة علي خامنئي. من هنا فهم في وضع يصعب التفاؤل بشأنه.

وبالعودة إلى قائمة المرشحين المتنافسين على أصوات القاعدة المحافظة والمنتمية للنظام، فإن السؤال الذي يتكرر يهم طبيعة الكتلة الانتخابية أو الكتلة التصويتية واتجاهاتها وكذلك إمكانية تصور سلوكها الانتخابي.

من يصوت ولمن؟
من المعلوم أن أعداد من هم في سن الانتخاب والتصويت وفق الأرقام الرسمية يبلغ حوالي خمسين مليونا. هذه النسبة متمركزة في نسبتها الأعلى في المدن.

وهذا بالطبع لا ينفي وجود كتلة مصوتين في الريف، لكني أعتقد أن سكان الريف القاطنين في المدن هم أكثر أهمية عندما يأتي الأمر للتصويت والانتخاب وذلك لسبب بسيط متعلق بارتباط هؤلاء بالنظام السياسي، فهؤلاء الذين تركوا الريف من خلال الارتباط بمؤسسات مرتبطة بالنظام منها ما هو مدني وآخر عسكري، واستقروا في أطراف المدن، كثيرا ما تم تهميشهم وهو الأمر الذي ساعد أحمدي نجاد في الانتخابات في ٢٠٠٥ و٢٠٠٩، دون أن ننسى عوامل أخرى مرتبطة بالمرشد ومؤسسة الحرس الثوري.

هؤلاء -وبعيدا- عن المبالغة ستكون أصواتهم موجهة أو بعبارة أخرى مؤثرا عليها بشكل كبير. في هذا السياق وحتى يمكن وضع سيناريوهات قريبة لما يمكن أن يجري، لا بد من العودة قليلا للانتخابات الرئاسية الإيرانية بعد العام ١٩٩٧ الانتخابات الرئاسية الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة.

في الانتخابات الثالثة والرابعة كانت الكتلة التصويتية من مراكز المدن وحواضر تلك المدن لا سيما أولئك المتعلمين والمثقفين الذين بهرهم الخطاب والحضور السياسي لمحمد خاتمي. هناك حضرت معاني الإيرانية والإسلامية التي جمعت حول خاتمي حوالي ٥٧% من المصوتين في الدورتين.

في تلك الفترة وجد كثيرون ممن يسكنون الأطراف أو هجروا القرى أنهم مهمشون وذلك لأنهم رأوا في خطاب فترة خاتمي خطابا نخبويا لا يمت إلى واقعهم المعيشي غير اليسير. وبالتأكيد فرؤيتهم تأسست على أن خاتمي وفي فترتين رئاسيتين ركز على الإصلاح السياسي وليس الاقتصادي.

هؤلاء أنفسهم وجدوا في خطاب أحمدي نجاد سفينة النجاة ووسيلة تحقق آمالهم لا سيما عندما انحصرت المواجهة بينه وبين رفسنجاني. لذلك شاهدنا أن أحمدي نجاد استهدف وبشكل ممنهج هؤلاء المصوتين عبر تقديم نفسه أنه منهم في المظهر وبساطته وفي أسلوب الحياة ومعاناتها.

وفي الحقيقة لا أبالغ إن قلت إن الانتخابات الرئاسية الخامسة كانت بين مكونين اجتماعيين واقتصاديين في إيران، الأول كان يرى أن الدولة يجب أن تتخلص من الإشراف على كل شيء لا سيما في الاقتصاد ومن ذلك الخصخصة، واتجاه آخر كان يرى أن على الدولة مسؤولية أخلاقية نحو المستضعفين لا يجب أن تتخلى عنها مهما كانت الظروف. فَهم ساهم في تصويت الكثير من المحتارين من المصوتين في إيران لصالح أحمدي نجاد في العامين ٢٠٠٥ و٢٠٠٩.

الذين صوتوا للرئيس الأسبق محمد خاتمي كانوا في الحقيقة يصوتون على أولوية الإصلاح السياسي الداخلي والخارجي الذي يقلل من أعداء إيران داخليا وخارجيا

إن الذين صوتوا للرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي كانوا في الحقيقة يصوتون على أولوية الإصلاح السياسي الداخلي والخارجي الذي يقلل من أعداء إيران داخليا وخارجيا، وهذا التوجه الإصلاحي وفق الإصلاحيين آنذاك هو الذي سيقود إلى إصلاح اقتصاد حقيقي وطويل الأمد. لكن في المقابل الذين صوتوا للرئيس الذي سيصبح في شهر أغسطس/آب القادم محل الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد هم في الحقيقة من يرون أن أي إصلاح يجب أن يبدأ من موائدهم وحياتهم في إشارة إلى الحياة اليومية.

من هنا جاء حديث أحمدي نجاد ووعده للإيرانيين بأن يأتي بعوائد النفط إلى موائد الإيرانيين. إشارة إلى فهمه للعدالة الاجتماعية. ووفق السنوات الثماني الماضية لا حديث عن الإصلاح السياسي لأنه نوع من الترف لا تحتاجه الجمهورية الإسلامية لا سيما وأنها أم القرى، وفق التيار السياسي الحاكم.

كل من التيارين لم يستطع أن يحصل على حالة من الإجماع الداخلي والتوافق على برنامجه، فدخل في مساجلات سياسية مع مؤسسة الحكم المتمثلة في بيت المرشد ومؤسسة الحرس الثوري وقاعدة غير بسيطة من رجال الدين في قم، مما أدى إلى عدم نجاح كلا التيارين، لكن الأهم هو تعميق الشرخ داخل الطبقة السياسية في الجمهورية الإسلامية.

أولوية الانتخابات: نسبة المشاركة أم انتخاب الرئيس؟
العملية الانتخابية والتعديلات التي جرت عليها قبل الانتخابات الحادية عشرة أعطت مؤشرا في غاية الأهمية، ذلك هو رغبة مؤسستي النظام الأكثر فعالية وهما المرشد ومؤسسة الحرس الثوري في انتخابات لا يتكرر بعدها ما جرى في العام ٢٠٠٩.

من هنا تشكلت لجنة مستقلة عن وزارة الداخلية للإشراف على الانتخابات وهي في الحقيقة تشرف على عمل وزارة الداخلية في ما يتعلق بالانتخابات، هذا مع الإبقاء على عملية التصفية (الفلترة السياسية) مستمرة من خلال مجلس صيانة الدستور الذي قال للناخب الإيراني إن خياره محدود بين المرشحين الثمانية.

وهذا الأمر لا ينفي بالطبع رغبة المرشد في نسبة مشاركة عالية يرد من خلالها على الخصوم في الداخل والخارج والذين يشككون في شرعية النظام وتأييد الإيرانيين له. وفي هذا السياق كيف يمكن تأمين نسبة المشاركة العالية بغض النظر عما سيحصل عليه الفائز لا سيما وأنها يمكن أن تنتقل إلى مرحلة ثانية بل وثالثة حتى ينتخب الرئيس. فإذا لم يحصل أحد المرشحين على ٥٠+١ فسينتقل أعلى اثنين من حيث الأصوات إلى المرحلة الثانية وذلك بعد أسبوع من الدور الأول، حينها سيحسم الأمر لأحد المرشحين ولو بفارق صوت واحد، من هنا فتأمين نسبة المشاركة العالية يبدو مقدما على من سيفوز وكم من الأصوات سيذهب له. وقد يتحقق ذلك من خلال:

١- تذكير الرأي العام بالأخطار والتحديات والتأكيد على أن التغيير ليس بالضرورة أن يأتي بالأفضل بل من خلال العمل بالوسائل المتاحة ومنها المشاركة في الانتخابات، هو فرضية ليست مضمونة لكنه يصعب إغفالها لا سيما أن هناك في إيران من يعتقد بأن الثورة ليس بالضرورة أن تأتي بالورود.

٢- تصويت أولئك غير الراضين أو المعترضين، وفي هذه المرحلة ليس هناك مشكلة من وجهة نظر النظام. فهم مصوتون سيرفعون نسبة المشاركة. وهذا ربما يفسر إبقاء حسن روحاني ومحمد رضا عارف وتقديمهما في الإعلام الإيراني باعتبارهما صوتا مختلفا.

٣- توجيه الكتلة الصوتية المرجحة في الانتخابات وأعني بذلك المنتمين للحرس الثوري وقوات التعبئة أو البسيج. ومشاركة هؤلاء مقرة في النظام الداخلي كنوع من الخدمة الإضافية التي يقدمها هؤلاء للنظام في فترات السلم.

هذه الكتلة وفق أرقام تقديرية قد تصل إلى حوالي ثمانية ملايين صوت. هنا يجب الإشارة إلى من يعتقد أنه من الصعب ضمان أصواتهم كاملة، وهذا قد يكون صحيحا. لكن يمكن ضمان غالبية أصواتهم، والحديث هنا عن حوالي خمسة ملايين.

هذه الكتلة التصويتية ستكون حاسمة في رفع نسبة المشاركة لكنها ربما تكون أكثر قوة إذا لم تحسم الانتخابات في الدور الأول وانتقلت إلى الدور الثاني أو الثالث.

الأخطر بالنسبة للنظام السياسي هو الانقسام الحاد بين الطبقة السياسية، وهو الأمر الذي سيجعل النظام، عبر تياريه الفاعلين بيت المرشد والحرس الثوري، مصرا على البقاء في المشهد الانتخابي حتى اللحظة الأخيرة

الرئيس الإيراني السابع: خيار من؟
إن الانتخابات الإيرانية الحادية عشرة ربما تكون الأكثر حساسية للنظام إذا تجاوزنا الانتخابات التي أجريت خلال الحرب العراقية الإيرانية. فالوضع الاقتصادي في ترد مستمر، المؤشرات المتعلقة بالبطالة والتضخم في ارتفاع مطرد، فأكثر من ١٢ مليون عاطلون عن العمل والريال الإيراني وصلت مستويات تضخمه إلى أكثر من 40%. العقوبات يتزايد تأثيرها بعد انضمام دول أكثر إلى قائمة الدول المنفذة لهذه العقوبات.

والأخطر بالنسبة للنظام السياسي هو الانقسام الحاد بين الطبقة السياسية، وهو الأمر الذي سيجعل النظام عبر تياريه الفاعلين -بيت المرشد والحرس الثوري- مصرا على البقاء في المشهد الانتخابي حتى اللحظة الأخيرة. 

وهذا الحضور القوي يؤكد على أن الرئيس الإيراني القادم هو خيار السلطة ومؤسسة الحكم. صحيح أن الناخبين هم من يضعون أصواتهم، لكنها أصوات موجهة بخيار الناخب أو رغما عنه.

الرئيس الإيراني السابع سيكون من اختيار النظام الذي سيحرص على أن تجري الانتخابات بسلاسة منقطعة النظير والمجيء برئيس يوقف مسيرة المساجلات والاختلاف داخل مؤسسات النظام وهو ما أفقدها هيبتها في السنوات الثماني الماضية.

هذا الخيار لا يبدو فيه الاسم مهما بقدر ما هو رغبة مؤسسة الحكم التي ترى ألا يكون الرئيس القادم تحديا للنظام يضاف إلى تحديات خارجية فرضها ربيع العرب لا سيما في ضوء ما يحدث في سوريا والخسارة التي تدفعها إيران يوميا بسبب موقفها من الثورة السورية لا سيما لدى قاعدة عريضة من الشعب العربي. يضاف إليه بالتأكيد تبعات الملف النووي. فهل تنجح مؤسسة الحكم في تحقيق الهدف؟ سؤال لن ننتظر طويلا للحصول على إجابة عنه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة