دعوة للتحالف من أجل عدالة دولية   
الثلاثاء 1427/5/10 هـ - الموافق 6/6/2006 م (آخر تحديث) الساعة 16:43 (مكة المكرمة)، 13:43 (غرينتش)

فيوليت داغر

ثبّتت المحكمة العليا الإسبانية يوم الخميس أول يونيو/حزيران الحكم على تيسير علوني بالسجن سبع سنوات، وهو إجراء استثنائي في تاريخ القضاء الإسباني من جهة أنه لم تتم إعادة النظر في مضمون الإجراءات القضائية ولا في شكلها، بل تم تبني كل ما وقعت فيه المحكمة الوطنية الاستثنائية من أخطاء تضافرت فيها جهود القضاء وحكومة أثنار وحتى الصحافة الإسبانية للوصول إلى نقطة لا يبدو فيها الرجوع عن الخطأ فضيلة بل إراقة لماء الوجه.

إن هذا يؤكد مرة أخرى أن هذا الحكم وكل ما رافق الدعوة من مفاجآت وهفوات وتخمينات وتذبذب في القرارات، واتخاذ إجراءات منافية للمنطق، واعتماد وسائل غير قانونية، وتطبيق نظام السرية، وعدم الاطلاع على الملف بشكل كاف، ومشاركة أحد القضاة في التحقيقات الأولية، والجهل بمعطيات أساسية في ملف يعرض كأنه محاكمة العصر لما يسمى بخلية القاعدة الإسبانية، والاعتماد في اتهام الخلية على صلات بمنشق عن بن لادن منذ 15 عاما، وعدم اللجوء إلى خبراء في الحركات الإسلامية رغم أمية القضاة بهذا الموضوع، ودون أي اعتماد على قرائن موضوعية وأدلة قضائية بقدر ما تم الحكم بناء على القناعة الذاتية (كما يسمح القانون الإسباني؟)، ثم الخروج باتهامات يغلب عليها الطابع الردعي.. كل ذلك لا يمكن أن يكون إلا اقتصاصا من الزميل تيسير وفقا لقرار سياسي مسبق.

"
بذريعة الحرب على الإرهاب ضربت الضوابط القانونية والقواعد الأخلاقية، وصار المبدأ اللاتيني الضرورة تلغي القانون منهجا قضائيا يضرب في الصميم دولة القانون على الصعيد الوطني والعدالة الدولية في العلاقات البشرية
"
قرار لا يطال فقط الصحفي الذي كان على جبهات القتال في أفغانستان والعراق شاهدا أمينا في حرب أريد لها أن تكون بلا شهود، وإنما يضع الصحفي والقناة التي يعمل بها في فوهة النطق بالحكم.. ولو أن الثمن الذي يدفعه تيسير وعائلته أكبر بكثير من أي طرف آخر، ودون التقليل من الثمن الذي دفعه كل من شارك من قريب أو بعيد في هذه المعركة غير المتكافئة بأي حال من الأحوال.

جاء هذا الحكم الجائر كحلقة من سلسلة طويلة من التعديات على كل ما تمثله الشرعية الدولية والقانون الإنساني الدولي وتغليب شعار حفظ الأمن على مبدأ احترام الحريات.

فبذريعة الحرب على الإرهاب ضربت الضوابط القانونية والقواعد الأخلاقية التي حاولت البشرية أن تضعها خلال النصفية الثانية من القرن العشرين جراء ما عانته من عقابيل كوارث وأهوال حروب النصف الأول منه العالمية والإقليمية. وصار المبدأ اللاتيني "الضرورة تلغي القانون" منهجا قضائيا يضرب في الصميم دولة القانون على الصعيد الوطني والعدالة الدولية في العلاقات البشرية.

وضع كهذا يتطلب تضافر جهود المجتمعات المدنية في أنحاء العالم وبشكل عاجل وحاسم في تحالف يدافع عن مبادئ العدالة الدولية التي يستنزفها زحف أخطبوطي لمنظومات استثنائية موازية للعدالة الدولية تقود حملتها الإدارة الأميركية الحالية. تحالف على شاكلة التحالف السابق من أجل محكمة جنائية دولية والذي أدى منذ 1998 إلى ولادة المحكمة الجنائية الدولية. ذلك أن هذه الإدارة اتخذت من أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 ذريعة للالتفاف على أوضاع عالم يفترض المنطق وتطور البشرية أنه يتخلص تدريجيا من قوانين الغاب لبناء بيئة أكثر عدالة وتحررا من الطغيان والهمجية.

سعت إذن الإدارة الأميركية جاهدة للالتفاف على المحكمة الجنائية الدولية الناشئة واتفاقيات جنيف والعرف الدولي، كما عملت على ابتزاز الأمم المتحدة والحصول بالقوة والضغط على قرارات من مجلس الأمن للقيام بما تشاء. وعندما لم تستطع فعلت ما تريد من دون الحصول على إجماع دولي، وفي حالات عديدة في مواجهة الرفض الدولي الواسع لسياستها. وعندما لم تفلح في الحصول على قرارات أممية أبرمت اتفاقيات ثنائية أو تحالفات محددة في الزمان والموضوع بما يتناسب مع مصالحها الاقتصادية والجيوستراتيجية.

"
الإدارة الأميركية سعت للالتفاف على المحكمة الجنائية الدولية واتفاقيات جنيف والعرف الدولي وعملت على ابتزاز الأمم المتحدة والحصول بالقوة على قرارات للقيام بما تشاء، وعندما لم تستطع فعلت ما تريد من دون الحصول على إجماع دولي
"

لتوضيح معالم هذه السياسة نستعرض بعض الأمثلة العيانية، خاصة في السنوات الأخيرة بدعوى الحرب على الإرهاب، لإرهاب الحكومات وإخضاعها لمطالبها:

- اتخاذ قرار في مجلس الأمن ينص على عدم ملاحقة العاملين في قوات حفظ السلام من الأميركيين بتهم جرائم الحرب وغيرها.

- إبرام اتفاقيات ثنائية مع دول صدقت على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية كي لا تتم محاسبة أو ملاحقة أميركيين على أراضيها.

- توقيع القرار 17 من بريمر الحاكم الأول في العراق الذي يضع قوات الاحتلال فوق المحاسبة والقانون في العراق.

- التمسك برفض تشكيل لجنة دولية للإشراف على الإنترنت في قمة المعلوماتية الأخير كبديل لهيمنة دولة واحدة على هذا القطاع.

- اتخاذ قرار من المستشارين الأميركيين بتعريف خاص لجريمة التعذيب للالتفاف على ما وقّعت عليه هي نفسها، أي اتفاقية مناهضة التعذيب.

- صدور قرار بمنع حصول أي تحويل بنكي على الصعيد العالمي لا يمر عبر مصارف نيويورك.

- فرض قرار يطالب بكشوف كاملة ودقيقة على الجمعيات الإنسانية والخيرية في العالم الإسلامي والتي تقوم بالدور الذي يفترض من الحكومات أن تلعبه في مواجهة الفقر والبؤس، ما أدى إلى إقفال بعضها أو تجميد أموالها.

- اتخاذ قرار بتعهد أية جمعية غير حكومية تنال مساعدة أميركية أهلية أو حكومية بعدم التعامل مع أي طرف تتهمه الإدارة الأميركية بالإرهاب.

- استصدار قرارات تخول لها أن تتسلم خارج القضاء من تشاء من الأشخاص من غير مواطنيها وعندما تشاء ودون حتى تقديم دليل على اتهاماتها له.

قرارات كالعديد غيرها صيغت بنفس العقلية ولنفس الأغراض، ما أدى إلى فرض ما يشبه حالة الطوارئ على الصعيد العالمي، وبحيث يبدو العالم اليوم بالتالي كمن أصيب بالعدوى من مرض خبيث عندما اتخذ المثل الأعلى الذي يحتذيه هذا البلد المتقدم تقنيا واقتصاديا والذي ضرب كلا من البعدين الأخلاقي والقانوني في العلاقات الدولية لحساب نظرة ضيقة للمصالح الوطنية.

لكنه للأسف يتعامل مع المجتمع الدولي بقصر نظر لا مثيل له، حاله حال صبي الحارة الأرعن الذي يثير الذعر أينما حل بفرض إرادته على الآخرين بالقوة بسبب تضخم الأنا المرضي نتيجة غياب أو تهميش من يفترض أن يلعب دور راعي الرعية ويجسد عمليا أو رمزيا السلطة الأعلى.

"
لا بد من تضافر جهود المجتمعات المدنية في تحالف يدافع عن مبادئ العدالة الدولية التي يستنزفها زحف أخطبوطي لمنظومات استثنائية موازية للعدالة الدولية تقود حملتها الإدارة الأميركية الحالية
"

هذه السلوكيات -أكان موضوعها فردا أم جماعة- تطرح إشكاليات متعددة كون انتفاء الضوابط لا يحوّل فقط الضعفاء في موازين القوى لضحايا لها، وإنما يجعل منها هي أيضا ضحية نفسها عندما لا تجد أمامها من يتصدى لعنجهيتها. والسلطة الأعلى هنا هي أولا مؤسسة الأمم المتحدة التي أنتجت -وبإجماع من الدول المجتمعة على مدى عقود- تشريعات واتفاقيات يفترض أن تنظم العلاقات بين البشر وتضبط السلوكيات على أسس مقبولة دوليا.

لكن للأسف كان هناك شروخ ونقاط ضعف في هذا الصرح، منها عدم وجود هيئة رادعة تستطيع أن تحاسب وتحاكم، ما سهّل للأجسام الغريبة النفاذ لهذا الكيان في طور الإنشاء والإجهاز على قدراته المناعية وطاقاته الدفاعية الكافية.

أما منظمات المجتمع المدني الناشئة فلم تستطع في ظل أنظمة قمعية أو غير ديمقراطية أن تقوم بدورها كسلطة مضادة فعالة. وحتى في ظل الأنظمة المسماة ديمقراطية،كانت السلطات التنفيذية تحاول تجاوز صلاحياتها كلما استطاعت إلى ذلك سبيلا، مطوقة السلطات التشريعية والقضائية والإعلامية لتحقيق مآربها وفرض الأمر الواقع عبر سياسات تلعب على وتر حماية أمن البشر من المخربين والإرهابيين والأصوليين والمتآمرين على مصالح البلد.

عندما تحتل مجموعة موقع المتنفذ وتتصرف كالمافيا، مبيحة لنفسها تطبيق نهجها والتعامل انطلاقا من الأيديولوجية التي اختارتها، متكئة على موازين القوة التي في صالحها لتفرض نموذجها على الآخرين، فهي لن تكون بأدائها أفضل من أية مجموعة أخرى تسميها هي إرهابية وتحاربها من هذا المنطلق.

الفارق هو ما بين إرهاب الدولة في مواجهة إرهاب جماعات مسلحة، بحيث لن تضاهي الثانية الأولى فتكا ودمارا بأي حال، بالنظر إلى القدرات التي تستند إليها والمكانة التي تشغلها، ما يؤدي إلى التعامل مع الأولى برهبة وإجلال كون سلطتها متأتية من شغلها مواقع هامة في الفعل والقرار السياسي، في حين تعامل الأخرى كالمنبوذ أو الشاة الضالة التي يجب أن تعود إلى الحظيرة كون تمردها يشكل خطرا على أمن الآخرين.

الآليات النفسية هي نفسها التي تتحكم بهذه النماذج، ويمكن أن نلخصها في آلية الخوف على الذات من الآخر بإسقاط ما في الذات من قلق وأوهام على هذا الآخر. خوف يتضاعف كلما كان الآخر مختلفا عن صورة الذات ويشكل رمزيا تهديدا لها.

لهذا نجد من يحاول أن يروض هذا الآخر ويتدخل في مجرى حياته لتحويرها بشكل يسمح بمراقبتها والسيطرة عليها أو استيعابها بالشكل الأقرب للفهم. وللوصول إلى قلب العملية هناك من يجد بدا من التدخل في المناهج الدراسية وكل ما يساهم في تشكيل ثقافة وعقلية وسلوكيات هذا الآخر للتأثير عليه وجعله مطواعا لتأثيراتها.

"
الفرق بين إرهاب الدولة وإرهاب الجماعات المسلحة أن الثانية لن تضاهي الأولى فتكا ودمارا بالنظر إلى القدرات التي تستند إليها، ما يؤدي إلى معامل الأولى برهبة وإجلال ومعاملة الأخرى كالمنبوذ أو الشاة الضالة
"
فالتثاقف لن يكون فاعلا بما فيه الكفاية عندما تكون المسافات الجغرافية بين الثقافات حائلا دون ذلك. وحتى في حال الاحتكاك المتواصل، يمكن أن ينحو التثاقف عند البعض منحى معاكساً للمطلوب عندما يتخذ شكل رد الفعل على ما يفترض أن يكون اندماجا وتخلصا من مركبات وعناصر ثقافية قديمة باستبدالها عناصر من النموذج المهيمن أو المفروض بها.

لكن إن كانت الصدمة وتراكم الإحباط يولد الخنوع والرضوخ للأقوى، فالوضع مع الوقت يمكن أن يتحول من اللامبالاة والقنوط إلى الاحتجاج والتمرد. وهذا ما بدأنا نرى تجلياته شيئا فشيئا، حيث يبدو العالم اليوم وكأنه بدأ يستفيق من غيبوبته ويلتقط أنفاسه ويحاسب هذه النظم بعدما استنتج ولمس إلى أين أودت بالعالم السياسات الرعناء التي تنتهجها.

مثال على ذلك قرار لجنة مكافحة التعذيب في الأمم المتحدة التي طالبت -ولو بعد حين- بإغلاق معتقل غوانتانامو والسجون السرية، رغم مثول 25 مسؤولا أميركيا ومحامي وزارة الخارجية أمام اللجنة التي لم ترضخ للضغوط وتبنت الإدانة.

مثال آخر هو رفض محكمة العدل الأوروبية منذ عدة أيام اتفاقا -بعد سنتين من توقيعه- ينص على تسليم شركات الطيران الأوروبية معلومات عن ركابها المسافرين للولايات المتحدة (توصل الطرف الأوروبي لتقليص عدد المعطيات المفروض عليه تبليغها من 50 إلى 34 وتقليل مدة تخزين المعلومات وذلك بعد مفاوضات وأخذ ورد).

هذا الاتفاق وقعته 25 دولة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ولكن لكونه منافيا للتشريعات الأوروبية التي تحمي الحريات الشخصية والحياة الخاصة، فقد انتهى الأمر بمحكمة لوكسمبورغ إلى نقضه إثر طلب طعن في الاتفاق تقدم به البرلمان الأوروبي قبل شهر وبعد فوزه بأغلبية في التصويت، وذلك رغم أن الأغلبية ضئيلة وأنه لاقى بعد أسبوعين معارضة من المفوضية الأوروبية التي وقفت مع الاتفاق.

لكن لأن السلطة التنفيذية كانت قد تجاوزت صلاحياتها بإبرام الاتفاق، فما كان من المحكمة سوى إعطاء المثل باتخاذ القرار الجريء، علما بأنه سيفتح حتى نهاية سبتمبر/أيلول المقبل معارك بين الطرفين ليس أقلها شن نوع من الحرب الاقتصادية والتهديد بالتأثير على السياحة وبتغريم شركات الطيران مبالغ قد تصل 6000 دولار عن كل راكب لا تقدم المعلومات المطلوبة عنه.

مع تبني مركز الحقوق الدستورية الأميركي إغلاق معتقل غوانتانامو، إلى جانب عدد هام من المنظمات غير الحكومية الأميركية، والوصول إلى إجماع على هذا الموضوع في الفضاء غير الحكومي في أوروبا، ونضوج فكرة الدفاع عن العدالة الدولية من أجل الحقوق المشروعة للشعوب والأشخاص في العالم العربي، أصبحت الأرض مهيأة لمؤتمر دولي كبير لمناهضة المنظومات الاستثنائية الموازية وبناء جبهة حقيقية للدفاع عن أهم منجزات البشرية في النصف قرن الأخير. فلنبدأ دون انتظار.
ــــــــــــــــــ
رئيسة اللجنة العربية لحقوق الإنسان

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة